يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* المثقفون العرب.. وتحديات تحقيق الوحدة

موقع أخبار الشرق – الخميس 2 تموز/ يوليو 2009

محمد سعيد الفطيسي - باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية - رئيس تحرير صحيفة السياسي التابعة للمعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

مخطئ من يعتقد ان مهمة توحيد هذه الأمة الإسلامية الخالدة وقلبها العربي النابض، هي مهمة سياسية بالدرجة الأولى، ومخطئ أكثر، من يتصور ان أي وحدة في التاريخ صنعها السياسيون يوما بشكل مباشر، فالحقائق التاريخية الموثقة لا زالت تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، بان المثقفين في أي امة من الأمم عبر التاريخ، وتحديدا تلك الشريحة المؤمنة بقضايا أمتها، والمدافعة عنها، كانت دائما وابدأ هي من تصنع وحدة الأمة ومكانتها الحضارية.

وهنا نبدأ من وحدة الإسلام العظيم، وكيانه الذي أسسه أعظم الرجال والنساء في التاريخ، لنسأل أنفسنا أولا – نحن كشعوب هذه الأمة العظيمة الخالدة بشكل عام، ونبضها العربي الغالي تحديدا، : كيف بدأ ذلك الانتصار "الانقلاب الثقافي" التاريخي؟ وكيف استطاع ذلك الرجل الأمي القادم من البادية، ومن حوله من الرجال والنساء الشرفاء، ان يخترقوا قلوب أمم قاسية في عصر مظلم جاهلي مستبد؟ فإذا عرفنا جواب ذلك السؤال، فسنصل بكل تأكيد الى تلك المقومات التي صنعت ذلك النصر الخالد في ضمير الكون.

فالوحدة الإسلامية التي قادها محمد صلى الله عليه وسلم، كانت في الصميم حركة تحررية فكرية قبل ان تكون حركة سياسية، وعقيدة ثورية حركية لتحرير العقول من أغلال العبودية والرق والتبعية والخوف، قبل ان تكون مهمة سياسية لتحرير الأجساد من السجون والمعتقلات التي استخدمها الطغاة لاستذلال البشر على مدى التاريخ، وانقلاب ثقافي تاريخي على العديد من المفاهيم والمصطلحات الجاهلية، قبل ان يكون انقلاب سياسي على ملوك اتخذوا من أوطانهم مزارع شخصية لهم ولأولادهم وذويهم.

وحديثا فان مجمل صناع الوحدة وقادتها ومؤسسيها في مختلف أرجاء العالم، كانوا من المثقفين والأدباء والمفكرين، وان كانت قد ختمت في نهاية الأمر بختم سياسي، فذلك لا يعني بأنها وحدة صنعها وقادها السياسيون في الأصل، فالوحدة الاميركية على سبيل المثال لا الحصر، والتي جعلت من الولايات المتحدة الاميركية اليوم أعظم قوة في التاريخ، صنعها المثقفون الأميركيون كأمثال جون آدامز وجوردن وود وغيرهم، وختمها جورج واشنطن بختمه السياسي، وكذلك الوحدة الألمانية التي قادها بسمارك وجعلت من ألمانيا قوة صناعية كبرى، كانت من صنع المثقفين الألمان، كذلك كان ذلك في ثورات تحررية في الصين وروسيا وغيرها، والتي قادها سياسيون كما عرف عنهم كأمثال لينين وماوتسي تونج وغيرهم، ولكن الحقيقة التي لا يعرفها سوى القلة بان تلك الشريحة السياسية في ظاهر الأمر، كانت من رواد وقادة الثقافة والفكر في أوطانهم.

وهكذا يتأكد لنا بان بناء وحدة الأمة – أي أمة - على مدى التاريخ، كانت ولازالت وستظل مرهونة بيد المثقفين وقادة الفكر وأربابه، فهم وحدهم من يستطيع ان يحرق أكوام القش الفاسد التي تتزايد كلما ضعفت الأمم، وزاد فيها وحولها الخونة والعملاء والطفيليات، وهم وحدهم المؤهلون لإشعال فتيل الثورات في قلوب الشعوب المقهورة، وهم وحدهم من يملك الرصاصة الأولى التي تبدأ بها دائما معركة التغيير وثورة الإصلاح، ولكن ذلك – وللعلم – لا يمكن ان يتحقق سوى بشروط، أولها وجود قضية عادلة او حتى فكرة عظيمة، وما أكثرها في زماننا هذا، يأتي بعد ذلك مباشرة، الإيمان بتلك القضية نفسها، او تلك الفكرة والتضحية من اجلها، وهذا هو ما يحتاج إليه مثقفينا تحديدا.

إننا بحاجة لتضحية المكافحين الأحرار في سبيل وحدة هذه الأمة العظيمة، وكيانها العربي الغالي، لأنه لابد من تضحيات، تضحيات كثيرة، تضحيات من المؤكد أننا سنخسر بسببها الشيء الكثير، الكثير من الدماء، ومن المال والسلطة، ومن الراحة النفسية والجسدية، ولكننا عندما ننظر في نهاية الأمر الى الثمار التي يمكن ان تتحقق من وراء تلك التضحيات، والى الهدف السامي العظيم الذي سيتحقق – بإذن الله -، فسنجد بأنها – أي – تلك التضحيات كانت ثمن بخس لتلك الغاية العظمي الغالية.

نعم، ربما سيشعر بعض أصحاب الأقلام من المكافحين الشرفاء الأحرار باليأس والقنوط في لحظة من اللحظات، وفقدان الأمل في التغيير ولم شتات الأمة بعد ان طغى الظلم والظلام وساد في كل أنحاء المعمورة، وربما سيتصورون ان كل تلك الكتابات التي كانت تقطر بالدم والدموع قد احترقت وذهبت أدراج الرياح، وربما بعدم الجدوى من وراء كل تلك التضحيات الجسام التي تبذل لأجل الغاية العظمى، - ونقصد – توحيد الأمة الإسلامية وقلبها العربي النابض من جديد تحت راية واحدة.

ولكن بكل تأكيد وكما يقول الأستاذ العربي الكبير – سيد قطب – رحمه الله، (ان كتابات المكافحين الأحرار لا تذهب كلها سدى، لأنها توقظ النائمين، وتثير الهامدين، وتؤلف تيارا شعبيا يتجه الى وجهة معينة، وان لم تكن بعد متبلورة، ولا واضحة، ولكن شيئا ما كان يتم تحت تأثير تلك الأقلام)، (ولكن بشرط واحد: أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم، أن يطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم، أن يقولوا ما يعتقدون انه حق، ويقدموا دماءهم فداء لكلمة الحق، إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثثا هامدة، حتى إذا متنا في سبيلها او غذيناها بالدماء، انتفضت حية، وعاشت بين الإحياء).

فإلى الذين تتعالى أصواتهم حقدا، وتقطر ألسنتهم حسدا، في جل المحافل السياسية والأدبية والثقافية الدولية والعربية، وهم يصرحون جهارا نهارا بنهاية هذه الأمة العظيمة وقلبها العربي الغالي، بل ويؤكدون على استحالة ان ترجع من جديد الى سابق عهدها ووحدتها وقوتها وقدرتها على قيادة أمم الأرض، نقول : ان الليل مهما طال واشتد سواده، فلابد ان يبزغ الفجر، وتحرق الشمس رؤوسكم العارية المكشوفة، وان الظلم مهما ارتفع صوته في لحظة من اللحظات، فلابد ان يتهاوى ويخفت مع ارتفاع أصوات الشرفاء الأحرار في هذه الأمة العظيمة، والتي لم تعتد على الركون للظلم والطغيان، او البقاء في غياهب الظلام، وان كنتم لا تصدقون ذلك، فارجعوا الى صفحات التاريخ لتتأكدوا من ذلك.

ويا أيها المثقفون في عالمنا الإسلامي والعربي، كيف ستصنعون وحدة الأمة، وتلملمون جراحها وتقزمها وشتاتها، وانتم تعيشون بعيدا عن الناس؟ كيف ستهيئون الشعوب للتغيير وانتم تنظرون إليهم من شرفات ادوار بناياتكم الشاهقة كأنهم أقزام؟، كيف ستفهم شعوبكم ما تدعون إليه وانتم (ترطنون) وتلون ألسنتكم بلغات غريبة عنهم؟ كيف ستستوقفون في داخلهم الغيرة والعزة، وانتم تمرون عليهم مر السحاب بسياراتكم الفارهة وكأنهم حمقى وجهلاء؟ وكيف ستحركون في داخلهم السلام والحب وقد سكن في قلوبكم التعالي والاستعلاء والتكبر والخيلاء والغطرسة؟ وكيف ستحاصرون الشعوب المغيبة بالفكر الجاد، والإنتاج الأدبي المسؤول، وانتم محاصرون بأهوائكم ونزواتكم وعبادتكم للمال والسلطة؟

انزلوا الى الشارع والسوق والأحياء الشعبية، فهناك فقط ستجدون ما لا تجدونه في الجامعات والمنتديات والبرلمانات، فالثقافة العربية (لم تنجح في تحقيق الوحدة العربية لأنها ثقافة لم تستطع الوصول الى كل الناس، والحياة مع مشاكل الناس وهمومهم، فلقد ظلت الثقافة العربية أكثر من – قرن – وهي ثقافة الخاصة، وثقافة النخبة، أكثر من ان تكون ثقافة العامة، وثقافة الشارع، ولقد كان معظم مثقفي العالم العربي كتابا وقراءهم من كتاب الظل، وقراء الظل، ولهذا فشلت الثقافة – وفشل المثقفون العرب معها – في تحقيق الوحدة العربية).

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.