يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* يحلمون بحب وبيت.. و«وظيفة تفتح طريقاً إلى الحرام»: أمنيات ممنوعة.. على وقع وعود الخطط الخمسية والانتظار

صحيفة السفير اللبنانية - الثلاثاء 9 آذار/ مارس 2010

عمر عبد اللطيف - دمشق

تكوّم عادل على نفسه، متلحفاً بأطراف ثيابه المهترئة، وقد غطّ في نوم عميق على كرسي مزدوج في موقف للباصات تحت أحد الجسور، في العاصمة دمشق.

بدا عادل وكأنه جثة هامدة من شدّة البرد. تقترب منه قليلا، فتهاجمك رائحة نتنة، تضطرك إلى التحدث إليه ورأسك في اتجاه آخر.

«ما بك يا عم، هل أنت بحاجة إلى مساعدة؟». فيجيبك بلسان ثقيل: «ما في شي.. بس إجتني الساعة وصرت أرجف بالأرض.. نمت مشان ارتاح.. معي مرض عصبي أنا». هل تريد مالا: «إيه.. مشان الأدوية.. ما معي»، ثم يخرج قطعاً من النقود المعدنية، ويقسم أنه لا يمتلك غيرها.

يعيش عادل على جمع البلاستيك من حاويات دمشق. ينام أينما شاء، وفي أيّ شارع يريد. لم يسأله أحد عن أمنياته لا في العام الجديد ولا في غيره من الأعوام. ومن يكترث أصلاً، فالجميع تخلّى عنه، كما يقول: «أخوتي ما بساعدوني، وما في شغل ولا مصاري.. ومرض بمرض». لا يتمنى عادل من هذه الدنيا سوى أن يتعافى من «الساعة»، ولا بأس بمهنة محترمة يعيش منها بكرامة، ويستحمّ حينها بكرامة. أما الزواج والمنزل والترفيه عن النفس، فكل هذا غير وارد في حساباته، بعد أن تجاوز الخمسين من العمر.

أماني الشباب لا تختلف كثيرا عن أمنيات عادل. فالاستقرار هو أمنية الغالبية العظمى منهم، الاستقرار في مهنة يعيشون من ورائها، الاستقرار في بناء عش الزوجية، الاستقرار في بيت بسيط يأوي إليه مع زوجة المستقبل، كما يتمنى رامي.

يكاد رامي (30 عاماً) يختصر أحلام الشباب السوري. إنه «مثال للمعاناة والكفاح»، كما يقول. لديه أمنيتان لا غير: أن يعمل ويتزوج. فهو بعد عشر سنوات من العمل لم يدّخر سوى مبلغ ألف دولار، لا يدري أصلاً كيف استطاع جمعه، رغم أنه عمل في «الدراقيع» في بيروت. و«الدراقيع» تعني أنه يجمع الحديد والنحاس من قمامة بيروت، ثم يبيعها في «البورة»، حيث ينام مع «الجراذين والفئران».

شاءت الأقدار أن يسافر رامي إلى الخليج للعمل في جلي الصحون في أحد المطاعم. فهو لا يمتلك من الشهادات سوى البكالوريا، رغم أنه يعتبر نفسه «عبقريا في الكمبيوتر والانترنت». «فتحت لي طاقة القدر»، هكذا عبّر رامي عن فرحته بالسفر إلى الخليج. لكنه وبعد ستة أشهر من الغربة، عاد ليلعن الساعة التي سافر فيها، ويلعن معها صاحب المكتب الذي «غشّه». «كنت أعامل بطريقة لا إنسانية.. براتب لا يتجاوز 1200 دولار، لـ15 ساعة عمل يومياً». ولم يكن ليحلم طبعاً بزيادة الراتب أو الانتقال إلى مهنة أخرى. ومع ذلك صبر، لكن عندما «فقع» مطالباً بحقوقه.. تم تسفيره «على الحارك».

يتمنى رامي أن يحصل على وظيفة في الدولة، ليس لأنها ستجعله يعيش في بحبوحة، بل لأنها ستفتح له أبواباً أخرى للرزق، أي أنه ينوي مدّ يده إلى «الحرام»، ليصنع مستقبله قبل أن «تسرقني الدنيا، ما ضل غير هالطريق، بس وينها الوظيفة».

عام كغيره من الأعوام التي ذهبت سدى، كما يشير رامي. لقد أخلص لمحبوبته أكثر من 12 عاماً أمضى نصفها بلا عمل، ولذلك يجب على التاريخ أن يضعه في مصاف عنترة ومجنون ليلى، فهذا هو عزاؤه الوحيد.

عدنان الذي يعمل في النجارة منذ ثلاثين عاما، لا يهتم بكل تلك الأمنيات، لا يبالي بالوضع الاقتصادي ولا بالخطط الخمسية أو اقتصاد السوق الاجتماعي أو التشاركية، ولا يبنى آمالا كبيرة على وعود تخفيض نسبة البطالة إلى 4% عام 2014. بات مقتنعاً بأن هذه الخطط لن تشمله. فهو لا يعرف حتى الآن ما هو المقصود باقتصاد السوق الاجتماعي.. «لا اشتراكي ولا رأسمالي.. يعني نص عَ نص.. باينتو هالاقتصاد ما رح يدبرنا شغل».

مع بداية العام الحالي، رسم عدنان في ذهنه مشاريع ضخمة، مستعينا بتحقيق «أمنية العمر»: جائزة اليانصيب الكبرى التي تقدر قيمتها بأكثر من مليون دولار، فاشترى سيارة مرسيدس، وفيلا، وسافر في رحلة سياحية إلى أوربا، وساعد أهله وأصدقاءه، وغيّر حياتهم رأساً على عقب. بيد أنه وبعد أن فاز بسعر بطاقة اليانصيب فقط، عاد ليكرر الجملة نفسها بعد كل سحب: «ما في حظ.. من وين بدها تجي لتجي.. الفقير بضل كل عمرو فقير».

هناك، في زاوية ما، يوجد من يتمنى شيئاً آخر. قليلون هم الذين يتجرأون على الحلم به، فكيف على البوح به. إنها أمنية بعيدة المنال، «تحتاج إلى عزيمة أنبياء»، كما يقول أبو علاء.

وأبو علاء موظف متقاعد، لكنه مثقف من طراز رفيع. على الأقل هكذا يعتبر نفسه. يقبع مع كتبه وصومعته الفكرية، ونادراً ما يخرج من منزله، متمنياً أن تتحقق أحلامه، لأنها ستكون الخلاص لأولئك الشباب أصحاب الأمنيات السابقة، أمثال رامي وعدنان أو «المساطيل» كما يفضّل أن يسميهم.

لماذا مساطيل؟ أليسوا شباباً من حقهم تحقيق أمنياتهم مهما كانت بسيطة؟ «لا.. ليسوا كذلك»، كما يقول أبو علاء، طالما أن هذه هي أحلامهم وأمنياتهم. لا يفكر أبو علاء إطلاقاً بالراتب أو المازوت «كما يفعل الشباب العربي»، بحسب ما يضيف. وكثيرا ما يقول إن الشباب العربي لا يفكر بالأسباب التي أوصلته إلى هذا الوضع، لأنه شباب لا يقرأ، يفكر بغرائزه قبل عقله، قائلاً وهو يشير بيده اليمنى إلى عقله ثم إلى أعضائه التناسلية: «يجب أن يسيطر هنا على هنا وليس العكس».

ما هي أمنية أبي علاء؟ يبدو أنه لا يستطيع البوح بها. لكنه يتمنى أن تتحقق قبل أن يموت، فلم يتبق من العمر الكثير. يقولها بمرارة تنم عن قنوط كاد يسيطر عليه، لكنه لن ييأس كما يؤكد، طالما أنه «يحلم بهذه الأمنية منذ 45 عاما».

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.