|
* ما الجديد في الأزمة
الاقتصادية الراهنة؟
صحيفة البيان الإماراتية – الاثنين 8 آذار/ مارس 2010
د. جلال أمين - كاتب
ومفكر مصري
ما أكثر
الأزمات الاقتصادية في تاريخ الرأسمالية، ولكن ليست كل أزمة
منها مثل غيرها. نعم، الأزمة الحالية فيها أوجه شبه كثيرة
بأزمة الثلاثينات من القرن الماضي، ولكن هناك أيضا فوارق مهمة
بينهما، مما لا بد أن يجعلنا نتوقع أيضا نتائج مختلفة.
1 هناك
أولاً الاختلاف بين حجم المعرفة المتاحة حينئذ، وحجمها الآن.
في أزمة الثلاثينات لم تكن تتوفر للاقتصاديين والسياسيين
الإحصاءات اللازمة لاتخاذ بعض القرارات الأساسية، مثلما تتوفر
لهم الآن.
بل إن فكرة
مثل «الناتج القومى الإجمالى» كانت جديدة جدا حينئذ، والحسابات
القومية شحيحة للغاية. ربما الأهم من ذلك أن الاقتصاديين في
الثلاثينات، كانوا لا يزالون خاضعين لسيطرة الفكر الكلاسيكى
الذي ينفر بشدة من أي تدخل من جانب الدولة، ومؤمنين بأن الأمور
مهما ساءت ستصحح نفسها بنفسها.
بعبارة
أخرى؛ لم يكن كتاب جون مينارد كينز (J.
M. Keynes)
الشهير «النظرية العامة»، قد ظهر بعد عندما بدأت أزمة
الثلاثينات، وعندما ظهر الكتاب في 1936، تعرض في البداية
لمقاومة شديدة من أنصار الفكر الكلاسيكى.
لا عجب أن
الرئيس الأميركى روزفلت احتاج إلى انقضاء 100 يوم بعد بداية
الأزمة، قبل أن تتدخل حكومته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما
تدخلت الحكومة الأميركية في أزمة 2008 بعد وقوعها بأسبوعين
فقط.
2 نحن الآن
أكثر إدراكا بكثير لآثار العدوى من دولة لأخرى. ففي أزمة
الثلاثينات لم يكن الاقتصاديون ولا الحكومات يدركون بوضوح
الآثار المتبادلة للسياسات الاقتصادية التي تتبعها إحدى الدول،
على الدول الأخرى.
فإذا
ببريطانيا تحاول أن تعالج أزمتها بفرض الحماية ضد الواردات من
فرنسا، وفرنسا تحاول أن تعالج الأزمة بفرض الحماية ضد الواردات
من بريطانيا، وإذا بمحاولة كل دولة النجاة بنفسها تؤدي إلى
إفقار الجميع.
وهو ما
سُمي «سياسة إفقار الجار» (beggar
my neighbour policy).
نحن نعرف اليوم أن الخروج من الأزمة لا يكون بأن تغلق كل دولة
أبوابها على نفسها، بل بأن تتعاون الدول في ما بينها لزيادة
التبادل.
3 هناك
أيضا الفارق الواضح بين مستوى المعيشة الذي تحدث في ظله الأزمة
الحالية، وبين مستوى المعيشة في الثلاثينات. في أزمة
الثلاثينات كان مستوى معيشة الغالبية العظمى من العمال، متدنية
بحيث شعرت الحكومات أحيانا بأن من واجبها، من أجل التخفيف من
وطأة الأزمة، توزيع بعض المأكولات مجانا.
لم يعد مثل
هذا متصورا الآن، إذ إن انخفاض مستوى الدخل في الغرب الآن، حتى
في ظل ارتفاع معدل البطالة، لا ينعكس في انخفاض مستوى التغذية،
بقدر ما ينعكس في انخفاض مستوى الإنفاق على سلع وخدمات أكثر
كمالية بكثير، كالسياحة مثلاً.
بل حتى في
بلادنا الأفقر بكثير، لم يعد انخفاض متوسط الدخل يعني بالنسبة
لكثيرين انخفاضا في مستوى التغذية، بقدر ما يعني انخفاض القدرة
على الإنفاق على خدمات؛ مثل الدروس الخصوصية أو سداد فاتورة
التليفون المحمول!
يجب ألا
يفهم هذا التطور، وإن كان ينطوي بالطبع على ارتفاع في مستوى
المعيشة، على أنه يعني بالضرورة انخفاض درجة المعاناة. فالمهم
في تحديد حجم المعاناة، فيما أظن، ليس هو ما أصبح الناس أقل
قدرة على شرائه، بل ما يمثله هذا من أهمية في نظرهم.
فليس من
المؤكد مثلا أن الألم الناتج عن تخفيض حجم ما يستهلكه الفرد من
لحوم في الثلاثينات، هو بالضرورة أكبر من الألم الناتج عن
فقدان القدرة على مجاراة الجيران في شراء بعض السلع المعمرة،
كالسيارة أو جهاز تكييف الهواء.
4 هناك
أيضا فروق تتعلق بالتغير الذي طرأ على مصادر الدخل. فعلى سبيل
المثال، كان الخطر الأكبر للأزمة العالمية في الثلاثينات، في
نظر بلاد مثل مصر والسودان، يتمثل في الانخفاض الشديد في أسعار
القطن، الذي كان يمثل لمصر أكبر مصدر للعملات الأجنبية.
الآن، أصبح
مصدر الخطر الأساسي في نظر مصر، انخفاض عائدات السياحة وقناة
السويس وتحويلات العاملين في الخارج، فضلاً عن انخفاض حجم
الاستثمارات الأجنبية.
5 في كلتا
الحالتين، أزمة الثلاثينات والأزمة الحالية، كان هناك بالطبع
خوف من ازدياد حجم البطالة، ولكن هنا أيضا نجد فارقا مهما بين
الحالتين. ففي الثلاثينات كان الخوف أساسا من ازدياد حجم
البطالة المقنعة (وعلى الأخص في الزراعة)، أما الآن فالبطالة
المقنعة في الزراعة لم تعد أهم صور البطالة في دولة كمصر.
إذ تغيرت
الظروف فأصبح الأهم من ذلك «البطالة المكشوفة» (Open
Unemployment)،
ومن ثم أصبح الخطر هو أن يزيد عدد خريجي الجامعات والمعاهد
الذين يبحثون عن عمل ولا يجدونه، رغم أنهم كانوا يظنون أنهم
بحصولهم على التعليم قد قهروا الفقر إلى الأبد.
6 ولكن أهم
الفروق في نظري، بين الأزمة الحالية وبين أزمة الثلاثينات وما
سبقها من أزمات، يتعلق بحدوث الأزمة الحالية في ظل درجة غير
معهودة من العولمة. هذا الفارق المهم تترتب عليه، على الأرجح،
فوارق أخرى بالغة الأهمية، من حيث ما يمكن أن يترتب على الأزمة
من آثار، بالمقارنة بالأزمات السابقة. |