|
* الديني والسياسي وما
بينهما
بقلم: مصطفى السراج *
أخبار
الشرق – 1 تموز/ يوليو 2009
غالباً ما
تميزت العلاقة بين علماء الدين والسلاطين في تاريخ الدول
الاسلامية حتى العصر الحديث، بتقديم رجال الدين الطاعة
للسلاطين، وسعي السلاطين لاظهار ما يوطد سلطانهم من المفاهيم
الدينية، وتقريب رجال الدين الساعين لطاعة السلطان، وابعاد
المخالفين منهم. ورجال الدين اكتفوا بالاستنكار القلبي لأعمال
بعض السلاطين، وفي أقصى الحالات استعمال اللسان كجارحة من قبل
بعض العلماء في خطبهم أمام الناس على طريقة النصح العلني
للسلاطين، وأكثر هذه الحالات كانت مقتصرة على انتقاد بعض
القائمين على أعمال السلطان وولاته وليس على الذات السلطانية،
ولم تصل العداوة بين رجال الدين والسلاطين الى حد استخدام
السلاح لمحاربة السلطان والاستيلاء على ملكه. وبقي ذلك سائداً
حتى العصر الحديث حيث لم تفلح محاولات المزج بين التأثير
الديني والسياسي على شعوب الدول ذات الاغلبية الاسلامية
السنية.
لعل أوضح
حادثة في التاريخ الاسلامي، تداخل فيها الديني والسلطاني، ما
حواه الاقتباس التالي من سيرة الامام الشيخ العز بن عبد السلام
مع المماليك.
وُلد
الإمام الشيخ العز بن عبد السلام في دمشق عام 578 هـ، وتوفي
سنة 660 هـ في مصر. انتقل العز إلى مصر، فوصلها سنة 639هـ.
فرحب به الملك الصالح نجم الدين، فولاّة الخطابة والقضاء، وكان
أول ما لاحظه بعد توليه القضاء قيام الأمراء المماليك
المملوكين للدولة الإسلامية بالبيع والشراء وقبض الأثمان، وهو
ما يتعارض مع الشرع إذ أنهم في الأصل مملوكين لا يحق لهم البيع
والشراء والزواج من حرائر نساء مصر، فكان لا يمضي لهم بيعاً
ولا شراء، حتى تكالبوا عليه واشتكوه إلى الملك الصالح الذي لم
تعجبه فتوى الشيخ العز، فذهب الي الشيخ يسأله أن يعدل من
فتواه، "فطلب منه الشيخ ألا يتدخل في القضاء فليس هذا للسلطان،
فإن شاء أن يتدخل فالشيخ يقيل نفسه"(عبد الرحمن الشرقاوي، أئمة
الفقه التسعة، 359). فاجتمع أمراء الدولة من الأتراك وأرسلوا
اليه، فقال الشيخ: "نعقد لكم مجلساً وننادي عليكم (بالبيع)
لبيت مال المسلمين. فاستشاط نائب السلطنة غضباً، وكان من
المماليك، وأن السلطان لم يذعن لحكم الشيخ، فأرسل اليه من
يتلطف اليه، وبعد اصرار الشيخ أخبره الرسول أن السلطان لن يسمح
ببيع الأمراء، وأمر السلطان واجب، وهو فوق قضاء الشيخ عز
الدين! وعلي أية حال فليس للشيخ أن يدخل في أمور الدولة وشئون
الأمراء لا تتعلق به. بل بالسلطان وحده!
فأنكر
الشيخ تدخل السلطان في القضاء وقام فجمع أمتعته ووضعها علي
حمار. ووضع أهله علي حمير أخرى، وساق الحمير ماشياً!.. الي أين
يا شيخ!؟.. قال: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟!.. فيم
المقام بأرض يُستضعف فيها أهل الشريعة، ويُعتدي فيها على
القضاء؟!" (عبد الرحمن الشرقاوي، أئمة الفقه التسعة، 360-361).
تجمع الناس
وراءه وتبعه العلماء والصلحاء والتجار والنساء والصبيان، خرج
الملك الصالح مسرعاً ولحق بالعز وأدركه في الطريق وترضّاه،
وطلب منه أن يعود وينفذ حكم الله، فتم له ذلك. واشتهر العز
بعدها بأنه بائع الملوك.
هذه
الحادثة تبين أن الشيخ العز بن عبد السلام لم يخرج عن سلطة
الحاكم! ولم يأمر الناس بخلع البيعة! ولم يطلب لنفسه زعامة
السلطنة! ولم يحاول تبديل السلطان. أقصى ما فعله الشيخ هو
تصريحه بالحكم الفقهي النابع من مفهومه الديني الذي وافق تذمر
اكثر الناس أنذاك من أفعال المماليك في مصر. وعن غير قصد قد
يكون الشيخ بفتواه هذه قد فتح الباب واسعاً للمماليك للوصول
الى منصب الولاية العامة بعد الأيوبيين. المهم والواضح في هذه
الحادثة أن فهم السلطان وأغلب الناس في ذلك العصر هو أن رجل
الدين وحتى القاضي ليس له التدخل بالأحكام السلطانية، وعندما
لا توافق الاحكام السلطانية فقه القاضي أوعالم الدين ليس له
الا الاستقالة أو البعد عن ساحة السلطان.
في المقابل
نجد نموذجاً واضحاً على تدخل السلطان في المفاهيم الدينية لدى
العلماء في خبر محنة خلق القرآن كما ذكرها ابن جرير الطبري في
تاريخه الجزء الثامن طبعة دار المعارف الصفحات 631-645 وفيها
تفاصيل كثيره. أقتبس منها بعض ما يفيد في فهم العلاقة بين رجال
الدين والسلطان في رسائل أمير المؤمنين المأمون بن هارون
الرشيد الى ولاته لتنفيذ أمره في امتحان العلماء بخلق القرآن
جاء في صفحة 637 (... أن أمير المؤمنين لا يستعين على شيء من
أمور المسلمين الا بمن وثق في اخلاصه وتوحيده، وأنه لا توحيد
لمن لم يقر بان القرآن مخلوق..) ثم ذكر الطبري صفحة 644 (..
فأجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم الى أن القرآن مخلوق،
الا أربعة نفر منهم أ! حمد بن حنبل وسجّاده والقواريري ومحمد
بن نوح. فأمر بهم اسحق بن ابراهيم(عامل أمير المؤمنين) فشُدّوا
في الحديد ثم أعاد المحنة.. وأطلق البعض وبقي أحمد بن حنبل
ومحمد بن نوح الى وفاة المأمون...) ومع العنت الذي لاقاه
العلماء في هذه المحنة لم يخرج أحد منهم عن طاعة السلطان، ولم
يطالبوا باستبداله بل الحلول مكانه. وفي الوقت نفسه كان
للمأمون ثلة من العلماء الموالين لرأيه، وعلى رأسهم أحمد بن
أبي دوؤاد أعظم فلاسفة المعتزلة. ليس القصد من ايراد
الاقتباسات مقارنةً بين المفاهيم العقيدية عند العلماء، بل
لفهم العلاقة بين رجال الدين والسلطان. طاعة تامة للحاكم من
قبل علماء الدين، وتدخلاً من السلطان في فرض مفهومه الديني على
رجال الدين. وهذا يستدعي سؤالاً: هل هناك تمايز واضح بين أهل
الدين وأهل سلطان الدولة والسياسة.
لعل الأقرب
الى مسمى رجال الدين الاسلامي هم: القضاة الشرعيون والفقهاء
ومدرسي المذاهب الفقهية، ورواة الاحاديث، وأصحاب الاختصاص في
الحديث الشريف وعلومه، وعلماء التفسير وخطباء وأئمة المساجد
الراتبون، وشيوخ الطرق الصوفية، والقريبون من هذه الأوصاف.
والأقرب الى مسمى رجال السياسة والدولة: السلاطين والامراء
والولاة ومساعديهم في أعمال السلطة، ورؤساء الدواوين المدنية
وقواد الجيوش. ولا ينفي الصفة الأميز البراعة بالصفة الاخرى.
وفي العقود الآولى للاسلام ابتدأ مبكراً نوعاً من التمايز بين
رجال الدولة ورجال الدين. ولايصعب على قارئ الحوادث التاريخية
التمييز بين مشاهير التاريخ الاسلامي وقرب كل منهم لإحدى
الصفتين.
استمر
ابتعاد رجال الدين عن منافسة أهل السلطان الى قرون قريبة. حتى
أن الامام محمد بن عبد الوهاب عندما أُجلي من العيينة في نجد
لم يطلب الامارة لنفسه ولم يخرج على آل معمر أمراء العيينة بل
هاجر الى الدرعية عام 1740 م. ونشر دعوته تحت ظل أمير الدرعية
محمد بن سعود بن مقرن، وكان الشيخ عوناً للأمير على بسط نفوذه،
وكان مقرباً عنده، وما زال أحفاده ذوي حظوة عند آل سعود في
جزيرة العرب الى اليوم.
أغلب حوادث
التاريخ تدل على أن رجال الدين الاسلامي الموالون لأصحاب
السلطان ينعمون بقربه ورغد العيش، أما مخالفي السلاطين فقد
يصيبهم العنت من السلطان وخدمه ولاينازعونه على السلطة. الى أن
حاولت بعض الحركات الدينية وقادتها الأقرب الى صفة رجال الدين
في القرن العشرين الميلادي محاولات الدخول الى ميدان السياسة
ومقارعة أصحاب السلطة السياسية في بعض الدول العربية، وحيث أن
هذا العمل غير مسبوق في التاريخ الاسلامي السني، وكأنه بدعة في
السياق التاريخي للعلاقة بين أهل الدين وأهل السياسة وتمايز
الاختصاص بينهم. لهذا السبب الرئيسي المذكور وعوامل أخرى
ثانوية كان الفشل نهاية كل محاولةٍ للوصول الى السلطة
والاستمرار فيها خلال ما يقارب القرن من الزمان، والمثال
الواضح لذلك فيما حصل في مصر وسوريا. ولم تتمكن الحركات
الاسلامية من الاستمرار في نشاطها السياسي الا بقدر موالاتهم
للزعامة السياسية في البلاد وعدم منازعتهم على السلطة. وخير
مثال على التلائم بين الحركات الدينية والسلطة السياسية ما حصل
في الأردن والكويت، وفي الكويت مؤخراً عندما فترت حرارة موالاة
الاسلاميين لولاة أمورهم انعكس ذلك سريعاً خفوتاً في نشاطهم
ونفوذهم.
الخلاصة
لما ذكر أن منافسة أهل الدين لأهل السياسة والسلطة، ومحاولة
الجمع بين التأثير الديني على المسلمين والوصول الى الزعامة
السياسية على دولهم لم يرافقها النجاح حتى يومنا هذا، وكان
الخاسر في أغلب الأحوال الجامعين بين الدين والسياسة، بينما
أصحاب السلطة لم ينقطع الموالون لهم من رجال الدين ونسائه من
المبررين لافعال أصحاب السلطة مهما شذت. ولعل السياق التاريخي
والفطنة تستدعي ابتعاد رجال الدين عن المزج بين الدين
والسياسة، وتركيز اهتمام رجال الدين على استنباط ماينفع الناس
من المفاهيم الدينية والاحكام الفقهية، ومساعدة عموم الشعب في
استحسان مايستحسنه العقل والعلم والمنطق وما تعارف عليه أغلب
البشر من الاخلاق الكريمة.
__________
* كاتب
سوري |