يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* في إشكالية الحركة القومية - المفارقات (3)

بقلم: جلال/ عقاب يحيى *

أخبار الشرق – 11 شباط/ فبراير 2010

- حول التشكّل:

تمهيداً: يجب الإقرار بأن نشأة الفكر والاتجاه القومي في المشرق العربي على العموم، وبلاد الشام والعراق على وجه الخصوص كانت نتيجة عوامل ثلاث متضافرة يصعب تمزيقها فصلاً وتشتيتاً، أو عزلها عن بعضها.

أولهما: شدة مركزة وكثافة تواجد الحكم التركي في هذه المناطق عنها في بقية البلدان العربية التي خضعت لحكمه، حيث أنها مجاورة تماماً، وبالتالي كانت يد الأتراك طويلة، وقوية، ومباشرة فيها، وهذا ما يفسر صعوبة نجاح حركات التمرّد والاستقلال في هذه البلدان ولو لفترات محدودة، كما كان حال مصر التي عرفت ما يشبه الاستقلال الذاتي، والجزيرة العربية (التي شهدت انتفاضات وتمردات متلاحقة، وكيانات عديدة عاشت ردحا من الزمن)، واليمن، بطبيعة الحال (البلد الوحيد الذي لم يستطع الأتراك السيطرة عليه والمكوث فيه)، وبلدان المغرب العربي.. التي كان الوجود التركي فيها رمزياً، وضعيفاً، ومحدوداً، ويخصّ الفئات الحاكمة وبعض قوات الجيش التي تنقص أو تزداد حسب الظروف، مما سمح لعديد حركات الانفصال والاستقلال والتمرد بأن تنتعش هناك وتضعف هنا.

المركزة الشديدة تعني: المزيد من الاستبداد والظلم والعسف. المزيد من ملاحقة الحركات العربية الداعية للمساواة والاستقلال واعتقال وتصفية رموزها، والمزيد من الاحتقان في مناخات مناسبة للانفجار. ويعني أيضاً توفّر عوامل ردّ الفعل على واقع قائم يتصف بالتمييز، وتهميش العرب واحتقار ثقافتهم ولغتهم وتراثهم وحقوقهم.

لذلك، ومع بوادر أزمات السلطنة المتفاقمة، وتهرّبها من وعود المساواة، والإصلاح، ووضع دستور يبيّن ويحدد السلطات، وموقع ومكانة ودور العرب فيه (صدر الدستور عام 1908، لكن سرعان ما جمّد العمل فيه السلطان عبد الحميد)، وتطبيقه.. كانت بلاد الشام والعراق منطلق العديد من الجمعيات والتنظيمات العربية الداعية إلى المساواة، بدءاً من (إصلاح السلطنة)، ووصولاً إلى المناداة بالحكم الذاتي، ثم الانفصال. مما سمح بولادة، وبلورة، وانتشار الأفكار القومية التي تمجّد العرب، وتدعو إلى توحيدهم وتحررهم، كأمة عريقة، متميّزة.

وعلينا أن نسجل هنا، ومن هذا الواقع، ومفرداته الأخرى، أن النظرة، على العموم، للفترة العثمانية تختلف جذرياً في بلدان المغرب العربي عنها في بلدان المشرق، فهناك، وأمام المطامع الأوربية المباشرة، وغزواتهم المتكررة لعدد من مناطق تلك البلدان، ولعدم وجود ديانة أخرى غير الإسلام (أصحاب الديانات الأخرى وافدة وليست من السكان الأصليين)، وقلة التواجد التركي، وبالتالي ضعف سطوته ونفوذه، اعتُبر الأتراك أخوة في الدين، ومساندين وداعمين.. بل ومنقذين وحُماة، بينما اختلف الأمر في المشرق الواقع تحت القبضة المباشرة للحكم (عسكري مختلط مع إقطاع متخلف)، ناهيك عن سلسلة عمليات التتريك التي أفصحت عن نفسها بوضوح مع نمو الاتجاه الطوراني، ثم سيطرته.

وثانيهما: يعود إلى وجود المسيحيين واليهود العرب في بلاد الشام والعراق بنسب مُعْتَبرة، وهم سكان عرب أصليون، سابقون، في أغلبيتهم، على دخول الإسلام تلك الديار بقرون، وبعضهم يرجع إلى تلك الحضارات الموغلة في القدم، كالسريان والكلدان والآشوريين وسواهم....

هؤلاء وإن سجّل التاريخ اندماجهم في الدولة العربية ـ الإسلامية (كجزء صميمي فيها)، فإنه من غير المعقول أن يكونوا كذلك في ظل دولة غريبة عنهم في الأصول، واللغة، والدين. وإذا كانت مواقفهم التاريخية مشفوعة بالطابع العربي للدولة، فإنها تصبح مختلفة عندما يتغيّر الأصل. ناهيك عن معاملتهم (كأهل ذمة" ملّة")، ووقوع العديد من المظالم عليهم، ومحاولة الغرب استخدام هذا الوجود كمدخل للتدخل، وبسط الحماية والنفوذ فيما عُرف بـ"نظام الامتيازات" وتمدمده ليشمل فرض الحماية على عديد المسيحيين، ثم تواتر توافد بعثات التبشير والمدارس الرهبانية والدينية، وغيرها، فالنفوذ القوي للوجود الغربي في بلاد الشام الذي وصل حدّ شرعنته تركياً، وحدّ التدخل في الشؤون الداخلية للسلطنة، وفرض العديد من الاشتراطات عليها في مجالات مختلفة.

إن العروبة المتأصلة لدى الأغلبية العظمى من هؤلاء العرب، وتحقيق ذاتهم عبر حالة عربية، قومية، وافتخارهم بأصولهم وانتمائهم.. دفعتهم ليكونوا في مقدمة روّاد الدعوات القومية، وطلائع التبشير بالوحدة العربية والقومية العربية، ووجوب استقلال العرب ووحدتهم في دولة واحدة..

وثالثها: تعود إلى دور المؤثرات الاستقلالية: عربية المصدر، أو أوربية.

لقد شهد القرن الثامن عشر، والتاسع عشر، حركات استقلالية متلاحقة عمّت معظم البلاد العربية الخاضعة للحكم العثماني، وكان لبعضها تأثير قوي، مباشر على وعي البشر، وحركتهم، واستيقاظهم للمطالبة بالاستقلال، ونخصّ بالذكر أبرز تلك الحركات التي انتشرت، وحققت بعض الانتصارات هنا وهناك، كالدعوة السنوسية في ليبيا واليمن والجزيرة العربية، والمهدية في السودان، والوهابية في الجزيرة العربية.. وقوفاً طويلاً عند حركة (محمد علي باشا وولده إبراهيم)، والتي ظهر فيها الاتجاه لوحدة العرب بارزاً في إطار مشروع نهضوي ـ تحديثي كبير، تمكّن، عبر ولده إبراهيم، من تحقيقه لبعض الوقت عندما اكتسحت جيوشه بلاد الشام وجزءاً من الجزيرة العربية والعراق، واستقبلت بالترحاب لدى أغلبية المواطنين الذين رأوا فيها سبيلاً للخلاص من الاحتلال التركي، ووحدتهم في دولة قوية تعيد أمجاد الأزمان الغابرة. دون إغفال دور المصلحين الكبار كالكواكبي والأفغاني وغيرهما من تلك الكوكبة التي عملت على نشر أفكار جديدة تتمركز حول وجوب إصلاح السلطنة جذرياً، وموقع العرب ودورهم كأمة متميّزة الخصال والخصائص.

في الوقت نفسه كان (العملاق) الأوربي الخارج من قمقم نظام الإقطاع المتحالف مع الكنيسة يدشّن عصراً جديداً من الانفتاح والحريات العامة، والأفكار المتحررة، ترافقاً مع (الكشوفات الجغرافية)، واختراع الآلة البخارية، وبدء التحوّل إلى إمبريالية تغزو الشعوب الأخرى تحت رايات "تحضيرها" (استعمارها).. بدءاً من حملة نابليون على مصر وما دكّته مدافعه للركود السائد في العقول والأوضاع، وما رافق الحملة من مطبعة ومؤرخين وباحثين ومنقبين.. إلى انطلاق أفكار الوحدة القومية، وحرية البشر من كل القيود، وتلك الترسانة الكبيرة من الأفكار الجديدة التي راحت تغزو العقول والعالم، فتتخطى القيود والحدود، وتتغلغل قوية، بديلة.

ومما لا شكّ فيه أن البعثات التعليمية، التبشيرية، وتوابعها، وتلك التواجدات الأوربية الشرعية المتزايدة في المنطقة، وما تبعها من إرسال، وسفر عديد أبناء العائلات الميسورة، والوسطى لتلقي العلم في الغرب، أو العمل هناك..وحركة الاحتكاك والتفاعل الحاصلتين في أكثر من مجال.. قد أسهمت في خلق مناخ جديد سمح للرواد العرب بالتثقف، وطرح أفكارهم الأولى عن الحرية والاستقلال والوحدة، والقومية العربية. ولذلك لا غرو أن نجد الكثير من أولئك الروّاد هم من المسيحيين العرب (وإن عرفت الفترات اللاحقة تنوّعا واضحاً، ودخول الكثير من المسلمين هذا الميدان، وبروز قيادات منهم لم تكتف بنشر الأفكار، وإنما راحت تعمل على إقامة المنتديات والجمعيات الثقافية والسياسية، وعديدها انتقل للعمل السري، وبعضها كان يخصّ العسكريين: كـ"العربية الفتاة" التي أسسها سبعة شبان عرب من أصول مسلمة كانوا يدرسون في باريس، ثم انتقلوا بها إلى بيروت ودمشق، وهي التي قامت بدور كبير في المرحلة التالية، و"جمعية العهد"، و"القحطانية"، وغيرها كثير من المنتديات الأدبية والثقافية والسياسية، والعسكرية، والتي أسهمت بدور كبير في انطلاقة ونتائج" الثورة العربية الكبرى" (رغم تآمر وتواطؤ الإنكليز والفرنسيين عليها)، وفي بلورة الحركة القومية الصاعدة.

بالوقت نفسه، فإن حركات الاستقلال التي قامت، وولادة أجيال من المصلحين والثوار العرب.. من عيار الكواكبي، والأفغاني وغيرهما..أدّت إلى تضافرها مع الأولى، وتوليد مناخ استقلالي، عروبي مهّد الطريق لولادة حركة القومية العربية..

لهذا يمكننا تلمّس اتجاهين، أو منحيين تأسيسيين في تشكيل الفكر القومي الحديث.

أولهما: ذلك المتأثر بالفكر الأوربي القومي، ونتاج الثورة الفرنسية، وما قامت به أوربا من ثورات في ميادين الثقافة والعلوم والفكر، وفصل الدين عن الدولة، ومن إنجازات قومية، وحدوية شكل فيها "بسمارك" الألماني، و"غاريبالدي" الإيطالي النموذج (البطل) الملهم لمعظم روّاد، ومفكري، ومؤسسي الفكر القومي العربي، خاصة أولئك الذين سمحت لهم ظروفهم الدراسة والتواجد في الغرب الأوربي، أو الاحتكاك به، فكان التأثّر بحالة متفوّقة، صاعدة، حيّة، تخاطب العقل، وتبشّر بحرية وانعتاق البشر، في مجتمعات يتساوون فيها أمام القانون.. أمراً طبيعياً، وتحصيل حاصل فعل السيرورة الحضارية على جميع البشر، خصوصاً المحتكّ بها بشكل مباشر.. دون أن نغفل دور وتأثير الأفكار الثورية الاشتراكية والتحررية بشتى تلاوينها، بدءاً من المثالية والفوضوية والإصلاحية، والهيغلية، ونيتشة، مروراً بالماركسية الأم، وماركسية المدارس المتعددة، وتلاوين المجددين والوجوديين وغيرهم، وكثيرٍ من مفكّري (عصر الأفكار الثورية التحررية، الانعتاقية ـ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وانتصار الثورة البلشفية في روسيا /1917/).

ـ التأثر متفاوت، بالتأكيد، بين التقليد الحرفي، المحاكاة، الانبهار وحتى الذوبان، وبين الاستناد إلى تلك المعطيات في تحليل الواقع العربي واشتقاق الأفكار والأهداف المناسبة، وبالأخصّ ما يتعلق ب" الأمة" وتكوينها، وخصوصياتها (لاشكّ أن الخصوصية شكّلّت ميداناً للمغالاة والشطحات البعيدة عن الواقع، لدى بعض هؤلاء، واستمرت، بتلاوين مختلفة، في جميع المراحل اللاحقة، مما خلط حابل الحقائق بنابل التعصّب والعصبوية والخوارقية)، والقومية وعناصرها، وصولاً إلى الصياغات الأولى ل" نظرية الأمة والقومية العربية"، والتي اعتبرت واحدة، أو أن القومية اشتقاق الأمة وتعبيرها في جميع العصور والمراحل، وأقلها: المشاعر الفطرية والغريزية لدى العربي.

ولئن ركّز البعض على عنصر الدم ـ العرق (الأصول الواحدة ـ الصافية)، أو اللغة، أو العاطفة والشعور، والوجود المبلور للعرب قبل الإسلام (بقرون)، والنفخ فيه، وفي بعض الوقائع الجمعية (كذي قار، وبعض حالات التوحّد بين بعض القبائل العربية الموسوم بظروفه)، أوحال وموقع ودور الممالك الصغيرة التي قامت هنا وهناك، بل وحتى نَسْب حضارات الشرق إلى أجداد العرب، أو مستوى نضج الشعر الجاهلي الذي يعبّر عن وجود تراكمي قبله طويل المدى يؤكد البعد الحضاري، والسقف الثقافي العالي، أو نَسْب القبائل وهجراتها (في بلاد الشام والعراق، ومصر، وصولاً إلى المغرب العربي، وأكثر) إلى أصول عربية واحدة، وإسباغ العربية (عرقاً) على جميع سكان الوطن العربي، وردّهم إلى منبت واحد، وأرومة مشتركة، كالحسم في أصول الأمازيغ (كهجرات عربية سابقة للإسلام)، وسكان بلاد الشام والعراق، وحتى بعض الأسر الفرعونية، والأكراد، ناهيك عن الكنعانيين والفينيقيين.. وسواهم من الأقرباء، والفروع..

لكننا نجد عديد من هؤلاء الروّاد، وقد تشرّبوا تلك الأفكار، وعَبَروا مرحلة الانبهار والهضم والتمثّل، قد حاولوا استخدامها في فهم مكوّنات الأمة العربية، وقراءة وجودها في التاريخ، والواقع القائم، وفقاً لمنهج موضوعي يحاول الارتكاز على القواسم المشتركة التي طالما اتفق عليها بحّاثة ومفكري أوربا القوميين، مثل اللغة، والجغرافيا، والتاريخ المشترك، والثقافة، وحتى المشاعر والآمال للكتلة الرئيسة.. فتشكّلت، لدى الأغلبية منهم، تلك الخليطة العامة التي كان عيبها الرئيس: الانطلاق من قرار مسبق (حقيقة وجود الأمة، وحقيقة توفّر مقومات وحدتها، وحقيقة خصائصها المنفردة بها والمتميّزة عن غيرها)، وبالتالي: تجميع العوامل التي تبرر تلك الحقيقة، وليّ بعض الوقائع، أو قسرها، أو مطمطتها لتكون منسجمة وصالحة للمراد، فاجتمعت عناصر الأصول باللغة، بالمشاعر، بالثقافة، بالتاريخ المشترك، بالجغرافيا (التي طالما جرى توضيح تخومها المميزة عن جوارها ـ من الماء للماء)، ثم العادات والتقاليد والصبوات المشتركة..

نلاحظ غياب، أو ضعف العامل الديني في مقولات وأفكار عموم هؤلاء الروّاد (أغلبيتهم)، وإن اعترف البعض بدور الدين الإسلامي (التاريخي) في وحدة العرب وإقامة دولتهم المركزية، و(إمبراطوريتهم الشاسعة)، لكنه اعتراف يرتبط بالماضي، وبفترة ما تخصّ الكوننة، ثم استقلالية الأمة كشخصانية لها مقوماتها الخاصة وماهياتها، ومميّزاتها، حيث لم يعد له فيها ذلك التأثير الحاسم، (يمكن تلمّس ردّ الفعل الطبيعي والمبالغ فيه على امتهان الأتراك للعرب واحتلالهم الطويل الذي أدى إلى المزيد من الركود والتخثر والتخلف، ومحاولات التتريك التي دأبت عليها الحركة الطورانية، ومعاداة العربية: لفة وتراثاً ومكانة، وتهميش العرب تماماُ)، في حين حاول البعض"تعريب" الدين الإسلامي، وكافة الأديان السماوية التي انطلقت من منطقتنا، على أساس أنها عربية المنشأ، والغاية، وأن الإسلام، بالتحديد، جاء للعرب، فكان منهم وإليهم.

في تطورات هذا المنحى القومي الحديث، خاصة بعد فشلّ "الثورة العربية الكبرى" في تحقيق أهدافها المركزية، وبعد افتضاح التآمر الإنكليزي ـ الفرنسي عليها، وفرقعة، وتفرّق، وتشتت مفكريها وروادها وتلك الجمعيات التي قامت بدور هام في المرحلة العثمانية (رواد حركة النهوض القومي)، ومع الانتقال إلى مرحلة أرقى من التنظيم (ولادة الأحزاب القومية).. جرت محاولات (نظرية ـ سياسية) للتوفيق والتفريق بين مجموع العوامل المطروحة، وبالأخصّ منها: العامل الديني والقومي، مع خلطة عامة عن الأصول الواحدة، والتاريخ المشترك، واللغة، وكنوع من الحدّ الفاصل بين الأمة العربية وجوارها الإسلامي، خاصة تركيا وإيران، وركّز هؤلاء كثيراً على عامل المشاعر، والفطرة القومية التي تلد مع الإنسان وتدفعه للبحث عن هوية الانتماء (قبل الأديان، وقبل التفكير بالاعتقاد الديني)، وقد أسهم عدد من المفكرين في تلك الصياغات الأقرب للعلمانية، خاصة ساطع الحصري، وقسطنطين زريق، وزكي الأرسوزي، دون نسيان، أو إغفال الدور البارز لميشيل عفلق الذي جمع الفكرة بالدعوة إلى التنظيم القومي (وعدد آخر من المفكرين والسياسيين القوميين السابقين واللاحقين، خاصة كوكبة المسيحيين العرب في لبنان وسورية كناصيف اليازجي وبطرس البستاني وولده إبراهيم، ونجيب عزوري، والضابط المصري الشهير عزيز علي المصري، وعديد الروّاد القوميين الإسلاميين: محمد عزة دروزة ـ زكي مبارك ـ شكيب أرسلان ـ رشيد رضا، والرائد، المصلح عبد الرحمن الكواكبي، وحتى الأفغاني ومحمد عبده، وغيرهم)، وقوفاً عند البعث ومؤسسيه: عفلق والبيطار، وأكرم الحوراني، وقبلهما عديد الحركات والمكونات السياسية الممهدة، وحركة " القوميين العرب" التي ولدت في أوج " سلب فلسطين"، كحركة ثأرية عرفت تطورات كبيرة لاحقا، وكان شعار البعث بـ"أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة" تعبيراً وتلخيصاً لتلك الرؤى (الخليطة)، مثلما كانت كتابات الأستاذ ميشيل عفلق (المبكرة) عن الإسلام ودوره، والرسول العربي ورسالته (إلى العرب) محاولة للتوفيق، ومحاولة للجمع، وإن تشرّب البعث (منذ النشأة) أفكاراً حداثية، ثورية، تخصّ الاشتراكية والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية بمفهومها الغربي (الحياة النيابية، والانتخابات)، والتي تفصّحت أكثر بعد اندماجه والعربي الاشتراكي، وقدراً من أفكار العلمانية التي جعلت البعث أقرب إليها منه للحركات المثالية والدينية. (خطا البعث خطوات مهمة نحو العلمانية، والثورية ـ بعد الوصول للحكم في العراق وسورية ـ من خلال المؤتمر القومي السادس، و"بعض المنطلقات النظرية" /1963/، واندفع بعيداً في سورية بعد حركة /23/ شباط 1966/، ثم تغلّب السياسي ـ التكتيكي ـ السلطوي في كل من سورية والعراق، بأشكال مختلفة، فاتجه العراق نحو ما يعرف ب" الحملة الإيمانية" كنوع من المزاوجة بين القومية العربية والإسلام، (وردّاً على نجاح" الثورة الإسلامية في إيران" وما جملته من مشاريع بديلة، ومن شعارات تصدير الثورة، وقيادة المنطقة). وتمرّجح البعث الحاكم في سورية بين أيدي، ومزاج، ومصالح الحاكم الفرد الأحد.... وهو ما سنتوقف عنده في حلقة قادمة)، بينما انتقلت حركة القوميين العرب إلى ميدانين متجاورين: ميدان الناصرية الصاعدة، ثم ميدان الماركسية ـ اللينينية، فالتوزع التنظيمي والانشقاقي، وممارسة الكفاح المسلح في فلسطين (الشقّ الفلسطيني واللبناني والسوري). وكانت هذه الخليطة المتشربة قدراً كبيراً من الفكر الإسلامي، أكثر وضوحاً في فكر عبد الناصر، والذي عرف، بدوره، تطورات هامة باتجاه الفكر الثوري، الاشتراكي.

****

ثانيهما: اتجاه قومي ديني، أو ديني قومي، فديني..

نلاحظ أن الروّاد الأوائل، وإن كان الطابع الديني غالباً على اتجاهاتهم إلا أنّ البعد القومي العربي سمة مميّزة فيهم، بل هو الدافع والمحور حتى في فهمهم للدين الإسلامي (الذي نزل القرآن الكريم بلغة عربية فصيحة)، فركّزوا على دور العرب في حمل الرسالة ونقلها ونشرها، وفي تلازم الدين والعربية كتوأمين، مع تغليب البعد العربي كنوع من الدفاع، وفي سبيل بعث وجودهم وكيانهم. وكان الكواكبي أبرزهم، الداعي إلى وحدة العرب في خلافة إسلامية يكون الخليفة، أو الرئيس فيها من قريش (كتابه أم القرى)، ناهيك عن فضحه الفذّ للاستبداد ومفاعيله وآثاره، ودعوته الصريحة لحرية البشر، وحق الاختيار، ومنع العسف، وطرحه تصورات عن الوحدة العربية تقوم بين ممثلين عن أقطارها يجتمعون في مكة ويقررون، بالتشاور والاتفاق، الاتحاد واختيار قائداً من بينهم (يفضّل أن يكون من أصل قرشي).

حتى الأفغاني المنسوب لأفغانستان (الذي يعتبر نفسه حسيني الأصل) ركّز في جوهر دعوته على دور وموقع العرب في الإسلام، منادياً بإعادة ذلك الدور، وبإحياء العربية واعتمادها لغة رسمية وحيدة للسلطنة، معيباً على الأتراك إهمالها وازدراءها. وقد نحا منحى هذين الرائدين العديد من الرواد العرب الإسلاميين كرشيد رضا، وشكيب أرسلان ومحمد عزة دروزة، وابن باديس في الجزائر، والإبراهيمي، والخطابي والثعالبي، وكثير من الأعلام والرواد الذين تزاحم بهم الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، وفي معظم الحركات والدعوات التي شهدها أواخر القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وهؤلاء كوكبة واسعة انتشرت في جميع البلدان العربية.

بل إن حركة الإخوان المسلمين، وعلى يد مؤسسها حسن البنا تناولت البعد العربي والوحدة العربية بشكل واضح، ووقفت ضدّ الدعوات التمصيرية، والفرعونية، وغيرها من الدعوات الإقليمية، ونهج هذا النهج عديد من مؤسسي حركة الإخوان المسلمين الأوائل، وإن نظر إليها البعض على أنها خطوة مرحلية على طريق إقامة الدولة الإسلامية الواحدة، وإن خلط أغلبهم الأمة العربية بالإسلامية، وبما يعنيه ذلك من مضامين سلفية..

لكن تطورات ملحوظة حصلت في المرحلة التالية عند الاتجاه الديني الرسمي، والسلفي، أبرزها تجلى في ضمور البعد العربي، وفي معاداة القومية العربية، والوحدة العربية، وعدم الاعتراف بوجود أمة عربية واحدة، مميّزة، عبر طرح بديل: الوحدة الإسلامية، والخلافة الإسلامية (أو الدولة) الجامعة، وهناك من نسف الخصوصية العربية تماماً، وأعلن حرب التكفير والاتهامات على الحركات القومية، مُطلقاً عليها فيضاً من النعوت السلبية.. الأمر الذي أدى إلى خندقة عدائية بين الاتجاهين، زادتها حدّة وعنفاً وصول بعض الحركات القومية إلى الحكم وما مارسته من عمليات قمع، ومحاولات اجتثاث، وبعض المراهقة الفكرية والسياسية، والشقلبات الظرفية في الأهداف والأفكار والشعارات والمهام..

وباتت العلمانية وكأنها تهمة خطيرة توازي، أو تعني الكفر والإلحاد، والعمالة للغرب، بل هي الإلحاد ذاته، خصوصاً وأن الاتجاهات العلمانية عرفت ارتجاجات وترددات وتشوشات متلاحقة، وعانت منذ بدايات طروحاتها بلبلة اختلاطية منعتها من صياغة خط علماني يستند إلى المنهج العلمي في التحليل والتركيب والممارسة، يؤدي إلى فصل الدين عن التسيّس والسياسة، ومساواة المواطنين، جميعاً، أمام القانون، والبعد عن العصبوية والتعصب الحزبوي، الأقلوي، وعن الممارسات القمعية التصفوية للآخر المخالف، ودون أن يقع في فخّ التكفير، والإلحاد، والعداء للأديان، خاصة الدين الإسلامي (بخصوصياته وشموليته).

ويجب الاعتراف (هنا) أن الخط القومي: بصياغاته ومحدداته وارتباكاته، وبالسمة التشددية (الأقرب للعنصرية) عند بعض الحركات والمفاهيم.. كان يُخرج بشكل مسبق، وآلي عديد المكوّنات الإثنية (المُعترف بأنها تنتسب إلى قومية أخرى غير العربية كالأكراد والتركمان والجاليات المتعددة من الشركس والأرمن والشيشان والأفارقة، وغيرهم، أو تلك المتنازع حول أصولها، كالأمازيغ، وبعض من يعتبرون جذورهم غير عربية وأسبق منها، كبقايا الفينيقيين والكلدان والآشوريين السريان وغيرهم، أيضاً)، وبالتالي كانت تجد في الإسلام، أو الشيوعية والأممية المجال الأرحب، والجامع الذي لا يفرّق بين المواطنين على أساس العرق والقومية.. وربما هذا ما يجد تفسيره في إقبال الأقليات القومية على الأحزاب الشيوعية، ثم الحركات الإسلامية، خصوصاً بعد ما يُعرف بـ"الصحوة الإسلامية"، والتي اتسمت (في ميداننا هذا) باختلاطات واتجاهات قسرية ضد العرب وقوميتهم، وحقّهم بالوحدة كأمة مستقلة تماماً كما هو شأن بقية الأمم الإسلامية.

لقد خلط الإسلاميون (عنوة) بين الدين والقومية، فأبوا الاعتراف بحق كيانية الأمة العربية، وحقّ وجودها في دولة مركزية واحدة، وحق تميّزها عن بقية العالم الإسلامي بأممه وشعوبه المختلفة، وعديدهم ما زال يطرح الصيّغ السلفية عن معاملة الآخر غير المسلم (كأهل ذمة ـ أهل كتاب ـ مع التركيز على التحريف والتكفير)، وبالتالي محاولة تعميم الصراع بين (دار الإسلام ودار الكفر)، مع رفض صارخ لمفاهيم الديمقراطية، والمساواة، وحرية المعتقد (لأنها تخالف النص الشرعي)..

مع تسجيل بعض التطورات التي شهدتها بضعة تنظيمات إسلامية باتجاه تبني الديمقراطية خياراً وطريقاً إلى الحكم، والإقرار بالتعددية السياسية وغيرها، وترك الحرية للشعب كي يقرر (بانتخابات مباشرة، حرّة) شكل ومضمون الحكم.

__________

* كاتب سوري - الجزائر

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.