|
* بشار.. ولحظة انهيار
امبراطورية الفساد..(5)
بقلم: د. نصر حسن *
أخبار
الشرق – 30 نيسان 2006
الواضح
للجميع أن الوريث بشار أسير شبح الديكتاتور حافظ أسد الذي يحكم
سورية حقيقةً وواقعاً وأن شكل الحكم المغلق والمقفول داخل مربع
الاستبداد المكروه والذي صممه ليحاصر الشعب، انحصر أيضاً هو
فيه، ويمثل الامتداد الفعلي والمنظور لمسيرة النظام وفي هذا
يكمن كل ما نعيشه من انهيارات وأزمات وبشاعة الوصف والصفات.
ولعله من المفيد التذكير ببعض صفات الأب التي انسحبت على الابن
في دورة وراثية "بيولوجية سياسية"، تمثل طفرة وراثية جديدة في
تطورنظام الحكم الفردي وصفاته.
خلاصة وصف
الديكتاتور حافظ أسد (وهذا ورثه بشار مع جملة الموروثات كذلك)
هو "أنه عندما قرأ كتاب ميكيافيللي الشهير - الأمير - لأول مرة
ابتسم ابتسامة غدر على ميكيافيللي قليلها ظاهر وكثيرها باطن،
وغارت عيناه وكأنه في حالة رؤية المستقبل الأسود الذي ينتظر
سورية، وردد في قرارة نفسه سنرى من هو الأمير يا
ميكيافيللي..!" ووضع الكتاب المسكين تحت مخدته ولم يفارقه،
ينام معه، سجنه تحت ثقل رأس غريب لم يخطر على بال حتى من ألّفَ
الأمير.. ولا على بال شياطين الأمير.. وهذا ما كان..!
إن حالة
الاستعصاء العام التي تشهدها سورية اليوم هي النتيجة الطبيعية
للنظام الفردي الشمولي التي أسسه الفاسد الكبير حافظ أسد منذ
الأيام الأولى لسيطرته على الحكم، واتبع كل الوسائل لتثبيت هذا
النهج مبتدئاً بفرض حالة الطوارئ بشكل كاذب بدعوى الصراع مع
العدو ولكنه يضمر باطنياً الإصرارعلى تثبيت الاستبداد وانتهاك
القانون وقمع الشعب، مروراً بفرض قانون "الحزب القائد للدولة
والمجتمع" إلى وضع "دستور عام / 1973 /" الذي فصل على قياس فرد
طاغية إلى "القانون رقم /49/" الذي يحكم بالإعدام على كل من
ينتمي للإخوان المسلمين (كل إنسان متدين ووطني عملياً) وعممه
على كل من يمارس العمل السياسي الوطني الحر والديموقراطي، وحصر
الشعب داخل هذا المربع المهين والخطير، مربع الاستبداد والتآمر
والفساد والموت الذي لم تعرفه شعوب الأرض جميعاً. وكان هذا
المربع هو ممر الموت المظلم الذي نقل سورية من موقع الدفاع عن
الأهداف الوطنية والقومية إلى موقع إلغاء تلك الأهداف، ومن
المساهمة في حالة النهوض الوطني والقومي وبناء دولة متطورة
تمشي إلى الأمام في قافلة الحضارة، إلى حالة تعطيل كامل لكل
عوامل النهضة وإعاقة قوى المجتمع المتطلعة نحو التقدم وعزل
سورية ضعيفة متخلفة تمشي إلى الوراء على هامش الحضارة والعصر،
ومن ساحة تحرير فلسطين والأرض العربية إلى ساحة الصدام الدموي
الظالم مع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ومع
الشعب السوري وإلغاء دوره في عملية المواجهة حتى يتمكن من
تمرير المخطط الخارجي الإستراتيجي التحطيمي المشبوه، وتحصيل
حاصل دفع سورية والعالم العربي إلى هذه الحالة المفككة
والمتخلفة والفاسدة، حالة الاستعصاء والانهيار العام التي
نعيشها اليوم.
وليس من
الصدفة وسوء الاجتهاد أو الغباء هو الإصرار أو فرض القرار
باستمرار حالة الطوارئ ولأول مرة في التاريخ البشري لما يقرب
من نصف قرن وليس لسبب كارثي خارجي بل لضبط إيقاع مجتمع بأكمله
على هدف خارجي ضد مصالحه الوطنية والقومية. وليس صدفة أيضاً
تقنين أن البعث هو قائد الدولة والمجتمع وحكر الوطنية وتخوين
شعب بأكمله وتوزيع بطاقات الوطنية على عائلة الأسد وأتباعهما
الفاسدين من هنا وهناك، بل كان هذا المنهج المبرمج لجر سورية
إلى حالة من الجمود على مستوى الفكر والسياسة والإقتصاد
والتعليم وإبعادها عن التطور، وفتح باب الفساد والإفساد على
مصراعيه لإرباك الشعب والدولة، وتحت الضغط المخيف والفقر
والجوع وحرمان الشعب من حريته وأبسط حقوق المواطنة، كي تختلط
الألوان في ظلام حياة المجتمع وتنتفي القدرة على الرؤية
الصحيحة، وبالتالي حرف اهتمامات الشعب بالإلغاء والإخفاء أو
بالتجويع و بالتركيع والتطويع، الأمر الذي يسهل على حافظ أسد
تنفيذ مخططه المنحرف والمشبوه وبهمة غير وطنية عالية لأنه يريد
أن يكون الإرث مفصل هذه المرة على قياس وقدرة الوريث الجديد،
وسار قدماً بإصرارعلى طريق تأسيس دعائم امبراطورية الفساد التي
سيرثها الابن بهذا الشكل المنهار ليكون قادراً في حكمها على
الاستمرار.
تمر السنين
ثقال راعفة على الشعب السوري سجين هذا المربع المرعب الأسدي
اللعين، أسير حالة الصعق الوطني والسياسي والاجتماعي
والاقتصادي التي يحصر بها النظام وتيرة الأحداث، الصعق هو
الأسلوب المفضل للحاقد الكبير والطريق الأقصر والغالي التكاليف
الإنسانية للوصول إلى تحقيق النظام مخططه المشبوه، التكاليف
الإنسانية الهائلة والتي يمكن أن نقول بحساب كل أشكال منطق
الحكم والمنطق السياسي بأن جزءاً بسيطاً منها كافٍ لتغيير
النظام عدة مرات ومهما كانت معايير شرعية الاستمرار في الحكم،
فما بالكم بحكم غير شرعي أصلاً..!
ورجوعاً
إلى الوراء قليلاً نرى بوضوح أن أهداف البعث القومية الوحدوية
أعيد إنتاجها من قبل حافظ أسد منحدرةً إلى تثبيت واقع التجزئة
وتجزيئه والتعبير عنه بالطائفية السياسية، وشعارات التحرير إلى
مشاريع الاستسلام، وتحقيق الحرية والاشتراكية إلى تدميرالمدن
فوق ساكنيها وقتل عشرات الألوف من الأبرياء وامتلأت السجون
بالرجال الأحرار وعاش الشعب الفقر والجهل والتخلف والقمع الذي
لا مثيل له، وانتهكت كل القيم الإنسانية وعبث بالشعب والمقدسات
الوطنية والقومية وبالشكل الذي لم يعرفه الشعب حتى من طغاة
المستعمرين.
ويستمر
حافظ أسد في تنفيذ المسلسل السياسي الدرامي في سورية ومحيطها
في محاولة نشر سمومه على عموم الساحة الوطنية والعربية، لكن
فصول المسلسل على الوضع الداخلي في سورية كانت أكثر سواداً
وظلماً وفساداً، وأدت سياسة القمع والتشويه التي مارسها على
مستوى الدولة والمجتمع، وتكريس حالة انعدام الأمن عبر سيطرة
الأجهزة والمخابرات على كل شاردة وواردة في حياة الدولة
والشعب، أصبحت الأجهزة هي التي تحكم وتنظم عمل الشعب عبر هياكل
وتنظيمات طلابية وعمالية ونقابية ومهنية وتضخّم دورها إلى الحد
الذي أصبحت البوابة الإجبارية الوحيدة التي يجب أن يمر منها
الشعب نحو دراسته وعمله وممارسة مهنته وحياته الخاصة والعامة
بكل مفراداتها.
وطغى الهدف
المركزي الوحيد على سلوك النظام وعلاقته مع الشعب وهو إجهاض
الحمولة الوطنية للشعب في سورية ومحيطها ودفع وتجييرسورية
باتجاه الوصول إلى تنفيذ شعار "السلام الشامل والعادل" وقد سبق
وأن ذكرنا أنه في حقيقة الأمر هو يعني الاستسلام الشامل أمام
العدو والإعتراف المجاني به، وفي تبني حافظ أسد لهذا لشعار
يكمن الغطاء الدولي له والصمت على انتهاكاته الخطيرة لحقوق
الإنسان في سورية، والقليل من فهم معناه في حينها وقدر خطورة
فاتورته واستحقاقاتها، وربط بين كل تلك الهمجية في العلاقة مع
الشعب والصمت الرهيب على الجبهة السورية، لكن هذا الهدف الذي
لم يكن واضحاً للكثيرين، اتضح لهم في مؤتمر "مدريد للسلام"
الذي أقر مشروع السلام الشامل والعادل والدائم أي التطبيع الذي
مهد وعمل له أبو الوريث لسنين طويلة، هذه المحطة المؤتمر الذي
أوصل حافظ أسد سورية إليه كان ثمنه ماحدث في سورية من نكبات،
وما أسيل من دماء طاهرة، وتخلف سورية وخروجها من العصر..
وللحديث تتمة..
__________
* كاتب
سوري |