|
* مولد العصيان المدني في ايران
موقع أخبار الشرق – الجمعة 26 حزيران/ يونيو 2009
أديب طالب – معارض سوري
قال السيد علي خامنئي، المرشد الاعلى، الولي الفقيه، في خطبة
الجمعة .. لم يكن هادئا كعادته، ولا مستقرا، هدد ووعد وتوعد
ملايين المعارضين، وقياداتهم على وجه الخصوص، ومدح رفسنجاني
رئيس الهيئة التي تعيّن المرشد الاعلى، قال خامنئي: لا تنزلوا
إلى الشارع، نزل الايرانيون إلى الشارع، وعمّدوا نزولهم
بالدّم. وقف السيد مير حسين موسووي شامخا في ساحة الحرية،
العالم كلّه رآه وتتبع أقواله وأخباره. انتصبت قامات النساء
على أسطح البيوت ليلا، ومعهم السيدة زهرة رهنفاد زوجة المهزوم
ظلما وعدوانا، حيث ثبت ان عدد الاصوات في صناديق الاقتراع فاق
عدد الناخبين في خمسين مركزاً اقليمياً وبنسبة تجاوزت المئة
بالمئة .. قالت زهرة: " سنطلب الغاء الانتخابات " قالتها قبل
ان يقولها خاتمي وزوجها موسوي، زهرة معاكسة تماما لزوجة الناجح
زورا وبهتانا والتي لا يعرفها احد. انتصبت النسوة الطامحات إلى
دور أكبر في ادارة الدولة والمجتمع. النسوة الايرانيات ردّدن:
" اعيدوا لنا أصواتنا "، " يسقط الديكتاتور ". الشباب تقتلهم
آلة العنف السلطوي، يزيدون لا ينقصون، يطالبون بدورهم في ادارة
بلادهم .. " على الاقل لا تسرقوا أصواتنا ". علي أكبر هاشمي
رفسنجاني صامت كالجبال.
النزول وانتصاب القامات والصمت والقتل والسجون؛ ليست في مصلحة
حكم " خامنئي – نجاد ". الأخضر والأحمر يطردان الأسود من شوارع
طهران، الموبايلات والشبكات الاجتماعية في الانترنت، حققت
التواصل بين الناس بعضهم بعضا، وحققت التواصل مع العالم والذي
قطعته السلطة الطاغية القمعية، خرج الشارع الايراني من صمته،
ولم يعد للقادة بقاء في مقاعدهم.
حصانة المرشد الاعلى اصبحت في دائرة الشك! أليس في اللوحة شرخ
لهيبة " الدينيّ – السياسيّ " والذي حكم ايران منذ عام 1979؟
هل تتعرض عصمة الوليّ الفقيه – العماد الديني للدولة –
وبالهيبة والمقدس قبل أيّ شيء آخر، لقسوة حكم التاريخ اذ قرّر
مسارا جديدا؟
أليس وصف اعلام السلطة لملايين المعارضين بالمشاغبين، ووصفها
للمتظاهرين بالارهابيين والخونة دلالة على أنّ الاجماع على "
الدينيّ - السياسيّ " قد تصدّع؟ ثمة رئيسان للجمهورية، خاتمي
وقد حذّر من عواقب وخيمة، ورفسنجاني، وثمة رئيس للوزراء موسوي
متآمر عليه انتخابيا، وثمة آيتان من آيات الله العظمى، منتظري
الداعي إلى الحداد على الجمهورية والشهداء، وكالبيكائي الرافض
للولاية آن قبلها السيد خامنئي، وثمة كروبي الاصلاحي الصافي،
وثمة رضائي القادم من الحرس الايراني .. كلّ هؤلاء مشاغبون
وارهابيون وحتى خونة وعملاء للبريطانيين؟! الردّ عليهم يجب ان
يكون ثوريا، أي القتل او السجن، وأقلّ العقوبات تلقينهم درسا
قاسيا بهدف الخضوع للاستبداد " الديني والسياسي "!!
الاقتصاد والسياسة اليوميان شيء والدين شيء آخر. ألم يحكم
التاريخ بالاعدام على أنظمة اعدمت الملايين لتبقى، وتحت حجة
الايديولوجيا؟ على أنظمة لم تتوافق مع مساراته الجديدة؛
كالشيوعية التي اعدمت على الاقل عشرين مليونا، وكنظام الخمير
الحمر الذي قتل ثلاثة ملايين كمبودي وقد صنعوا من جماجمهم
متاحف لفخرهم، وكنظام شاوشيسكو الديكتاتوري الضّال الفاسد
المفسد، ونظام طالبان ونظام صدّام والنظام الأوكراني الذي سقط
حين زوّر الانتخابات؟
هل
القيادة الجماعية هي البديل؟ وهذا يعني ان لا وليّ فقيه معصوم
بمثابة نائب حتى عودة المهديّ المنتظر!
قبل التفكير في الاجابة على هذه الأسئلة يجب أن نتذكر أنّ
السيد مير حسين موسوي - المستعد للشهادة والموت – والخاسر في
الانتخابات تزويرا محكما؛ لم يغادر العباءة الخمينية، ولا ينفك
ينادي أنّه ممثل شرعي للحكم الاسلامي، حكم أعظم آيات الله
السيد الخميني، ولكن تحت الدستور وليس فوقه. على السيد الموسوي
ان لا يتطابق مع مقولة للامام الخميني وعليه ان يتطابق مع
مقولة ثانية، أما اللاتطابق فيكون مع ما قاله الخميني وهو عائد
من فرنسا بأن جاء دور الفرس ليحكموا العالم الاسلامي، وأما
التطابق فمع الثانية الضرورية الاستمرار تاريخيا وهي: " وصيتي
إلى الشعب الشريف أن يشاركوا في كلّ الانتخابات، كلّ مكلف
الرجل والمرأة، وكما يجب ان يصلّي يجب ان يختار مصيره
بالانتخابات ".
يبقى الشك سيد الموقف من حيث النتيجة، لدى نظام " نجاد –
خامنئي "، ولدى المحتجين المعارضين. ومع هذا، لو ربحت السلطة
الحاكمة الغالبة بقمعها وبطغيانها؛ فهي لن تقدر على نفس
سياساتها السابقة داخليا وخارجيا؛ فثمة عصيان مدنيّ شامل، دفن
الخوف من السلطة في قبر تجبّرها وأخطائها، عصيان مدنيّ شامل له
ركائز سياسية واجتماعية شاملة أيضا وعميقة في المجتمع الايراني
وقد يقدر نجاد على قمع العصيان الا أنه عاجز عن الغائه. ولو
ربح مناضلوا التغيير؛ لن يلغوا خيار الوصول إلى القدرة النووية
ولكن دون حروب. وهم ملزمون ولعلّهم مقتنعون بتوسيع هامش حرية
التعبير واحترام ارادة الناخبين.
ما
يحدث في ايران درس لا أظن أنّ المستبدين وانصافهم وارباعهم في
المنطقة قد يتعلمونه. ولو كانوا سيتعلموه لتعلموا من اعدام
شاوشيسكو وامرأته على قارعة الطريق.
الحكم " الخامنئي – النجاديّ " مرتبك مرتعب من الغد، وفي محنة
وفي قلق ويشرب من الخوف الذي سبق وسقاه للايرانيين معتمدا على
الحرس الثوري والميليشيات وارهاب " العقيدة ". والشارع الذي
كان موحدا وراء شعار " الموت لامريكا "؛ انشغل عنه إلى شعار "
الموت للديكتاتور ". الشارع الذي استمدت منه الأصولية شرعيتها؛
انشقّ قسم كبير منه عليها. وفقد هذا القسم الثقة بها وبرموزها.
وكانت هناك أسباب: ثمة بطالة 30 % وتضخم 28 % وتزوير انتخابات
80 % وتسلط وقتل وسجون واضطهاد متعمد تباهوا به ضدّ المرأة.
ثمة جنون في التصريحات النجادية الخارجية وثمة عزلة دولية
اقتصادية قد ترقى إلى امتناع العالم عن شراء النفط والغاز
الايرانيين، ثمة تبذير لموارد الدولة على المحاسيب من الفقراء،
وكأن الدولة جمعية لاغاثة المعوزين بالصدقات، هذا فضلا عن
السخاء الممطر على الاذرعة الخارجية، ما يقوله موسوي ايران
اولا والايرانيون يريدون الافضل لهم وهم من يحددونه ويضعون
معاييره حول معاشهم ونمائهم.
هل
يبقى الجيش الايراني وكلّ الحرس الثوري مع الحكم النجادي أم
ثمة أفق آخر؟ وان كان افق فقد ينتصر موسوي والمحتجون.
هل
يقدر موسوي على مواجهة تلك الاسباب التي سبق وذكرت؟، طبعا في
حال انتصاره. السؤال الأخير مبكّر قليلا. |