يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* هل ولد "الاتحاد من أجل المتوسط" ميتاً؟!

صحيفة المستقبل اللبنانية - الاربعاء 3 شباط/ فبراير 2010

د. محمد مالكي

تَجدَّد النقاش حول أسباب توقف قطار "الإتحاد من أجل المتوسط" وعُسر انطلاقه نحو الفعل، كما وعد دعاة المشروع والمساندون له، بل ذهب العديد من المحللين إلى أن مسيرة الإتحاد ليست في حالة توقف فحسب، وإنما لم تنطلق أصلاً، فالفكرة التي أعلن عنها الرئيس الفرنسي " نيكولا ساركوزي" في خطابه الشهير في مدينة " طولون " إبان حملته الانتخابية (2007)، وأعاد صياغتَها والتسويق لها لاحقاً، لم تتجاوز عَتبة الإعلان الرسمي، إذ باستثناء اجتماع رؤساء الدول والحكومات المطلة على البحر الأبيض المتوسط (من دون ليبيا) وأعضاء الاتحاد الأوروبي، ومشاطرتهم الفرنسيين الاحتفاء بذكرى الثورة الفرنسية (14 يوليو 2008)، لم يُنجز ما من شأنه الإقناع بأن الاتحاد شرع في تنفيذ الاستراتيجيات، ومراكمة المكاسب، اللهم بعض الاجتماعات المحدودة للخبراء والوزراء والموظفين. لذلك، تُعيد وضعية الاتحاد اليوم النقاشَ إلى مربع الصفر بخصوص سياقات الإعلان عنه، والأبعاد والمقاصد من تأسيسه.

حمَلت فكرة " ساركوزي"، كما هو معروف، عناصر الاختلاف حول طبيعة المشروع الذي نادت به، ونوعية الأهداف التي تروم تحقيقها. فهكذا، لم تحظ، من جهة، بالقبول داخل الجسم الأوروبي نفسه، وتحديداً من قبل ألمانيا، التي عبرت، على لسان مستشارتها "أنجيلا ميركل"، عن عدم تفاعلها الإيجابي مع الصيغة الأصلية للمشروع، معتبرةً إياها نسخة مكررة للإتحاد الأوروبي، لتدعو إلى تعديل التسمية كي تصبح" الاتحاد من أجل المتوسط" عوض " الاتحاد المتوسطي"، وتشدد على انضمام الأعضاء السبعة والعشرين إلى الإتحاد، وتخويل المفوضية الأوروبية دوراً محورياً في إدارة عمله وتوجيه نشاطه. كما انطوت الفكرة، منذ بدايتها، على مقاربات متباينة، وأحياناً متناقضة، لما يتوخى المشروع تحقيقه. فعلى الصعيد المغاربي، تنوعت ردود الفعل حُيال الفكرة، فبينما اعتبرتها ليبيا" إهانة"، وأحجمت الجزائر عن قبولها فور الإعلان عنها مباشرة، انخرطت كل من تونس والمغرب في دينامية التأسيس والتفكير في إرساء هياكل الاتحاد، لتلتحق مصر وسوريا بالكوكبة، ويتم التفكير في الأردن، على الرغم من عدم إطلالها على المتوسط، ويُراهَن على دول الخليج للمساهمة في دعم المشروع مادياً.

بيد أن قراءة النقاشات التي واكبت الإعلان عن تأسيس "الإتحاد من أجل المتوسط"، توحي بأن ثمة عناصر أخرى، إلى جانب ما سبق بيانُه، عقَّدت حصول تفاهم مشترك حول طبيعة المشروع ومقاصده، منها تحديداً وضعية كل من تركيا وإسرائيل. فمن المعروف أن طلب تركيا الانضمام إلى الفضاء الأوروبي من الملفات ذات الأولوية في السياسة الخارجية لهذه الأخيرة، وحتى على فرض أن الصيغة الجديدة للاتحاد من أجل المتوسط مكَّنت تركيا من التحول إلى دولة ذات أهمية خاصة في البناء المتوسطي المعلن عنه، فمن المستبعد، في تقديرنا، اقتناع القادة الأتراك بالتخلي عن طموح الانضمام إلى الإتحاد الأوروبي، لأسباب سياسية وإستراتيجية. فتركيا تمتلك، من جهة، كل مقومات العضوية في الفضاء الأوروبي، ولا يحول بينها وبين هذه الصفة سوى التردد الأوروبي إزاء الإسلام، ثم إن مكانتها الإستراتيجية في التوازنات الأوروبية والغربية (مكانتها في حلف الناتو)، تُذكي اقتناعَها بأن مستقبلها الطبيعي في جسم الاندماج الإقليمي الأوروبي الواسع، وليس في الكيان الجديد، أي الإتحاد من أجل المتوسط. أما إسرائيل، فإن حالة الانحسار التي تعيشها مفاوضات السلام، والسياسة الاستيطانية التي ما انفكت تتسع باستمرار، تجعل إمكانية إدماجها ضمن منظومة دول الإتحاد الجديد غير متوافق عليها ولا مقبولة أصلاً، لاسيما بعد الحرب الأخيرة على غزة (شتاء 2008).

يُفهم مما سبق تحليلُه أن ثمة أسباباً من طبيعة شبه بنيوية جعلت دينامية " الإتحاد" تتوقف عند خطوة الإعلان عن التأسيس. فإذا كانت الحرب على غزة خلقت وضعاً سياسياً ونفسياً سلبياً إزاء استمرار المشروع وتطوره، فإن الفكرة، في تقديرنا، تحتاج إلى اجتهادات جماعية قادرة على إخراجها من دائرة التردد، والشك، وعدم الاطمئنان على أهميتها الإستراتيجية. فمن عناصر هذا الاجتهاد، توضيح العلاقة بين " الإتحاد الأوروبي" و" الإتحاد من أجل المتوسط"، وإقناع الدول الأعضاء في الكيانين معاً أن المشروع الجديد قيمة مضافة غير متعارضة ولا مناقضة للفضاء الأوروبي الموحد، ومن ثمة إقناع شعوب الدول الأعضاء، التي تنتظر أن تتولد عن الاتحادات الجهوية والإقليمية تأثيرات إيجابية ملموسة في حياتها اليومية. فتجربة العشرية الأولى من معاهدة برشلونة (1995 2005)، مازالت حاضرة، ونتائجها المتواضعة، حتى لا نقول الضعيفة، لا تدعو إلى الاختلاف، بشهادة قادة الرأي وصناع القرار الأوربيين أنفسهم. يُضاف إلى ذلك عَجز الصيغ المشتركة للشراكات مع أوروبا عن خلق دينامية حقيقية للمفاوضات العربية الإسرائيلية، ورعاية استمرارها، وضمان قيادتها نحو التوافق حول حلِّ عادل ونهائي لأطول وأعقد قضية في العصر الحديث، ناهيك عن النزاعات المتزايدة في المنطقة التي تشكل فضاء الإتحاد الجديد، لاسيما في ضفته الجنوبية والشرقية. لذلك، بدا الإتحاد من أجل المتوسط وكأنه يراوح مكانه، عاجز عن التقدم إلى الأمام، أو في أحسن الأحوال يعيش مفارقةً مستعصيةَ الحل بين الرغبة والطموح من جهة، والواقع والممكن من جهة أخرى. بيد أن مقابل هذه الصورة المشكِّكَة في قدرة الإتحاد على التحول إلى كيان مشترك حقيقي وفعال، هناك من يراهن على انتقال رئاسته إلى إسبانيا قريباً لإعادة تشغيل قاطرته، ودفعها نحو استكمال مؤسساتها ورسم إستراتيجيتها، لاسيما وأن هذا البلد الأيبيري يمتلك مقومات الفعل في هذا الإتجاه.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.