|
* لماذا يجب على
أمريكا أن تشكر الإسلاميين؟
موقع أخبار الشرق - الأربعاء 10 آذار/ مارس 2010
أوين ماثيوز (نيوزويك
العربية – عدد 16/3/2010)
يفترض أن
يكون المنطق السياسي بسيطا، ويفترض أن يعد اعتقال مجموعة سرية
من الجنرالات بزعم تآمرهم لتنفيذ انقلاب عسكري دموي نصرا
للعدالة ووضع نهاية لتدخل الجيش في السياسة نصرا للديموقراطية.
ومن شأن المزيد من الديموقراطية أن تجعل البلاد أكثر ليبرالية
وأكثر تأييدا لأوروبا.
لكن الأمر
مختلف في تركيا، حيث لا يسير المنطق السياسي هناك وفق أنماط
بسيطة. نعم، إن الاعتقالات التي حصلت الأسبوع الماضي وشملت
عشرات ضباط الجيش بتهمة التآمر للقيام بتفجيرات وجرائم قتل تعد
نصرا للمدعين العامين المدنيين على الجيش الذي كان محرما
المساس به في الماضي. والأهم من ذلك أن الاعتقالات تدل أيضا
على الموت الهادئ للجيش كأداة حاسمة في السياسة التركية لأول
مرة منذ قرون. وهذه خطوة في غاية الأهمية في طريق تركيا لتصبح
ديموقراطية ناضجة.
لكن
التناقض يكمن في أن تحول تركيا إلى المزيد من الديموقراطية لا
يعني بالضرورة أنها ستصبح مؤيدة أكثر لأوروبا أو أمريكا.
وبتلاشي العقبة الأخيرة الرئيسية أمام سلطة حزب العدالة
والتنمية الحاكم، فإن رئيس الوزراء التركي المحافظ، رجب طيب
أردوغان، سيحظى بحرية تنفيذ رؤيته في تحويل تركيا إلى دولة
أكثر إسلامية. وبالتالي فإن المزيد من الديموقراطية لا يعني
بالضرورة أنه سيقود إلى المزيد من الليبرالية.
وقد تكون
أوروبا هي الضحية الأولى للنظام الجديد. فمنذ أن تولى حزب
العدالة والتنمية السلطة عام 2002 وهو يتخذ من عضوية الاتحاد
الأوروبي درعا للدفاع عن برامجه الإصلاحية ضد الجيش والمؤسسة
القضائية، وهما من غلاة العلمانيين. كان الجيش من حيث المبدأ
من مؤيدي الانضمام إلى أوروبا ولذا مضى حزب العدالة والتنمية
في طريق إحداث أكثر تغييراته جذرية تحت راية الاتحاد الأوروبي.
فتحديد سلطات مجلس الأمن القومي الذي يسيطر عليه الجيش وحظر
عقوبة الإعدام ورفع بعض القيود عن حرية التعبير والسماح
للأكراد بممارسة حقوقهم اللغوية، كل ذلك كان استجابة لمعايير
كوبنهاغن التي وضعها الاتحاد الأوروبي. والآن بعد أن ثبت أن
الجيش، وهو العدو الرئيسي لحزب العدالة والتنمية، مجرد نمر من
ورق، لم يبق هناك من فائدة يجنيها أردوغان وشركاه بعد الآن من
الدفع باتجاه المشروع الأوروبي.
ويأتي هذا
في توقيت سيىء للغاية بالنسبة إلى أوروبا. ذلك أن دعم خطط
التوسع يتلاشى داخل الاتحاد الأوروبي بسرعة. وهناك أزمة قادمة
حول قبرص تهدد بخلق المزيد من العداء بين كلا الجانبين مع
تهديد عضوي الاتحاد: اليونان وقبرص اليونانية، بالوقوف في وجه
مسعى تركيا للانضمام إلى أوروبا. أضف إلى ذلك المبادرات
الأوروبية التي لا تلقى آذانا صاغية مثل محاولة إجبار الأتراك
المحافظين على السماح بزواج المثليين، وسوف تتشكل عندك وصفة
مناسبة لحدوث المشاكل. وتركيا غاضبة أيضا بسبب نكث أوروبا
لوعودها الكثيرة بفتح موانئ قبرص أمام التجارة الدولية. إن من
المرجح أن يثبت أن انتصار حزب العدالة والتنمية على الجيش هو
خسارة خطيرة لأوروبا.
وهو كذلك
يثير سؤالا صعبا أمام واشنطن: هل تريد الولايات المتحدة حلفاء
في الشرق الأوسط أقل ديموقراطية لكن أكثر ودا، أم أكثر
ديموقراطية لكن أكثر عدوانية تجاه أمريكا؟ خلال الحرب الباردة،
عندما كان الجيش يمسك بزمام الأمور، ناصرت تركيا المعسكر
الأول. والآن نجد أنه من المنطق بالنسبة إلى واشنطن أن تختار
الديموقراطية، حتى لو لم تكن المخرجات، كما وجد جورج دبليو بوش
في العراق، مؤيدة لأمريكا دائما. إن من شأن منع الجيش من
التدخل في السياسة السماح لتركيا بتحديد مفهوم العلمانية بصورة
ديموقراطية والتعامل بانفتاح مع قضايا مثل مطالب الأقلية
الكردية بالحكم الذاتي. قد تبدو هذه مسألة سهلة، وخصوصا الآن،
بعد أن قدم الادعاء التركي أدلة توحي بأن من أعلنوا أنفسهم
حماة النظام العلماني التركي تآمروا للقيام بجرائم بشعة لكي
يزعزعوا استقرار حزب العدالة والتنمية، وقد يكون من بينها
تفجير القنصلية البريطانية في إسطنبول عام 2003.
ومما يبدو
حتميا أن تصبح تركيا أكثر عداوة للغرب، فهناك عاصفة من الغضب
تختمر حول رفض الاتحاد الأوروبي غير المعلن لعضوية تركيا، حتى
مع استمرار إجراءات عملية الانضمام، وحول تحركات داخل الكونغرس
الأمريكي للاعتراف بمذابح العثمانيين للأرمن عام 1915
باعتبارها حرب إبادة جماعية. ولو أقر التصويت، فتوقع من
الأتراك الرد، والذي قد يأتي من خلال رفض دعم العقوبات
الاقتصادية على إيران والتي تسعى الولايات المتحدة لإقرارها في
مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
لقد أوضح
الأتراك مرارا وتكرارا عند صناديق الاقتراع أنهم يؤيدون رؤية
حزب العدالة والتنمية حول تخفيف حدة العلمانية. والأتراك
العاديون ليسوا من كبار المعجبين بالولايات المتحدة أيضا. ولكن
من الواضح كذلك أن حزب العدالة والتنمية سوف يظل حليفا للغرب
وسيبقى حلف شمال الأطلسي أهم شريك استراتيجي لأنقرة. كيف نعلم
أن هذا هو الحال؟ إن حزب العدالة والتنمية يقول ذلك، وليس لديه
خيارات حقيقية، فليس هناك من تحالفات منافسة لا مع إيران ولا
مع العالم العربي أو مع روسيا، والتي قد تنافس النفوذ التي
تتمتع به تركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو. وفي
المدى القريب، قد تزعج تركيا الاتحاد الأوروبي وقد تختلف علنا
مع الولايات المتحدة حول أرمينيا. أما على المدى البعيد، فإن
سقوط الجيش سوف يجعل من تركيا ديموقراطية أقوى وشريكا أكثر
استقرارا ونضوجا. لذا فإن من الحكمة أن يقف العالم إلى جانب
حزب العدالة والتنمية وألا يسعى لعودة الجنرالات الذين أصابهم
الخزي. |