يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* الشرعية والمشروعية في الحكم

بقلم: المحامي هيثم المالح *

أخبار الشرق – 22 حزيران/ يونيو 2009

يرى بعض علماء الاجتماع أن الإنسان الأول بدأ حياته في إطار أسرة أبوية، أي الأسرة التي تقوم على رابطة الدم من جهة الذكور حيث خضع الأبناء لسلطة الأب أو الجد المشترك الذي يدينون له بالطاعة المطلقة والولاء. وقد تطور هذا الوضع على نحو يسمح بإتساع دائرة الأسرة لتشمل بعض الغرباء ممن ينضمون إليها بطريقة التبني، أو طريق الحماية التي يعطيها رب الأسرة للمستجيرين بها من الأجانب، أو عن طريق اقتناء الرقيق وضمهم إلى خدمة الأسرة.

ودون الخوض في الخلافات بين علماء الاجتماع حول تشكل الأسرة وتابعيتها، على اعتبار أن هذا ليس هو موضوع بحثنا، إلا أن التطور الاجتماعي قبل الدولة هو أن انتقل الوضع من الأسرة إلى العشيرة، وهي التي تكونت من تجمع عدد من الأسر نتيجة ازدياد في الأسرة والمواليد وتكاثر السكان، وكانت الحياة قائمة على الترحال إلى أن ظهرت الزراعة فبدأت حياة الاستقرار حول قرى صغيرة، ومع التطور وشعور الإنسان بعجزه لوحده عن أن يفي بحاجات نفسه، وهي حاجات تعد بالمئات، واختلاف كل منها عن الأخرى، يستتبع اختلافاً في الأعمال يوجب تقسيمها وتفريقها، واختلافاً في أهلية الناس للعمل واستعدادهم ومواهبهم، فيختص كل منهم بشأن يتقنه ويقدمه للآخرين مقابل ما يقدمونه إليه، وهذا هو الأساس الطبيعي الذي تقوم عليه الدولة وهو ثمرة طبيعة الأشياء، ثمرة الضرورة لا ثمرة الاصطناع والاتفاق.

وهكذا وبسائق الضرورة تبنى الدولة المدنية الطبيعية البسيطة، القائمة على سداد الحاجات الطبيعية البسيطة، دون أن تحفل بالحاجات الكمالية الاستثنائية.

تلك هي الدولة في صورتها البدائية، والتي تتسع مع الزمن بحسب حاجة الإنسان وتطور الحياة ونشوء الحرفيين والتجار والصناع.. وتتحول صورة الدولة كلما ازدادت توسعاً في أعمالها وحاجاتها، وانطلق الناس إلى حياة الترف والنعيم وتطلبوا حاجات استثنائية توضع إلى جانب المهن الاساسية الضرورية، ويتفنن بعض الناس في إبداع الحاجات النسوية، بينما يزداد عدد الشعراء والممثلين، ويصعب بإزدياد تلبية حاجات الناس المتزايدة وتأمين الغذاء وضرورات الحياة لهذا المجتمع.. إلخ.

إن هذا كله يحمل الدولة على أن تركب رأسها وتتجاوز حدودها الضيقة، مثلما يركب الأفراد رؤوسهم مندفعين وراء مختلف الحاجيات الضرورية والكمالية، والبذخ والترف والبطر والتعالي... والبذخ مرتعه وخيم! ومن هنا تجيء الحرب، وتولد معها مهن جديدة تحتاج إلى مؤهلات خاصة واختصاص قوي صحيح، وتنشأ تبعاً لذلك طبقة متميزة تضم حراس الدولة والمحاربين ومنتجي السلاح، وتكون الأولوية الأساسية هنا هي ضمان سلامة الدولة.

والدولة هذه تعددت أشكالها من دولة ملكية دينية، إلى جمهورية أرستقراطية، إلى أشكال أخرى من انظمة الحكم الاستبدادية والفاشية الشمولية، التي سادت بعض دول أوربا قبيل الحرب العالمية الثانية، إلى الجمهورية الديمقراطية التي سادت دولاً أخرى، وفي الوقت الذي كان النظام الديمقراطي أيضاً متعدد الأشكال فمنه النظام الرئاسي كما في الولايات المتحدة الأمريكية، ومنه النظام الجمهوري الذي تقوى فيه سلطة الحكومة أو سلطة مجلس النواب، إلى آخر ما هنالك من أشكال كما في دول أوربية معروفة.ولكن أين تكمن الشرعية والمشروعية في الحكم؟

بين الحكم الاستبدادي والحكم المشروع:

في عالمنا العربي انقسمت الأنظمة إلى أنواع منها ما عاد القهقرى فأوغل في تاريخ حكم الاسرة وسمحت لنفسها بتسمية الدولة كلها بإسمها، في حين تسترت بعض الأنظمة بمسميات أخرى، وتظاهرت بالديمقراطية بينما خبأت مخالب الحكم الاستبدادي الشمولي في قفازاتها الحريرية، وحرصت هذه الدول على أن تكون مظاهر الديمقراطية بمؤسساتها خالية من المضمون، فسمت مجلساً (للنواب عن الشعب) تحت مسميات شتى ودرجت سوريا على تسميته (مجلس الشعب)، ومجلساً للوزراء، وسلطة قضائية، في حين تذوب كل هذه المؤسسات والسلطات في شخص الرئيس الذي هو الملهم والعاطي والقائد الفذ الوحيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد يضع النظام لنفسه دريئة يتمترس بها أمام الغير وهي (الحزب الحاكم) الذي يضم اعداداً كبيرة من المنتفعين الذين لا هم لهم سوى جني المنافع وتكديس الأموال والعيش برفاه لا حدود له، كل ذلك باسم الشعب ولمصلحة الشعب وعلى حساب المواطن دافع الضرائب المسكين. فأين يكمن الفرق أذاً بين الحكم الاستبدادي والحكم المشروع؟

في الحقيقة أن التفريق بين الحكم الاستبدادي والحكم المشروع تفريق موضوعي مجرد عن الأشخاص، فأن أي نوع من أنواع الحكم يلتزم القانون لا يحيد عنه، يكون حكماً مشروعاً.

ولكن هل يكفي أن يلتزم الحكم بالقانون؟ أم لا بد أن يكون القانون ممثلاً حقيقياً لإرادة الشعب الحرة التي تعلو على المصالح والأهواء؟!

وفي هذا يقول الفقيه Esmeim (ليس ثمة حرية حقيقية حتى مع السيادة الشعبية إذا كانت الجمعية الشعبية تستطيع أن تتخذ اعتباطاً بحق مواطن معين أي تدبير كان) فسواء أكان القائمون على الحكم جماعة أم فرداً، وسواء كانت الجماعة تتوزع السلطات وتفصلها أو تمسك بها كلها في أيديها، فان الحكم إذا بني على القوانين أي على القواعد الثابتة المعروفة المسبقة التي توجه صاحب السيادة الذي يمارس السلطات والحكم، فيكون حكماً مشروعاً أو على العكس فيكون استبدادياً.

وإذا نظرنا من بين القواعد الحقوقية في الدولة، إلى تلك التي تصدر عن السلطة التأسيسية وهي القواعد المتفوقة المفروضة على الحاكمين أنفسهم أياً كانوا وأياً كان العمل الذي يقومون به ونصيبهم في ممارسة السلطة العامة أي ممارسة السيادة، القواعد التي تحدد بشكل أمر حدود ممارسة هذه السلطة السياسية وشروطها، فأننا نجد أنفسنا أمام الدستور من حيث مفهومه الموضوعي، وأمام تفريق للحكم بين استبدادي ودستوري.

فالحكم المشروع بشكل عام هو حكم القانون في سائر وجوه نشاط الدولة، أما الحكم المشروع من حيث التقيّد بالدستور فهو الحكم الدستوري، فإذا كان الدستور يلزم السلطات في الدولة بإتباع النهج القانوني المحدد لها، فيئول بالضرورة إلى احترام القانون في مختلف مساعي الدولة.

رأينا هذا التوافق والوحدة بين الحكم المشروع والحكم الدستوري، ولقد وقع الخطأ لدى البعض من أن الاستبداد يأتي عبر الحكم الملكي الذي يكون فيه رئيس الدولة وراثياً، أما الجمهورية فيكون رئيس الدولة فيها مسمى لمدة معينة ولا يأخذ الرئاسة عن طريق الأرث ولا يورثها، إلا أن هذا الاعتقاد لم يصمد على أرض الواقع، إذ رأينا في العصر الحديث ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين أن الرئيس في النظام الجمهوري قد يأتي بالوراثة، ورأينا في ذلك بدعة نظام جمهوري وراثي، كما رأينا تسمية الدولة جميعها باسم رئيس الجمهورية، على غرار تسمية بعض الدول الملكية بأسماء الاسرة المالكة.

وبينما يتقيد العديد من الملوك بالدستور وبالقوانين، نرى انعدام ذلك في الأنظمة الجمهورية التي انقلب فيها مفهوم الانتخاب المؤقت إلى تأبيد الجلوس على كراسي الحكم إلى الأبد، بينما تصاغ صيغ متعددة لما يسمى انتخاب أو استفتاء وما شابه ذلك، لتلميع الصورة وإظهارها بمظهر الممارسة الديمقراطية، وتدور عجلة الدعاية الكبيرة لدى اجهزة الحكم كي تؤسس وتزرع في أذهان الناس خطر التغير في أسلوب التأبيد أو الوراثة، ويدخل في ريع المواطنين أنهم سيكونون أمام فراغ سياسي إذا غيروا ما درج عليه النظام الجمهوري أنف الذكر، ويتم من بعد ذلك هدر جميع قيم الحكم السياسية ويجري إزدراء المجتمع على أرض الواقع، كما يجري تصوير الشخص الوحيد الذي يقدم للحكم أنه هو المنقذ الوحيد القادر على إدارة دفة الحكم، بينما تصور ساحة المجتمع على أنها خالية من أية إمكانية لوجود اشخاص قياديين آخريين، فالشخص الوحيد هو المعطي والمانع والملهم.. إلخ.

ولاستكمال الصورة تشكل مجالس "نيابية" على مقاس السلطة الحاكمة كما تسمى مجالس وزراء مماثلة لأي نظام ديمقراطي آخر، وحتى لا يكون هناك من يقف في وجه هذا النظام الاستبدادي يتم الاستيلاء على السلطة القضائية ويجرد القضاء من استقلاله، ومن العديد من صلاحياته القانونية وذلك بأن تؤسس العديد من أنواع المحاكم الاستثنائية التي لا تتقيد بقانون وتصدر أحكامها من إملاءات خارجها، وقد تتمترس السلطة خلف واجهة حزبية عريضة تستخدم هي أيضاً لتأليه الحاكم وإضفاء المعصومية على تصرفاته، وإظهار الانبهار بأقواله، وبذلك ينجرف النظام برمته رويداً رويداً باتجاه الفاشية التي تقوم أساساً على قاعدة حزبية عريضة إلا أنها تنحني للواحد الملهم.

في مثل هذا النظام يجري التضييق على الأشخاص اعتباطاً بحجرهم في اماكن أقامتهم وفرض الرقابة المشددة عليهم ومنعهم من السفر أو عقد أي لقاء بقصد التداول في الشأن العام، وتطلق الصلاحيات غير المحدودة لأجهزة الأمن المتعددة والمختلفة والتي تعمل جاهدة لضمان سلامة نظام الحاكم الأوحد، وتصدر تشريعات غير دستورية تناقض كافة القوانين والمعاهدات الدولية خارج صلاحيات مجالس الشعب، وقد تُصدر مجالس الشعب قوانين غير دستورية، بينما لا يمارس مجلس الشعب نفسه ولا رئيس الدولة صلاحيته الوحيدة بعرض هذه القوانين على أية محكمة دستورية، ويغض القضاة الطرف فيصدرون أحكاماً تنأى عن العدالة حين يطبقون هذه القوانين والمراسيم التشريعية، ودون أن يتحروا عن العدالة أو يبحثوا في صلاحيات هذه القوانين للتطبيق.

استمع العالم بانبهار منذ أيام إلى خطاب باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وقد أتى بأفكار جديدة بالنسبة لمن سبقه في الحكم، وبغض النظر عن تباين الآراء حوله إلا أن خطابه يبقى أقوالاً إذا لم يتبعه العمل الصحيح.

يُعرّف الإيمان من منظور إسلامي بأنه (ما وَقر في القلب وصّدقه العمل) وبالتالي فلا يكفي أن يكون المرء مؤمناً بقلبه بينما يمارس على أرض الواقع خلاف ما يؤمن به، والمثل المصري يختصر ذلك بقوله(اسمع كلامك يعجبني، أشوف أفعالك أتعجب).

وفي قصة العصفور والصياد في الغابة :خاطب عصفور عصفوراً آخر حين شاهد صياداً يمسك عصفوراً بيده ليذبحه بينما كانت دموعه تنهمر على خديه من شدة البرد، فقال العصفور لزميله أنظر إلى الصياد أنه يبكي، فقال له زميله لا تنظر إلى عينيه ولكن أنظر إلى يديه.

إن حضارة أية دولة ومشروعيتها إنما ينبعان من مدى صدقيتها في إصدار قوانين مشروعة وتقيدها بهذه القوانين، فالقانون هو وحده الذي يضفي على الدولة صفة الشرعية والمشروعية في الحكم.

___________

* ناشط حقوق سوري - دمشق

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.