|
* نظام الأسد ولعبة السباق مع الزمن
صحيفة السياسة الكويتية - الاثنين 08 أيلول/ سبتمبر 2008
صلاح بدر الدين (كاتب سوري،
kurdarab2004@yahoo.com)
ما تسرب عن المباحثات الثنائية السورية - الفرنسية المغلقة من
معلومات يؤكد أن الجانب الفرنسي طرح الى جانب القضايا المعلنة
مسألة حقوق الانسان والحريات الديمقراطية داخل سورية وأبرز
قوائم وكشوفات أسماء المعتقلين السوريين واللبنانيين والمحالين
الى المحاكم من أعضاء "اعلان دمشق" والحركة القومية
الديمقراطية الكردية والمستقلين من سجناء ومعتقلي الرأي
والملاحظات على اسلوب الاعتقالات التي لا تخضع للقضاء ومساوئ
قوانين الطوارىء، والأحكام العرفية المعمول بها والمناقضة
لأبسط مبادىء حقوق الانسان وتحذير النظام السوري من اي أعمال
عنف تجاه المعارضة السلمية في الداخل والخارج وخصوصاً في
لبنان، وفي ختام المحادثات رفض الوفد الفرنسي اقتراحا سورياً
باصدار بيان مشترك أعده نائب رأس النظام فاروق الشرع، مصرا على
عقد المؤتمر الصحافي الذي أذيع مباشرة على الهواء، ومن المفيد
التوقف على سير ونتائج أهم محاور المباحثات التي أعلنت في
المؤتمر الصحافي ومنها:
سورية: أعلن الرئيس الفرنسي ساركوزي موقف بلاده بوضوح تام بشأن
مختلف القضايا على العكس من رئيس النظام السوري السيد بشار
الأسد الذي بدا مرتبكا متهربا من أسئلة الصحافة والاعلام،
مستعجلا بوضوح انهاء المؤتمر بأسرع وقت، في حين تمسك الجانب
الفرنسي بمبادىء حقوق الانسان في سورية والمطالبة بحرية العمل
السياسي السلمي واطلاق سراح السجناء والمعتقلين وامتناع الجانب
السوري عن الخوض في الموضوع وتجاهل أسئلة وسائل الاعلام بصورة
قاطعة وعن سابق اصرار.
لبنان: قدم الجانب الفرنسي ظاهريا شهادته بايفاء النظام السوري
بوعوده بعد لقاء باريس، وأهمها انتخاب الرئيس اللبناني، وتشكيل
حكومة الوحدة الوطنية وقبول العلاقات الديبلوماسية والكشف عن
مصير بعض المعتقلين وانتظار الايفاء ببنود لاحقة "مرحلة
بمرحلة" وفي المضمون تعتبر تلك الشهادة ادانة لسلوك نظام دمشق،
واعترافا بتدخله في الشؤون اللبنانية. بما في ذلك مؤسساته
الدستورية السيادية، وكان لافتا مدى تعامل رئيس الوفد الزائر
لرئيس الوفد المضيف عندما كان يمتحنه ويقيم سلوكه كما يستنطق
معلم المدرسة التلاميذ وهذا لا يقبله أي رئيس الا ان ذلك نتيجة
طبيعية للاستبداد والانحراف والعدوان والعزلة عن الشعب، وقد
أكد الرئيس ساركوزي أنه تطرق مع نظيره السوري إلى المحكمة
الدولية المعنية بمحاكمة الضالعين في اغتيال رئيس الحكومة
اللبناني السابق رفيق الحريري، وقضايا حقوق الإنسان ومواضيع
أخرى، من دون أن يعطي تفاصيل إضافية، أما ما أدلى به الرئيس
الأسد بشأن الوضع - الهش -في لبنان وطرابلس والتطرف السلفي
برعاية - دول - فلم يكن الا تماديا في السلوك الطائفي الشللي
البغيض وتلويحا باثارة المتاعب كورقة جديدة - بعد احتراق معظم
الأوراق - للمقايضة تجاه الشعب اللبناني والمجتمع الدولي،
ويأتي في السياق ذاته اشارته الى استمالة الرئيس اللبناني
السيد ميشال سليمان بالتفاوض المباشر مع اسرائيل اقتداء بسورية
وقد ظهر تناقض واضح عندما أشار أمير قطر الى تماسك الوضع
اللبناني بعد اتفاقية الدوحة، وهو احراج واضح لمضيف القمة
الرباعية وانتقاص من قيمة أوراقه في سوق المساومات.
ايران: أما اشادة الرئيس الفرنسي ببعض دول الاعتدال العربي مثل
مصر والسعودية فتعني تخطئة سلوك النظام السوري في التحالف مع
ايران وسياسته تجاه لبنان وفلسطين والعراق، وكم كان معبرا
عندما صرح الرئيس الفرنسي بان البرنامج النووي الايراني مرفوض،
وكذلك سياساته العدوانية المثيرة للفتن والمعادية للسلام حيال
الخليج ولبنان والعراق مكلفا نظيره السوري الصديق لايران بمهمة
اقناع طهران بالكف عن مواقفه الراهنة، والا لن يستطيع احد
ايقاف اسرائيل بمهاجمة ايران وعندها ستقع الكارثة.
اسرائيل: حيث اتخذ موضوع السلام السوري - الاسرائيلي الموقع
الرئيسي في القمة الرباعية المنعقدة تحت عنوان السلام،وماهي
الا محاولة أخرى للتوصل الى اتفاقية سلام نهائية وفصل سورية عن
المحور الايراني وقد بان الوضع بصورة أوضح عندما انكشفت حقيقة
هرولة النظام السوري وبطلان ادعاءاته - الممانعة - مع تباطؤ
اسرائيلي واضح واستعداده لتقديم كل التنازلات المطلوبة لقاء
بقاء النظام بما في ذلك النقاط الست غير المعلن عنها التي
أودعت لدى الحكومة التركية الوسيطة الى درجة أن الزعيم الوطني
اللبناني السيد وليد جنبلاط اعتبر أن ما يرمي اليه نظام دمشق
يتجاوز مسألة السلام مع اسرائيل بكثير منذرا بخطورة الوضع.
علائم القلق طبعت وجوه وسلوك المسؤولين السوريين في مواجهة
الصحافة والاعلام، وظهر التناقض الفاضح بين خطاب الرئيس
الفرنسي الآتي من عالم آخر يسوده الوضوح والشفافية، ويعبر عن
المؤسسات الديمقراطية في بلده وعن الرأي العام الفرنسي
والأوروبي،رغم مآخذنا على الكثير من أجندته وبين خطاب آخر
منبعث من أحد آخر معاقل الشمولية، ونظام الحزب الواحد وسلطة
الأمن والمخابرات والحكم العرفي في المنطقة، مخادع ينضح
بالسلوك التبريري واخفاء الحقائق عن شعبه والعالم منغمس حتى
الأذنين في الفساد والنهب متورط في الأعمال الارهابية في أكثر
من بلد، ومما أثار غضب واشمئزاز الشعب السوري أكثر اندفاع
النظام بلاحدود في عملية الابتزاز وبيع المبادئ والمواقف في
سوق المساومات واستجداء مساعدة الغرب وخصوصاً الولايات المتحدة
الأميركية للتدخل والمساعدة بشأن السلام مع اسرائيل وانقاذ
الحالة الاقتصادية المتدهورة في البلاد خلافا لكل شعاراته
السابقة وادعاءاته القومية الباطلة.
قد يكون الغرب على وشك النجاح في تحقيق تكتيكه السياسي بتقويم
سلوك النظام السوري، وليس تغييره، كما يريده السوريون والذي
نادى به وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول في زيارته
الأولى الى سورية في عهد ادارة الرئيس بوش الأولى، وقد يحقق
الغرب طموحه في ابعاد سورية عن ايران وايصال دمشق بتل أبيب عبر
اوتوستراد المزة أو طريق القصر الجمهوري، ووضعها في هامش
الستراتيجية الغربية العامة في المنطقة ولكن على الغرب أن يعلم
أن الوقت قد تأخر أكثر من اللازم وأن النظام غير شرعي بالمفهوم
الديمقراطي ولم يعد في أحسن حالاته، ولايستطيع التعبير عن
ارادة وطموحات غالبية الشعب السوري وبالتالي لن تكون صفقاته
وتنازلاته أمام الغرب واسرائيل مقبولة من الشعب السوري، بل
ستكون في منزلة الرفض الى درجة المواجهة الفعلية والطريق
الوحيد للسلم الحقيقي الذي ينشده السوريون أصلا، هو تحقيق
السلام الداخلي باجراء التغيير الديمقراطي والاتيان بحكومة
منتخبة من الشعب تعبر عن المشهد التعددي لجميع مكونات الشعب
السوري القومية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بعد تحرير
السجناء والمعتقلين والمخطوفين، وانهاء حالة الطوارئ والأحكام
العرفية وتطبيع الأوضاع الداخلية بما في ذلك برلمان منتخب
وحكومة ائتلافية تحت ظل دستور سورية الجديدة، ومن ثم الالتفات
الى السياسة الخارجية بساحاتها العربية والاقليمية، والدولية
لتدشين موقع مناسب لسورية الشعب ودور سلمي منفتح ومتسامح تحت
ظل رايات الحق والعدل ومبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم
المتحدة وشرعة حقوق الانسان. |