|
* ميتشل في سورية
ومعادلة الرزمة المتكاملة
صحيفة الحياة اللندنية – الخميس 18 حزيران/ يونيو 2009
عماد فوزي شُعيبي
زيـــارة
المبعوث الأميركي الخاص بعملية السلام جورج ميتـــشل إلى
العاصمة السورية بعد استمهال، كان واضحاً أنها تهيئة لتحول لا
يبدو تنازلاً معلناً من دولة عظمى وباكورة تحول في السياسة
الأميركية إلى قطاع الممارسة العملية، بدلاً من الاكتفاء
بجـــس النبض المتتالي عبر مبعوثي الكونغرس، وهي معادلة تعاملت
معها دمشق لكنها زفرت من تضييع الوقت عندما أبدت تحرزاً
واستمهالاً إزاء الحكم على النيات وإمكانات الفعل الأميركي
الحقيقية من عدمه، الأمر الذي استدعى اتصال وزيرة الخارجية
هيلاري كلينتون بنظيرها السوري، ما عنى أن يحمل ميتشل أكثر من
ملف في زيارته لدمشق؛ أهمها العلاقات السورية – الأميركية،
والوضع في العراق وفلسطين، والعملية السلمية، وعنى أيضاً
انتقالاً إلى مستوى آخر في التعامل الأميركي السوري، لا ترضى
سورية كقوة إقليمية بأقل منه، ولا تعتبره منتهى آليات التواصل
ومستوياتها.
اللافت هو
الإعلان السوري على لسان وزير الخارجية وليد المعلم عن اتفاق
بين البلدين على ثلاثة عناصر أساسية هي محور التوافق السوري –
الأميركي، وأولها الاستقرار في العراق ويبدو أن هنالك طلباً
أميركياً بضرورة المساعدة السورية في هذا الملف الذي تعتبره
دمشق أولوياً ويزيل آثار المرحلة السابقة.
وهنا
تتقاطع المصالح السورية - الأميركية على أساس أجندة ودوافع كلٍ
منهما المختلفة، وعلى أن العراق يجب أن يكون مستقراً وفق أجندة
إنسحاب لطالما طالبت بها دمشق بإلحاح، وكانت هذه المطالبة
دافعاً لتناولها والضغط عليها طيلة فترة حكم الرئيس السابق
جورج بوش.
والمسألة
تنعقد في هذا الشق بالذات، في ما يشبه إزالة آثار العدوان على
العراق وعلى المنطقة، كما نراه في المنظور الضمني السوري، وفك
اشتباك واستراتيجية خروج بالمنظور الأميركي.
ومهما
اختلفت التسميات والدوافع، فإن السوريين معنيون بألا تكون
حدودهم الشرقية محكومة بمعادلة احتلال لدولة عربية، وألا تكون
دولة عظمى حاضرة - بالأصل - في شرق أوسط يشكو من الاحتلال
الإسرائيلي ولا بتـحــــول أميركي نحو معادلة عداء لا تريدها
سورية ولا العرب ولا مصلحة لإدارة الصراع في المنطقة بها. وهذا
ما يقف على الأغلب وراء تصريح الرئيس بشار الأسد بأن ثمة أهمية
لإقامة الحوار البناء المبني على الاحترام والمصالح، فمــبدأ
السيادة الذي تناولته نظريات وممارسات الإدارة الأميركية
السابقة يجب أن يُستعاد وبقوة وتأصيل واضحين قبل توقع أي نتائج
إيجابية من دمشق.
وترى دمشق
ان العمل من أجل سلام شامل في المنطقة لا يجب أن يستبعد أحداً،
ولا يسمح، وفقاً للمنظور السوري، باللعب التكتيكي على المسارات
وكسب الوقت؛ الأمر الذي يفسح المجال من المنظور السوري
والأميركي للعودة إلى طاولة المفاوضات، إذا توافر الطرف الثالث
وهو الطرف الإسرائيلي وحسنت نياته. وهذا يرمي الكرة بشدة إلى
الملعب الإسرائيلي، ويجعل المسؤولية مضاعفة على الوسيط
الأميركي.
وفي ما
يتعلق بالعمل على مكافحة الإرهاب ومواجهته، تعتبر المعادلة
السورية أن الأمر لا يتم إلا انطلاقاً من معالجة الأسباب التي
تؤدي إليه وليس ظواهره ومنها الأحباط العام في المنطقة جراء
السياسات المنحازة وعدم تحقق السلام والأوضاع الاقتصادية لشعوب
تعاني، حيث تركز سورية على عدم الوقوف عند حدود ظواهر الإرهاب،
إنما الانغماس الكلي في معالجة أسبابه.
الواضح أن
رزمة متكاملة هي في طريقها للتبلور بين البلدين، وهذا ما يفسر
التوافق بين الرئيس الأسد والمبعوث الأميركي على أن مسائل
المنطقة متداخلة، والتقدم بأحدها يسهم بدفع الآخر، وهذا يعني
أن قوس قزح يمتد من العراق إلى فلسطين مروراً بالجولان السوري
المحتل، هو وحده الذي يضمن تقدماً في الملفات المتداخلة؛ ذلك
أن احتلال العراق قد دمج قضايا الصراع وأطرافها بما فيها الطرف
الأميركي، بصورة غير مسبوقة.
إن حلاً
حقيقياً على أساس الرزمة هذه لن يفسح في المجال أمام طي صفحة
الماضي فقط، بل قد يُغير وجه المنطقة إذا أتيحت الفرصة لنجاح
هذا التعاون، فالسؤال الأهم هل تستطيع هذه الإدارة أن تواجه
ضغوطاً من الكونغرس ومن اللوبي الإسرائيلي، أضف إلى هذا: هل
ستمرر ألاعيب نتانياهو الذي سيسعى جاهداً لتقديم مادة سياسية
ذات غموض ومملوءة بالألغام كسباً للوقت، وهو الأستاذ في اللعب
على الأميركيين، وصولاً إلى تهديدهم بحرق واشنطن كما فعل في
نهايات القرن الماضي، من دون أن يدفع ثمن ذلك ولو بانقراضه
سياسياً.
على كلًّ،
ثمة ما يستدعي توقفاً أمام كل ما يحدث في المنطقة هذه الفترة،
فالانفراج الدولي وانخراط الأميركيين في قضاياها بهذه الروحية،
قد يعنيان في أسوأ الأحوال مناخاً إيجابياً. |