|
* حول مؤتمر امريكا
والعالم الاسلامي
صحيفة القدس العربي اللندنية – السبت 6 آذار/ مارس 2010
محمد علي فقيه - مدير
معهد الدراسات الدولية
في المؤتمر
السنوي الذي ينظمه معهد بروكينغز في الدوحة لمنتدى امريكا
والعالم الاسلامي والذي عقد بين 13 و15 شباط/ فبراير 2010
وشارك فيه أكثر من 300 شخصية من العالم، على رأسهم أمير قطر
ورئيس وزرائها ومبعوث الرئيس الجزائري عبد العزيز بن خادم
ورئيس وزراء تركيا (أردوغان) و'هيلاري كلينتون' و'جون كيري'
والعماد 'ميشال عون' ورئيس وزراء ماليزيا السابق 'أنور
ابراهيم' و'صائب عريقات'، ولحسن الحظ كانت الكثير من بلدان
العالم الاسلامي ممثلة في المنتدى من خلال مستشارين وزعماء
أحزاب وسفراء ومفكرين وباحثين وقد تحدث بعضهم باسهاب.
وعلى مدى
ثلاثة أيام عقدت جلسات عديدة، من ضمنها الجلسة العامة الأولى
التي كانت بعنوان 'التزامات الولايات المتحدة والعالم
الاسلامي: من المفاهيم الى النتائج الملموسة' التي حاضر فيها
عدة شخصيات من ضمنهم الممثل الخاص ل'هيلاري كلينتون' في
الجاليات الاسلامية 'فرح بانديث' والتي شاركت فيها بمداخلة.
وكانت لي مداخلة أوضحت فيها للمؤتمرين ما يلي:
لقد قررت
أن أقرأ امريكا منذ 17 عاماً وبالضبط عند العدوان الصهيوني على
لبنان في تموز/يوليو 1993. وقد قرأت يومذاك مقالة مهمة للمفكر
الفلسطيني 'الدكتور أحمد صدقي الدجاني' يقول فيها بأن السلوك
الامريكي يدعو كثيرين في منطقتنا الى النظر في مكونات وتاريخ
الولايات المتحدة. واذا كان 'جمال حمدان' قد استجاب لهذه
الدعوى في أعقاب حرب عام 1967 وقدم لنا رؤية ثاقبة في كتابه
'استراتيجية الاستعمار والتحرير' للولايات المتحدة الامريكية
من منظور دولي كوكبي فاننا نتوقع ان يحدث تركيز في هذه المرحلة
على تتبع أصول الموقف الامريكي من العالم الاسلامي'.
ولو سئلت
كشاب عربي 'ماذا تعني لك امريكا كمصطلح؟' لقلت لهم، انها مجرد
دولة منحازة لاسرائيل التي دمرتنا مراراً، بل ان امريكا تعني
لنا وأنا آت من الضاحية الجنوبية مجرد دولة ساعدت العدو
الاسرائيلي بقصف منازلنا بصواريخ امريكية الصنع، ان اسرائيل
تبدو لنا كانها امريكا الشرق الاوسط او الولاية 51 من الولايات
المتحدة او على الأقل أكبر قاعدة امريكية عبر البحار الا انها
قاعدة بدرجة دولة لكن طاقمها كله من اليهود الصهاينة.
في الاصل
ليس هناك مشكلة بين العالم الاسلامي وامريكا، بل ان العرب
حاولوا الاستعانة بامريكا للتخلص من الاستعمارين البريطاني
والفرنسي، بل ان كثيرا من العرب كان يتغنى بمبادئ ولسون بحق
الشعوب لتقرير مصيرهم، يقول المثل المصري: 'شيل ده عن ده يرتاح
ده من ده'. مشكلتنا مع امريكا انها منحازة لاسرائيل ولا يمكن
لاسرائيل ان تضرب اي بلد بدون الضوء الاخضر من امريكا، بل انها
لو دمرت لبنان مئة مرة لكانت امريكا خير من يوجد لها كل
المبررات القانونية والشرعية لهذا العمل. وعندما قصفت اسرائيل
لبنان رأينا كيف ان بوش صرح بأن محاربة حزب الله جزء من محاربة
الارهاب.
لا يوجد في
الوطن العربي (22 دولة) وحسب، بل مع وجود القواعد العسكرية
الامريكية فيه، هناك 23 دولة حيث ان هذه القواعد الذرية وغير
الذرية تملأ المنطقة وتطوّق العالم الاسلامي. حيث تبدو قاعدة
(ديغوغارسيا) كأنها قمة عسكرية أمريكية تسيطر على كل المحيط
الهندي. ولهذا فان تفعيل الحوار الامريكي مع العالم الاسلامي
قياساً مع المزيد من القواعد العسكرية الامريكية في افريقيا
وآسيا يعني بأن العلاقات ستزداد سوءاً، فالمؤتمرات وبعض
الأحلاف مع امريكا لن يغيّرا من صورة أمريكا عند العرب شيئا
حيث تحولت بحارهم الى مجرد حاملات للطائرات العسكرية
الامريكية.
لقد تساءل
الداعية عمرو خالد عن الحب بأنه مجرد مصطلح اجتماعي أم سياسي
وتساءل لماذا لا نحب بعضنا البعض. ورددت عليه، بانه لا مجال
للحب مع امريكا. فالسياسة الانديكية (مارتن آنديك) الاحتواء
المزدوح، حاصرت العراق وايران لسنين عديدة والآن تعمل امريكا
مرة أخرى على تطبيقها على ايران.
ان امريكا
في بداية عهد بوش الابن أنشأت برنامج تطبيق الديمقراطية في
العالم العربي ووضعت له ميزانية مقدارها (29 مليون دولار
امريكي) وهو مبلغ سخيف لهذا المشروع الضخم مقابل اكثر من
(ستمئة مليون دولار) كميزانية عسكرية للحرب. ولما كانت نتيجة
ذلك البرنامج في العالم العربي فوز حماس وحزب الله والاخوان
المسلمين... في الانتخابات البرلمانية قرروا التخلي عن ذلك لان
النتيجة كانت لغير صالحهم ولهذا ذكرت كيلنتون في المنتدى بأن
هناك توازناً دقيقاً لا بد من مراعاته من الانظمة الصديقة مثل
مصر وماليزيا لتعدد الملفات العالقة بينهما.
لا يمكن
التفاهم بين العالم الاسلامي وامريكا وكلاهما يعرف الآخر
بطريقة سطحية، فمن جهة العرب، عليهم ان يعرفوا ان امريكا ليست
على طريقة البلاد العربية التي عندما تصل الى رأس الهرم فيعني
ان البلد كله قد اصبح في الجيب وهذا ما تصوره بعض العرب عندما
تبرعوا بمبالغ مالية (10 ملايين دولار) لرود جولياني بعد 11
ايلول/سبتمبر التي رفضها وقد علّق على ذلك ادوارد سعيد بأن
دخول امريكا وكسب ودّها ليس بهذه الطريقة. وذكر بانه طلب من
ياسر عرفات أثناء زيارته للرئيس كلينتون آنذاك أن يؤمن له خمس
أو ست جلسات مع المفكر الاسلامي الباكستاني اقبال احمد ليشرح
له تركيبة المجتمع الامريكي قائلاً لعرفات بأني لا أعرف امريكا
جيداً رغم اقامتي فيه منذ 30 عاماً. وقد قدم اقبال احمد في هذا
المجال دراسات عديدة لم نستفد منها حتى الآن كعرب حول تركيبة
العلاقات الامريكية الفيتنامية وتركيبة العلاقات الفرنسية
الجزائرية والأسباب التي جعلت امريكا وفرنسا تنهزمان في
احتلالهما للبلدين المذكورين.
ومن جهة
امريكا فقد ذكر احد المفكرين بأن المخططين في البيت الأبيض
أشبه بمن يجلسون في أعلى برج، بغرف من زجاج فيبدأون برسم
استراتيجيتهم حول العالم الاسلامي رغم انهم لا يعرفون لغاته
ولم يقرأوا تاريخه بدقة ويبدأون بالتعاطي مع العالم الاسلامي
وما يريدون منه كمن يجلس في مطعم راق وتقدم له لائحة الطعام
فيختار منها ما لذّ وطاب. ولا بد ان نشير بأن الامريكيين عندما
يدرسون العالم الاسلامي فانهم يتسلحون بوجهة النظر الصهيونية
لندرة الكتب الانكليزية التي تمثل وجهة النظر العربية.
لقد لاحظنا
في المؤتمر ان الدعوات كانت محصورة بكل من يتوافق مع الولايات
المتحدة الامريكية بل شعرنا بأن المؤتمر كان خالياً من أهم
المتخصصين العرب في الشأن الامريكي سواء كانوا أصدقاء لامريكا
أم اختلفوا معها ومن ضمنهم: احمد جلبي، جميل مروة، موفّق حرب،
كنعان مكية، عزمي بشارة، منذر سليمان، رشيد خالدي، فؤاد عجمي..
وهذا التصرف يضرب أسس التفاهم بين العالم الاسلامي وامريكا
فعندما عيّن الرئيس اوباما جورج ميتشيل مبعوثاً خاصاً له ذكر
الأخير بأن تجربته في حل المشكلة الايرلندية تؤكد بأن حل مشكلة
الشرق الاوسط تفرض مشاركة جميع الأطراف ولهذا فان ميتشيل يعرف
بأن حل الصراع العربي الاسرائيلي يكمن في مشاركة حماس وحزب
الله ولا يمكن للصراع أن ينتهي اذا بقيت امريكا تعتبر بأن
محاربة حزب الله وحماس اللذين يحضيان بشعبية كبيرة في العالم
الاسلامي، جزء من محاربة الارهاب، وقد اجرى مركز ابن خلدون
الذي يرأسه المفكر سعد الدين ابراهيم والذي حضر الجلسة استفتاء
في العالم العربي بعد عدوان تموز(يوليو) 2006، مباشرة حول أكثر
الشخصيات شعبية فكانت النتيجة ان السيد حسن نصر الله الأول
والثاني الرئيس أحمدي نجاد.
ان فعل
اوباما ايجاد توازن في فريقه بين مسلمين ويهود لا يعني انه
يدرك مشاكل العالم الاسلامي فتعيينه رشاد حسين (الهندي الاصل)
كمبعوث خاص لأوباما في منظمة المؤتمر الاسلامي وتعيين كلينتون
ل'فرح بانديث' (أصول كشميرية) كمبعوث خاص لها لا يعني بأن
امريكا قد أحاطت بمشاكل العالم الاسلامي فعيب هؤلاء المبعوثين
انهم لا يتكلمون العربية، وقضوا اكثر عمرهم في الولايات
المتحدة وتعيينهم تم على اساس انهم مسلمون وليس على اساس انهم
متخصصون لهم باع طويل في فهم العالم الاسلامي. وعندما ذكر
اوباما في خطابه للمنتدى ان رشاد حسين هو ثقة من قبلي ويحفظ
القرآن، حيث كان رشاد حسين يجلس على مقربة مني تذكرت مكان ذكره
لي أحد الجنرالات العرب الذي درس المخابرات في الكلية الحربية
قائلاً: 'ليس صحيحاً ما يقال بأن الرجل المناسب في المكان
المناسب، بل درسونا في المخابرات الرجل المناسب للهدف المناسب
وللغاية المناسبة' ورشاد حسين ليس اكثر من مجرد رجل ثقة عند
اوباما لا اكثر.
ومع كل ذلك
لا بد ان يدرك العرب ان وجود اوباما في البيت الابيض يعتبر
اعظم فرصة لهم. ويجب استغلالها. حيث ان اوباما وهيلاري كلينتون
مكروهان بشكل كبير داخل الكيان الصهيوني. يقول الحديث الشريف:
'اغتنموا الفرص فانها تمرّ مرّ السحاب'. |