يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* كبّة تازة يا لصوص

بقلم: عدنان غريب *

أخبار الشرق – 26 حزيران/ يونيو 2009

إنه واحد من نزلاء سجن عدرا. كان يدور ويجول في أرجاء أحد أجنحة السجن خلال فترة فتح أبواب المهاجع لخروج السجناء إلى باحات أجنحة السجن، كلٌّ ضمن جناحه، " للتنفس " مدة ساعتين فقط، بعد احتجاز لساعات طويلة ضمن المهاجع " الغرف " مع أعداد يمكن أن تصل إلى التسعين سجينا في المهجع الواحد!

ساعتان للخروج صباحا، وساعتان عند العصر. وباقي ساعات النهار والليل يبقى السجناء محتجزين داخل المهاجع الشديدة الازدحام حيث يتعالى الصراخ والسباب والشتائم. ينطلق ذلك السجين خلال ساعتي الخروج المسائيتين ليدور في أروقة الجناح حاملا " صينية " صغيرة صفَّ عليها الكبّة المقلية المحشوة بالبصل والبهارات التي تجعل آكلها يظن أنها محشوة باللحم، واللحم منها بريء، وينادي بأعلى صوته المريح للأذن قائلا: كبّة تازة يا لصوص، كبّة تازة يا حرامية! حيث " تازة " تعني طازجة كما هو معلوم.

ولا غرابة في ندائه المذكور المترافق بابتسامته الدائمة فهو يدور ويجول ليبيع ما صنعه داخل الجناح بين النزلاء ممن أدينوا بجرائم السرقة أو النشل أو الاحتيال أو غير ذلك أو ممن تجري محاكمتهم أو هم بانتظار بدء المحاكمة، وكم يطول الزمن إلى أن تبدأ المحاكمات! كان في الجناح أيضا نفر من المعتقلين السياسيين!!

نداؤه هذا كان محمولا على أجنحة ابتسامة تجذب إليه من حوله. ولم يكن بين السامعين من يبدي احتجاجا أو ضيقا من وصفه للموجودين باللصوص والحرامية فغالبية الموجودين هم بالفعل من هذه الفئة. وتقبّل السامعين لما يصفهم به من نعوت واقعية نابع أيضا من حقيقة أنه حينما ينطلق بندائه في أرجاء مهاجع الجناح تكون نفوسهم قد هدأت قليلا وتراخى التوتر الذي يسود النزلاء في أوقات إغلاق الأبواب الحديدية عليهم داخل مهاجعهم حيث الازدحام الشديد والمكان الضيق

وإلا لكان رد الكثيرين عليه وهو يطلق نداءه الملفت لبيع الكبّة عنيفا، باللسان إن لم يكن بشيء آخر، رغم أن وصفه للموجودين كان واقعيا وصادقا. ومعروف أثر الازدحام المفرط على النفس البشرية في أي مكان وجدت، فما بالنا إن كان ذلك في السجن!

كان عدد من ليس لهم أسرّة للنوم أو مكان يضعون فيه شيئا من حوائجهم الشخصية التي لا يمكن لإنسان الاستغناء عنها مهما قلَّت يتجاوز ضعفيّ من يملكونها، حيث يكون نومهم على حصيرة بلاستيكية قد تكون مهترئة، أو ربما لا تتوفر لهم مثل تلك الحصيرة. وسيكون نومهم في الممر الإجباري داخل المهجع حيث يمر من فوق هؤلاء التعساء من هبَّ ودبَّ من السجناء طيلة الليل سواء ممن أراد الذهاب إلى دورة المياه أو ممن يتنقل بين سرير وآخر للحديث والمسامرة مع الآخرين .. طوال الليل!!

ينتظر السجين، وبشكل خاص من ليس له سرير، فتح باب المهجع بفارغ الصبر ليرتاح ولو لساعتين فقط من ضيق المكان وضيق النفوس على اختلاف ميولها ومشاربها .. وما أشد هذا الاختلاف! لكن الباحات والممر المؤدي إليها لن تكون أفضل كثيراً لأن عدد النزلاء كبير، وكبير جداً! ينتظر السجين فتح الباب ليرتاح ويريح صدره ورئتيه من غيوم دخان السجائر، ولا مبالغة على الإطلاق في استخدام كلمة " غيوم " هنا، والتي تملأ جو المهجع متصاعدة من عشرات السجائر المشتعلة دون توقف، وأيضا دون مبالغة، طيلة اليوم! فتخنق غير المدخنين وهم قلائل وتزيد نكد عيشهم هنا وتؤمن لهم

" العدل " والمساواة بإصابتهم بنفس أمراض وأخطار التدخين التي يصاب بها المدخنون، أو من سيصابون بها مستقبلا!

أما ما يزعم من تخصيص مهجع لغير المدخنين في كل جناح فهو مجرد نكتة على أرض الواقع!

ووسط ازدحام الأمكنة كلها يأتي كل يوم صوت بائع الكبّة المقلية وهو يجول صائحا وسط ابتسامات قلة من الموجودين:

كبّة تازة يا لصوص،

كبّة تازة يا حرامية!

__________

*كاتب سوري

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.