|
* مواقف الأسد فضحت النوايا السورية غير المعلنة تجاه لبنان
تحذيرات من تدخل عسكري سوري لحماية العلويين في شمال لبنان
قيادات الشمال تتعهد التصدي لمخطط نظام دمشق "الفتنوي"
صحيفة السياسة الكويتية - الأحد 07 أيلول/ سبتمبر 2008
بيروت - "السياسة":
توسم اللبنانيون خيراً من زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي
إلى سورية اعتقاداً منهم بأنها ستعجل بحل كل النقاط الخلافية
مع سورية وتؤدي:
أولاً: إلى موافقة الحكومة السورية العملية والفعلية على إقامة
العلاقات الديبلوماسية مع لبنان، بعد أن كانت الحكومة
اللبنانية وافقت على ذلك في أعقاب زيارة الرئيس سليمان إلى
دمشق.
ثانياً: موافقة سورية على ترسيم الحدود مع لبنان وتزويد الرئيس
الفرنسي بالخرائط التي تثبت لبنانية مزارع شبعا، للعمل على
وضعها في عهدة الأمم المتحدة.
ثالثاً: معالجة موضوع تهريب السلاح إلى "حزب الله" وبعض
الأطراف في المعارضة.
ولكن اللبنانيين أصيبوا بخيبة أمل كبيرة، بعد أن لمسوا
انحرافاً فاضحاً بتحويل القمة السورية-الفرنسية عن مسارها
الطبيعي، وحصر المحادثات بموضوع استئناف المفاوضات
السورية-الإسرائيلية.
وكان اللافت القنبلة التي فجرها الرئيس بشار الأسد، والتي
سيكون لها ارتدادات خطيرة على الساحة اللبنانية، وتمثلت بالطلب
إلى لبنان إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل على غرار المفاوضات
القائمة بين سورية وإسرائيل برعاية تركية، ومباركة قطرية، إلى
جانب إشارته إلى التطرف الإسلامي في الشمال الذي تقوم به
جماعات سلفية مدعومة من دول عربية، ويقصد هنا المملكة العربية
السعودية ومصر، واعلانه انه نصح رئيس الجمهورية ميشال سليمان
بتعزيز الجيش في الشمال لوقف ما أسماه بحرب الإبادة التي تتعرض
لها الأقلية العلوية في جبل محسن.
كلام الأسد، استدعى رداً عنيفاً من قوى 14 آذار التي عقدت
اجتماعاً طارئاً في قريطم اتهمت فيه رأس النظام السوري بالتدخل
السافر في الشأن اللبناني الداخلي، الذي يمهد لفتنة مذهبية
انطلاقاً من بوابة الشمال، قد تبرر تدخله العسكري في هذه
المنطقة إذا لزم الأمر، كما اعتبرت الطلب من لبنان إجراء
مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، بأنه يأتي من قبيل الارتماء في
أحضان الغرب وتوجيه رسالة عبر فرنسا بأنه يستعجل الصلح مع
إسرائيل ويدعو لبنان بأن يحذو حذوه، واعتبار ذلك مناورة مكشوفة
من رأس النظام السوري الهدف منها فك العزلة عن سورية، وتحييد
نظامه بشكل نهائي من قبضة المحكمة الدولية التي ما زالت تقض
مضاجعه وتزعجه جداً.
أما في موضوع الطلب من الرئيس سليمان بتعزيز انتشار الجيش في
الشمال لمنع تجدد الفتنة هناك، فإن الهدف منه سحب أكبر عدد من
الألوية المنتشرة في الجنوب وعلى طول الخط الأزرق مع إسرائيل
باتجاه الشمال، ما قد يسمح بإعادة تموضع "حزب الله" بالقرب من
الحدود اللبنانية-الإسرائيلية، لأن القوات الدولية المنتشرة
جنوب الليطاني تحولت إلى قوة سياحية لا شأن لها بالأمن
اللبناني، إلا باحصاء الطلعات الجوية الإسرائيلية في الأجواء
اللبنانية.
من هنا يبدو أن حادثة إطلاق النار على الطوافة العسكرية
التابعة للجيش اللبناني ومقتل قائدها النقيب سامر حنا ليست سوى
رسالة كتبت من دم وموجهة إلى الجيش تحديداً، بأن هناك مناطق
محرم عليه الدخول إليها أو الطيران فوقها، لأن التبرير الذي
أعطاه أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصر الله لهذه الحادثة
يعزز بشكل مطلق هذا الانطباع، لا سيما وأن "حزب الله لم يسلم
إلا عنصراً واحداً من المجموعة التي أطلقت النار على المروحية
واعتدت بالضرب على أفراد طاقمها.
من جانبها، اتهمت قوى 14 آذار "حزب الله" بالتعاطي المبهم وغير
الواضح في الحادثة، بالرغم من أنه يتحمل مسؤولية مباشرة عن هذه
الجريمة التي أودت بضابط لبناني من خيرة ضباط المؤسسة
العسكرية، وسألت عن سر هذا الحماس غير المسبوق للعماد ميشال
عون الذي كان قائداً سابقاً للجيش، في الدفاع عن "حزب الله"
بدعوته إلى انتظار نتائج التحقيق والكف عن الاستغلال السياسي،
باعتبار ما جرى حادثاً عابراً يحدث في كل دول العالم.
انطلاقا من هذه المعطيات، رأت مصادر أمنية مطلعة أن كل
المصالحات التي استخدمت لتطويق الوضع المتفجر في الشمال، لم
تصل إلى حد نزع فتيل التفجير، لأن الجمر تحت الرماد، وفرقاء
الصراع المذهبي لم يقدموا الضمانات المطلوبة لإنهاء حالة
العداء التي سادت في الآونة الأخيرة بين باب التبانة وبعل
محسن، وفي عدد من قرى قضاء عكار، ما يفرض معالجة سريعة لذيول
هذه الحوادث المتنقلة وإجراء المصالحات التي تضمن عدم تكرارها.
وإذا كان الرئيس فؤاد السنيورة قد نجح بإقناع الشماليين
بالاحتكام إلى القانون، فإن رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد
الحريري الموجود في الشمال لاستكمال هذه المصالحات يسعى بكل
جهده لتفويت الكأس المرة على أبناء الشمال خاصة وعلى
اللبنانيين بشكل عام، لأنه لا يوجد تفسير للكلام الخطير الذي
أطلقه الرئيس الأسد في القمة الرباعية وأراد من خلاله إرسال
إشارات الخطر بأنه في حال حدوث اضطرابات أمنية في شمال لبنان،
ولم يستطع الجيش اللبناني توفير الأمن لاستقرار وحماية
المواطنين العلويين، فإن قواته جاهزة للتدخل، لأن التجربة
الروسية في جورجيا واضحة، كما أن تشبيه الأسد الوضع بين سورية
ولبنان كالوضع بين روسيا وجورجيا، والخلاف على الحدود بين
تركيا والأكراد قد يسمح باعتقاده للتدخل عسكرياً في لبنان،
وهذا ما أخذته قوى 14 آذار على محمل الجد، ووصفته المصادر
الأمنية ب¯"الخطير جداً"، والذي قد يؤدي إلى تفجير الوضع في
الشمال.
ونبهت إلى أن اندلاع الفتنة في الشمال في ظل هذا التسيب الأمني
وتدفق السلاح قد يجعل من منطقة الشمال بكاملها، مخيم نهر بارد
جديد، لا أحد يستطيع أن يحدد معالمها وارتداداتها على الوضع
الأمني في لبنان.
إلى ذلك، فإن معظم القيادات الشمالية لم تفاجأ بموقف الرئيس
الأسد، بالإشارة إلى ما ذكره في المؤتمر الصحافي أمام رؤساء
ثلاث دول معنية بالصراع العربي - الإسرائيلي كل على طريقتها،
لأن كلام الرئيس الفرنسي يؤكد أن محور هذه الزيارة هو العلاقات
السورية-الإسرائيلية والطريقة المتبعة لتطبيعها، ولا دخل لها
بالشأن اللبناني لا من قريب ولا من بعيد، وأن توقيت كلام الأسد
عن الأصولية السلفية محاولة لإيهام الرئيس الفرنسي بأن
"القاعدة" انتقلت إلى الشمال، وهذا الكلام عارٍ عن الصحة جملةً
وتفصيلاً.
النائب مصباح الأحدب اكد ل¯"السياسة" أن "ما يجري في الشمال
عمل مدروس ومبرمج من صنع المخابرات الخارجية التي تعمل منذ مدة
طويلة على توتير الوضع في الشمال وتصوير الأمر بأنه فتنة
سنية-علوية"، واضاف "نحن ندرك جيداً أن من يريد تخريب الأمن في
منطقة معينة يلجأ بداية إلى تلك الاتهامات الخطيرة، لكننا نؤكد
أن وعي أهل الشمال أكبر بكثير من هذه المؤامرات التي ستنتهي
إلى الفشل، فمنطقة الشمال عامة ومدينة طرابلس على الأخص ترفض
الفتنة وترفض الذين يدفعون إليها ويؤججون نارها".
من جانبه، ربط النائب أحمد فتفت بين ما جرى في بيروت وفي سعد
نايل وباب التبانة وبعل محسن، معتبراً أنه "يأتي ضمن مخطط واحد
يهدف إلى زعزعة الأمن والاستقرار في لبنان"، مؤكداً "أن حكمة
الشماليين ستفوت فرصة الانجرار إلى الفتنة مرة جديدة".
أما النائب محمد كبارة فأكد "أن طرابلس عاصمة السنة في لبنان"،
مشددا على "أن أبناء الشمال عموماً والطرابلسيون خصوصاً يقفون
صفاً واحداً لصد المؤامرة الدنيئة التي تخطط للعودة إلى لبنان
من البوابة الشمالية".
من جهته، قال مفتي طرابلس والشمال مالك الشعار ل¯"السياسة" إن
"إتمام المصالحات واللقاءات التي طالبنا وما زلنا نطالب بها
إلى جانب الخطوات المشكورة التي قامت بها الحكومة ويقوم بها
النائب الحريري اليوم كفيلة بلجم الفتنة". |