|
* مستقبل الإصلاح
العربي
صحيفة البيان الإماراتية – الثلاثاء 9 آذار/ مارس 2010
حيدر إبراهيم علي -
كاتب سوداني
يعتبر
تأسيس مكتبة الإسكندرية من الانجازات الثقافية النادرة، وسط
الفشل العربي والعجز عن الإنجاز. وقد ولدت عملاقة من حيث
مقتنيات الكتب والمخطوطات وآيات الفنون، وتقديم الملتقيات
واقامة المعارض والعروض.
وكان مثل
هذا النشاط الثقافي، كافيا ليجعل دورها مقدرا ومؤثرا، ولكنها
رأت أن هذا الدور الضروري غير كاف مع تزايد التحديات التي
تواجه العرب. ولذلك، تحملت مسؤولية القيام بدور فكري وسياسي
ونهضوي أكبر.
وهذا سبب
مبادرة انشاء منتدى الإصلاح العربي، وكان اللقاء الذي تم مؤخرا
خلال الفترة 1-3 مارس 2010 هو الاجتماع السنوي السابع للمنتدى.
وكان اللقاء هذه المرة تحت شعار: «عالم يتشكل من جديد.. أين
دور العرب؟!»، وعلامات الاستفهام والتعجب، من أصل الشعار وليست
إضافة. وهذا يعني أن الدور من البداية مثير للتساؤلات والحيرة
والاستغراب. فقد كنت اردد دائما أن الإصلاح مثل عود الكبريت،
يشتعل مرة وتظل المرات التالية للحديث عنه، مثار تشكك وتردد.
دعت مكتبة
الإسكندرية حشدا من المفكرين والباحثين والمهتمين والإعلاميين
من كل الدول العربية، ومن كل الاتجاهات والتيارات الفكرية
والايديولوجية، خاصة وقد انتقد بعض المشاركين في لقاءات سابقة،
ضعف تمثيل التيار الاسلامي، فكان له هذه المرة وجوده الواضح.
وسبق
الاجتماع المنتدى الخامس للشباب العربي، والذين واصلوا عملهم
بالدخول في نشاط المنتدى العام. ومن الملاحظ أن إدارة المكتبة
تحرص على مشاركة الشباب في الاجتماع بفعالية، وليس كمجرد
متفرجين. وهنا اتجاه يرى ضرورة البدء من تغيير اتجاهات الشباب
والاعتراف بدورهم، وبالتإلى اعطاء الشباب الفرصة كاملة وعدم
تهميشهم.
أمّا
الجانب المكمل، في نظر ادارة المكتبة، لشروط الإصلاح، فهو دور
الثورة الرقمية، والذي اصبح محورا ثابتا في كل اللقاءات
السابقة.
استهل
المؤتمر اعماله بجلسة افتتاحية عامة تحت عنوان: «العناصر
الحاسمة في تشكيل العالم اليوم». وجاءت الجلسة مصرية صرفة،
وهذه مسألة متوقعة بسبب مشاركة شخصيتين هامتين من الساحة
السياسية المصرية يمثلان السلطة والمعارضة.
على
المنصة، هما: حسام البدراوي من قيادات الحزب الوطني الحاكم
ومقرر لجنة التعليم في مجلس الشعب، وأسامة الغزإلى حرب مؤسس
حزب الجبهة الديمقراطية والكاتب الصحفي في مؤسسة الأهرام.
وجاء
الملتقى على بعد ايام من عودة محمد البرادعي وما أثارته من
حراك سياسي. واتفق المتحدثان على ضرورة الاصلاح، وأن ما قد
يحدث في مصر سوف ينداح في مجمل العالم العربي، ويظل التأثير
المصري قويا مهما قيل عن تراجع الدور المصري في المنطقة.
وركز
البدراوي على التداول السلمي للسلطة، بينما تحدث حرب عن
التغيير. وهاتان مقاربتان مختلفتان، اذ قد يعني التداول
استمرار المؤسسة نفسها مع تغيير الاشخاص، وهذا يخالف فكرة
تغيير مكونات المؤسسة نفسها.
ورغم أن
الحديث بدأ عن مصر، إلا أن المشاركين اهتموا بالسؤال عن مدى
جدية العرب في عملية احداث التغيير أو الاصلاح الحقيقي. وركز
الحضور على أن المطلوب ليس الإصلاح السياسي، بل هو إصلاح شامل:
ثقافي واقتصادي واجتماعي.
وبالمناسبة
اصدرت مكتبة الاسكندرية، التقرير الثاني: مرصد الإصلاح العربي.
وهو مسح لإدراك النخبة العربية لقضية الإصلاح من خلال أربعة
محاور: سياسية، اقتصادية، اجتماعية، ثقافية.
ويلاحظ أن
هذا التركيز على النخبة يلقي مسؤولية جهود الإصلاح والتحديث،
على عاتق النخبة المثقفة والواعية والمدركة لدورها الطليعي.
وبالاضافة لهذه النظرة الشمولية، اهتم المشاركون في تساؤلهم عن
الجدية بمسألة الزمن: هل يدرك العرب أن الوقت يجري سريعا بينما
الانجازات الفعلية لتحقيق الاصلاح ما زالت ضئيلة؟
ويرى البعض
أن الفكرة عند الكثيرين مجرد موضة انطلقت عام 2004، وسرعان ما
تراجع الزخم واسترخى العرب. ففي ذلك العام طرحت الولايات
المتحدة الامريكية مشروعها «للإصلاح في الشرق الأوسط»، والذي
عرف فيما بعد بمبادرة الشرق الأوسط الكبير.
وشهدت تلك
الفترة حوارات ساخنة، خاصة حول هل يأتي الإصلاح من الداخل أم
الخارج؟ وتحركت حتي اعتى الحكومات محافظة وكونت مجالس شورى،
وشكلت مجالس قومية لحقوق الانسان! ولكن المشهد الإصلاحي عاد
إلى ركوده.
انتقل
المشاركون من حديث الركود والتوقف إلى التساؤل مجددا عن الشروط
والمناخ المناسب والظروف. ويكاد الكل يجمع حول استحالة حدوث
التغيير والإصلاح، دون توفر شروط العقلانية والمعرفة العلمية
مع انتشار الحرية، لأن غياب العقل والعلم يحجب عن العرب فهم
الواقع وتحليله حسب ما هو كائن حقيقة.
وفي أحسن
الاحوال يلجأ الفكر العربي إلى التبرير، وليس التسبيب. فعلى
سبيل المثال، تظل نظرية المؤامرة قابعة خلف كل مظاهر فشلنا
وخيباتنا، ومن ناحية أخرى يحرمنا غياب الحرية من الذهاب بعيدا
في التفكير غير المقيد، وتقابلنا المحرمات مجبرة العقل على
التراجع.
ولكن مثل
هذه الشروط تبدو مثل الحلقة المغلقة، لا بد من كسرها، وهذا هو
التحدي الذي يواجه النخب والجماهير، أي مقاومة ظرف سالب للحرية
وتحويله إلى وضع موات. وارتبط مع سؤال مكونات العالم الجديد
الموقف المحتار، وكان عنوان جلسة: العالم يتغير..
كيف نصنع
مستقبلنا؟ وشغل هذه الجلسة المتخصصون في الثورة الرقمية.
وكأننا قررنا أن الطريق الوحيد ومفتاح التقدم، هو التكنولوجيا
والمعرفة العلمية الحديثة.
ويخطئ من
يظن أن التقدم العلمي يتمثل في زيادة الجامعات ونقل
التكنولوجيا، ولكنه يكمن في العقل نفسه، كيف يكون علميا في كل
المناحي، أي ليس العلم التطبيقي مثلا، بل اخضاع كل ظاهرة مهما
كانت صغيرة أو تافهة للنظر العلمي.
اعطى بعض
المشاركين أهمية قصوى للوحدة والتكتل، وذلك لأن عالم المستقبل
لا يعرف الكيانات الصغيرة. والدليل على هذه الفرضية: الاتحاد
الاوروبي، رغم أن العرب سبقوا اوروبا بعقود. ففي منتصف ستينيات
القرن الماضي، شرع العرب في الوحدة الاقتصادية.
ولكن
اوروبا اقامت سوقها المشتركة ووصلت إلى توحيد العملة، بينما ظل
العرب يراوحون في مكانهم، بل ويضخمون خلافاتهم المتوهمة في
أحيان كثيرة، وبالتالى لم يحققوا تقدما. ناقش الحضور الخلافات
البينية والنزاعات الاهلية الداخلية.
بدت الصورة
شديدة القتامة، ولاحظت الخوف من المستقبل على وجوه الشباب.
ولأن المستقبل يبدأ الآن وهنا، فلهم الحق في الخوف. فالحاضر
مليء بالثقوب ولا يبشر بكثير أمل، لا على مستوى الدولة ولا
المجتمع ولا الفرد.. فالكل أضاع البوصلة نحو طريق الاصلاح
والتغيير. |