|
* لو كان الإمام
الخميني حاضراً
صحيفة المستقبل اللبنانية - الاربعاء 17 حزيران/ يونيو 2009
هاني فحص
لم تكن
"الجبهة الوطنية" في إيران ("جبهة علي") بزعامة كريم سنجابي
أول وزير للخارجية بعد الثورة، ولا "حركة النهضة الإيرانية"
("نهضت آزادي إيران") بزعامة مهدي بازركان رئيس أول حكومة بعد
الثورة، أقرب الى الأطروحة الإسلامية في الدولة والسياسة بناء
على نظرية ولاية الفقيه، من التيار الإصلاحي الإيراني، الذي
انبثق بشكل طبيعي ومتوقع من رحم الثورة والدولة، معترضاً
أحياناً، ومصراً دائماً على ضرورة تطوير التجربة من داخلها على
أساس ضرورة التنمية في الداخل وشرط الحرية لهذه النخبة، بما
يقتضي ذلك من نقد دائم لا يصل الى النقض احتياطاً من ان يستمر
نهج الاعتقاد بامتلاك الحقيقة ودائما،ً الى تقويض التجربة في
جذورها.. تلك التنمية وتلك الحرية وضرورة التطوير، لحفظ
الموروث بالمستجد وضمان المستجد بالموروث، من خلال تعزيز حوار
الأجيال والإصغاء الدائم الى الأسئلة العميقة التي تأتي من جهة
الأجيال الشابة، أبناء الثورة ودولتها واجتماعها، والذين أتاحت
لهم دولة الثورة أن يأخذوا نصيبهم من العلم ليرسخوا شعورهم
الوطني وانتماءهم الإسلامي بنكهته أو خصوصيته الشيعية، من دون
أن يكونوا أسرى لعقائدية سياسية قاتلة، لم تؤد في أي تجربة،
مهما تبلغ من قوتها وهمينتها وقطبيتها العالمية، الى أن تستمر
وأن تستجيب لتحديات العلم والمعرفة والتنمية (التجربة
السوفياتية).
هذه
الأجيال كانت مضطرة الى البحث عن صيغة توفق بين ايمانها
بالثورة وضرورة الدولة ونظام القيم الإسلامية التي ترتكز
اليها، وبين البرنامجية أو المطلبية التي تتعامل مع الواقع
لتطوره من داخله بالانجاز الدائم والتحقيق المتجدد لشروط
النهوض من خلال إيلاء الاولوية الى الداخل، من دون قطيعة مع
الخارج، خاصة في ما يعود الى القضايا الكبرى في بعدها الانساني
(فلسطين مثلاً) ما يقتضي الحفاظ على الحساسية الوطنية، على
المستوى الشعبي والرسمي في إيران، تجاه الولايات المتحدة خاصة
والغرب عموماً بسبب السياسات المتبعة ومن أجل الحد من سلبياتها
أو الضغط مع الأصدقاء والاشقاء من أجل شراكة في رسم مسارات
وانماط علائقية دولية مختلفة، والتي لا بد ان تكون فلسطين
ومصلحة شعبها ركيزة أولى وذات أولوية فيها.
ومن هنا
كانت لدى هذه الأجيال... ممثلة بالحركات الطلابية وبتبلور تيار
الإصلاح.. تحفظات على مسلك السعي الى تحقيق الحجم والسمعة
الامبراطورية في الخارج، بسبب ما يعرفه الجميع من ان
الامبراطوريات العظمى، لم تصبح ذات هيبة على الخارج، على
الأعداء والأصدقاء، إلا على حساب الداخل، على حساب العمران
والعمل والرفاه والنمو المستمر.. ولعل هذا هو ما دفع
الإصلاحيين الى التصدي للشأن السلطوي منذ رشحوا السيد محمد
خاتمي أول مرة وحتى الآن مستندين الى شراكتهم المشهورة
والمشهودة في الثورة والدولة وتضحياتهم في سبيلها سجناً وقتلاً
ونفياً وتشريداً وتعذيباً ما زالت آثاره واضحة في أجسادهم
وأرواحهم في عهد الشاه.
من هنا كان
الإصلاحيون مع الحريات حتى لا يتهم الدين بالاستبداد..
وتمايزاً عن عهد الشاه، وايماناً بأن الذريعة الدينية في
الاستبداد لا تنفع، بل تضر الدين والمتدينين ومن هنا كانوا مع
فلسطين.. لا من موقع المصادرة، بل من موقع المشاركة والقربي
فكراً ووجعاً وحلماً، وعلى أساس أن فلسطين حق للفلسطينيين،
والشرعات الدولية هي سقفها وما يختاره الفلسطينيون هو المقبول
وإن كان للشريك من موقع الاخوة ملاحظات واعتراضات فهي لا تخوله
أن يرتكب المصادرة أو التأييد والدعم الذي يؤدي الى تغليب
الصراع الفلسطيني على الوحدة.. ومن هنا كانوا مع الطاقة
النووية لضرورات التنمية مع ضرورة عدم استفزاز العالم
باحتمالات سلاح نووي يكلف إيران كثيراً، مع حقها فيه، من دون
أن يكون ضماناً أمنياً فعلياً لها، قياساً على باكستان التي
كان السلاح النووي سبباً إضافياً كبيراً الى أسباب تخلفها
وظهور التطرف والإرهاب فيها.
كانوا...
أي الإصلاحيون... وطنيين إيرانيين بوضوح وعمق.. ومن هنا كانوا
يقدسون وطنية الآخرين في لبنان والعراق وغيره.. يحبون حزب الله
والمقاومة ولا يعادون حركة أمل ويرسلون الشيخ مهدي كروبي
مبكراً لايقاف حرب المخيمات وحرب اقليم التفاح.. ويحترمون
وجهات النظر اللبنانية الاخرى وإن اختلفوا معها، ولطالما أبدى
السيد خاتمي أمامي حبه واعجابه بالسيد حسن نصرالله.. متناسياً
جفافاً في تعامل الحزب معه من أول عهده الى آخره..
من هنا كان
همهم.. كما كلمني السيد خاتمي، أن يسعوا مبكراً من دون أن
يتمكنوا، الى مساعدة الأطراف اللبنانية على تسوية بعد حرب تموز
تحفظ للجميع تطلعاتهم بالتنازل النسبي المتبادل وبالحوار
الدائم. ومن هنا كان الاصلاحيون مختلفين مع واشنطن ومع اوروبا
جملة وبالمفرد وبنسب متفاوتة.. واشداء في نقد ورفض وإدانة
السلوك الأميركي تجاه إيران.. مع قناعة بأن أي صراع إستراتيجي
إذا ما تحرر من الايديولوجيا فإنه يهدف أو ينتهي الى الصلح،
مرة بعد انفجار الصراع وحدوث الكارثة على الجميع مع غلبة هذا
الطرف أو ذاك أو مع التعادل، ومرة قبل حصول الكارثة.. وهذا أي
التفاهم من دون تخاذل، قبل حصول الكارثة كان اختيار الإصلاحيين
وما يزال.. فهل هذا خيانة؟ هذا.. مع العلم أن الإصلاحيين لم
يكونوا هم المبادرين الى التفاهم المباشر أو غير المباشر مع
واشنطن على العراق وأفغانستان... ومع العلم ان كل المديح
المبتذل والمنطوي على سوء نية من قبل واشنطن أو غيرها،
للإصلاحيين وللسيد خاتمي، كان مؤذياً لهم ومضراً لأطروحاتهم
وأعطى ذريعة إضافية للمتشددين لمضايقتهم.. وهناك عقلاء محبون
للإصلاح على يقين بأن واشنطن لا تريد إصلاحاً حقيقياً في إيران
يفقدها مبرراتها في دعم السلطات المطلقة في أماكن أخرى...
وأنها لا تتعامل فعلياً إلا مع السلطة القوية التي تستطيع أن
تتخذ قراراً من دون تردد أو خوف من أحد..
ولذلك فهي
لا ترى أن تفاهم الإصلاحيين معها، مُجدٍ ومضمون، وهم إن وصلوا
الى السلطة، فإن قدراتهم سوف تكون منقوصة لأن القوة المادية
ليست في يدهم ولا تخولهم اتخاذ قرارات استراتيجية كالاتفاق مع
واشنطن ولو لحساب إيران نسبياً.
وفي تقديري
أن إسرائيل وواشنطن.. واشنطن بوش على الأقل، لأن واشنطن أوباما
تحت الاختبار... إسرائيل وواشنطن تكرهان الجميع، وربما تكرهان
المعتدلين أولاً.. وهما اللتان قتلتا ياسر عرفات وأفشلتا محمود
عباس.
عوداً على
بدء.. لم يكن كريم سنجابي ولا مهدي بازركان الذي له مميزاته
النضالية والعلمية والمسلكية.. ولا بني صدر.. أقرب الى أطروحات
الإمام الخميني... من خاتمي وكروبي ومير دامادي ورفسنجاني
وغيرهم... ومع ذلك فقد تعامل معهم الإمام الخميني بحسن الظن
وتوسيع الفرص.. منح الجبهة الوطنية فرصة كبيرة، لم تمنع
التناقض أن ينفجر.. وأنا هنا أتفهم من دون إدانة لكريم سنجابي
ومع النقد أيضاً، وكذلك بالنسبة الى بازركان وحركة تحرير إيران
التي منحها الإمام فرصاً كبيرة ومتكررة على قاعدة الاختلاف..
مع مزيد من الاحترام والتقدير لدورهم ونضالهم... وانفجر
الخلاف.. ولا عيب في ذلك.
ولم يبخل
الإمام بالفرص على بني صدر كما هو مشهور.. كان الإمام الخميني
من القوة بحيث فصلت ولاية الفقيه عليه.. وكان قوياً بحيث انه
لم يكن يستخدمها إلا كعلاج أخير سواء كان فيه الشفاء الكامل أم
لم يكن... بهذه الفرص التي أعطاها والتأني الذي آثره وفضّله
تحول الى ضمان لديموقراطية عالية النسبة في إيران.. وتحول الى
ولي حقيقي لكل الإيرانيين بولاية الفقيه ومن دونها.. ولو كان
حياً لتعامل مع التيار الإصلاحي، أبنائه ورفاقه وفريق عمله
وأحبابه ومحبيه، بأسلوب آخر، ولكن بث قوته في مؤسسات الدولة
لتأخذ حريتها في الاختلاف واتخاذ القرار وترجيح الحوار
والاحترام المتبادل بدل التهم القاسية.
أخيراً الى
بعض العرب.. إن الصراع في إيران داخلي وعلى السلطة فيها وهذا
ليس عيباً. العيب أن نعتبر هزيمة موسوي انتصاراً لفلسطين.. هذا
كلام ضال ومضلّل. لو كان الإمام الخميني حاضراً لتمهل في تنصيب
الرئيس المفترض أو المحتمل الى أن تتضح الأمور ولأعطى فرصة
للطرفين من أجل الحفاظ على الوحدة الإيرانية والتعدد الإيراني
الذي لم يعد من سبيل الى إخفائه وعدم احترامه وتقديس طرف فيه
وأبلسة طرف آخر.
لقد كان
الإمام من القوة إرادة وموقعاً ورأياً ورؤية بحيث يمكنه
التوجيه لإعادة فرز الأصوات باتجاه تعديل النتيجة المعلنة او
تثبيتها بوضوح ودقة أو الوصول الى دورة ثانية بين نجاد وموسوي
من دون أن يؤدي ذلك الى إلغاء طرف بطرف، بل فرض الحوار بين
الطرفين من أجل حالة وسطية تحفظ لإيران قوتها من دون أن تتحول
وبالاً عليها وتؤمن لإيران مرونتها اللازمة للحياة والتقدم
والنمو من دون أن تؤدي الى ارتخاء أو ميوعة في مفاصلها. أي
لكان الاعتدال هو السائد الذي تسود به إيران.. إيران الجميع
للجميع، التي تحول الاختلاف الى مصدر حيوية وتجديد واستمرارية
في الإنجازات، تصحح ما كان من خطأ وترسخ ما كان صواباً
بالشراكة والحوار الداخلي المؤهل للحوار مع العالم كله. لو كان
الإمام حاضراً لوضع حداً للحصرية والثأرية، ولكان حريصاً أن لا
يذكر أحداً بصرف النظر عن أي سلوك متوتر من جيل الشباب
المستثار والمستفز، باعتقالات رجال الثورة وشبانها.. ولا
بالصورة الممجوجة في ميدان (جاله) حيث سقط المتظاهرون شهداء
برصاص الشاه.. فصار تشييعهم وقوداً آخر للثورة.
ختاماً، لو
كان الإمام حاضراً لظهر في مكانه الجامع الحاضن للجميع بعيداً
عن شبهة الانحياز إلا للواقع.. ولوضع حداً بحكمة وقوة وحصافة
ومسؤولية للمظاهرات والمظاهرات المضادة الى أن تزول الالتباسات
من دون عقد ومكابرات، وأصغى له الجميع. |