|
* تركيا حديثة ومستقرة
مصلحة عربية وإسلامية
صحيفة الخليج الإماراتية – الأربعاء 3 شباط/ فبراير 2010
محمد نور الدين
من الطبيعي
أن يتابع المواطن العربي ومسؤولوه التطورات المتعلقة بالسياسة
الخارجية التركية في المنطقة نظراً لتأثيراتها المباشرة في
العلاقات المشتركة بين العرب والأتراك.
تابع العرب
باهتمام شديد مسار السياسة الخارجية لتركيا على امتداد السنوات
الماضية بعدما لمسوا تحولاً في هذه السياسة في اتجاه التصالح
والتواصل وصولاً إلى التكامل مع محيطها العربي والإسلامي. وهذا
كان خياراً تركياً ناجحاً، إذ ضاعف من قوة الاقتصاد التركي،
كما من استقرارها السياسي والأمني، خصوصاً أن الانفتاح التركي
على العرب والمسلمين تزامن مع إحدى أكثر الفترات خطورة في
تاريخ المنطقة أي احتلال العراق وحروب “إسرائيل” العدوانية على
لبنان وغزة.
كما أن هذا
الانفتاح، وبخلاف ما يتردد في بعض الأوساط الحاقدة في تركيا،
لا يشكل أية إعاقة لملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي
المرتبط بقضايا تركية داخلية وأخرى لها بعد أوروبي.
ولا شك أن
تزايد الاهتمام العربي بتركيا كان نتيجة عجز العرب عن مواجهة
أعدائهم الكثر من “إسرائيل” إلى الولايات المتحدة، بحيث وجد
الإنسان العربي، أملاً في أن تكون تركيا نموذجاً لما يجب أن
يسلكه المسؤولون العرب التائهون في بحر تبعيتهم للخارج أو في
خلافات داخلية سخيفة.
ولكن في
الوقت نفسه فإن السؤال الذي تواجه به أينما حللت وذهبت هو مدى
ارتباط العلاقات التركية العربية الجيدة باستمرار “حزب العدالة
والتنمية” في السلطة في تركيا.
إذ إن
العلاقات بين العرب والأتراك عرفت زخمها الفعلي بعد وصول “حزب
العدالة والتنمية” إلى السلطة، عندما انتهج سياسة إيلاء العمق
التاريخي والجغرافي والحضاري أهمية استثنائية مكّنت تركيا من
أن تكون قوة إقليمية عظيمة.
ودائماً
يطرح السؤال بالشكل التالي: هل تبقى العلاقات جيدة مع تركيا في
حال خروج حزب العدالة والتنمية من السلطة لسبب أو لآخر؟
ذلك أن لا
شيء دائم في عالم السياسة ولا سيما في الشرق الأوسط. ومن حق
المواطن العربي أن يسأل مثل هذا السؤال. لكن في الوقت نفسه من
حق المواطن التركي أن يسأل السؤال نفسه لكن بطريقة معكوسة: هل
تتضرر تركيا من ذهاب “حزب العدالة والتنمية” ليس فقط في
علاقاتها مع العرب والمسلمين بل مع كل جوارها الجغرافي؟
الجواب
التركي هو بالتأكيد نعم. والجواب العربي هو أيضاً: بالتأكيد
نعم.
ذلك أن
العلاقات الجيدة والمتقدمة جداً بين تركيا والعالم العربي أو
محيطها لم يصلب عودها إلى الدرجة الكافية، وتحتاج إلى مزيد من
الرعاية من جانب الأتراك كما من جانب الدول المجاورة المستفيدة
بدورها من هذا التحسن.
إن مسؤولية
تحصين العلاقات العربية التركية، كما علاقات تركيا مع جوارها
عموماً مشتركة، ففي الداخل التركي يتابع جيران تركيا بقلق
الصراع الداخلي بين القوى الديمقراطية، وفي قلبها “حزب العدالة
والتنمية” والقوى الساعية لبقاء نظام التطرف العنصري
والاستبداد السياسي والوصاية العسكرية. ولعل كشف مخططات
متتالية للانقلاب على حكومة “حزب العدالة والتنمية” من جانب
المؤسسة العسكرية منذ العام 2003 وحتى اليوم يشير إلى أن
الصراع لا يزال مفتوحاً. ومع أن “حزب العدالة والتنمية” يحقق
تقدماً بالنقاط على الذهنيات الانقلابية والعسكرية والمتشددة
ويحمي إنجازاته بالإرادة الشعبية، فإن تهديد رئيس الأركان بأن
لصبر الجيش التركي أمام محاولات تدمير معنوياته حدوداً، يبعث
على القلق. كذلك فإن ممارسة المحكمة الدستورية لصلاحيات تقع
خارج صلاحياتها من دون رادع أو عقاب أيضاً أمر يثير التشاؤم
بشأن الإصلاح الداخلي. إن مسؤوليات “حزب العدالة والتنمية” هي
في تقوية النظام الديمقراطي عبر إصلاحات جذرية تمكنه من
استكمال مشروعه الإصلاحي وتحويله إلى مشروع لصالح كل تركيا
الحديثة. وحينها تستقر علاقات الجيرة الحسنة مع كل دول الجوار
الجغرافي. أما مسؤولية الدول الأخرى فتكون من خلال مبادلة
الانفتاح التركي بانفتاح أكبر بشكل يثبت للجميع وللأتراك أن
مثل هذه العلاقات كما هي مصلحة لهذه الدول فهي أيضاً مصلحة
وطنية تركية لا تتصل بوجود هذا الحزب أو ذاك في السلطة.
إن حماية
السياسة الخارجية التركية الجديدة مسؤولية مشتركة بين الداخل
التركي والخارج العربي والإسلامي والروسي والأرمني وكل دول
الجوار الأخرى، ومن مصلحة الجميع تعزيز خط التواصل والتفاعل
والتكامل القائم حالياً. |