|
* استقلال لبنان واطار علاقاته مع سورية
صحيفة الحياة اللندنية - الأحد 07 أيلول/ سبتمبر 2008
عدنان السيد حسين (كاتب لبناني)
مما ورد في البيان اللبناني – السوري المشترك في ختام زيارة
الرئيس ميشال سليمان الى دمشق: «أكد الجانبان من جديد
التزامهما العمل على ترسيخ علاقات سورية – لبنانية تقوم على
الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال كل منهما، والمحافظة على
العلاقات الأخوية المميزة بين البلدين الشقيقين».
هذه الأفكار ليست جديدة، وان كان بعض اللبنانيين يطالب بها
مراراً وتكراراًَ تأكيداً منه على سيادة واستقلال لبنان. وثمة
تراث يؤكد وجودها منذ استقلال لبنان وسورية عن الانتداب
الفرنسي. المشكلة كانت ولا تزال عند بعض الساسة في البلدين
الذين يُخضِعون هذا المعطى للتجاذب السياسي عند حصول متغيرات
مهمة في الشرق الأوسط، وكيف إذا أثّرت تلك التجاذبات سلباً في
مصالحهم؟
بالعودة الى وثيقة الطائف للوفاق الوطني اللبناني (1989) نجد
فقرة خاصة على العلاقات اللبنانية – السورية، جاء فيها: «ان
لبنان، الذي هو عربي الانتماء والهوية، تربطه علاقات أخوية
صادقة بجميع الدول العربية، وتقوم بينه وبين سورية علاقات
مميزة، تستمد قوتها من جذور القربى والتاريخ والمصالح الأخوية
المشتركة، وهو مفهوم يرتكز عليه التنسيق والتعاون بين البلدين،
وستجسده اتفاقات بينهما، في شتى المجالات، بما يحقق مصلحة
البلدين الشقيقين في اطار سيادة واستقلال كل منهما».
إذاً، العلاقات المميزة تقوم من خلال الجغرافيا السياسية،
والتاريخ، والعلاقات الاجتماعية بين الشعبين، والمصالح
الاقتصادية والأمنية المشتركة... وهذا التمييز في العلاقات، لا
يوضع في خانة مقاطعة الدول العربية الأخرى، أو ايجاد محور
لبناني – سوري معارض لها. وإذا كانت هناك أخطاء سياسية من جانب
الحكومتين اللبنانية والسورية، اثناء الوجود العسكري السوري في
لبنان، فإنها لا تبرر في كل مرة اعادة التأكيد على سيادة
واستقلال البلدين الشقيقين.
وإذا توغلنا أكثر في المسار التاريخي، نجد تفاهماً سورياً
وعربياً عاماً على سيادة لبنان واستقلاله منذ محادثات
الإسكندرية التي أسست لقيام جامعة الدول العربية عام 1945، بل
ان استبدال عبارة (الجامعة العربية) بعبارة (جامعة الدول
العربية) كان بطلب لبناني تأكيداً على الوجود الفعلي للدول
العربية المؤسسة وهي: سورية ولبنان ومصر والعراق واليمن
والسعودية وشرق الأردن.
الالتباس الحاصل في مفهوم السيادة والاستقلال يعود الى المصالح
السياسية لبعض النافذين، أكثر مما يعود الى واقع الكيانين
اللبناني والسوري من حيث هما دولتان مستقلتان. حتى معاهدة
الأخوة والتعاون والتنسيق في العام 1991، أيام الوجود العسكري
السوري، جاءت عقداً بين دولتين مستقلتين. وان الخلل في
التنفيذ، أو في التفسير، لا يشير مطلقاً الى عدم اعتراف سورية
بسيادة لبنان واستقلاله، كما لا يعني تنكراً لبنانياً لمصالح
سورية ودورها في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
بعيداً من أي تحليل ايديولوجي، أو مصلحي ظرفي، فإن المصالح
الاستراتيجية للدولتين تقضي بإقامة علاقات تكاملية في الاقتصاد
والأمن والثقافة والإعلام والاجتماع... أي ان التكامل الوظيفي
بينهما ضرورة استراتيجية بعدما صار هذا النوع من العلاقات
سائداً بين الدول المتباعدة، فكيف بالدول المتجاورة إقليمياً؟
قد تحصل خلافات سياسية عابرة، لكن المعيار هو في قدرة الدولتين
على تخطيها حفاظاً على التكاملية الوظيفية، أي حفاظاً على
مصالح الناس، ويمكن القول ان القمة اللبنانية – السورية
الأخيرة وضعت العلاقات بين البلدين في اطارها السليم للأسباب
الآتية:
1 – إقامة العلاقات الديبلوماسية بين الدولتين على مستوى
السفراء، خطوة جديدة كانت موضع تنازع في المراحل الماضية. وهي
تؤشر لوضع العلاقات الثنائية في إطارها الطبيعي، أي الإطار
التعاقدي بين الدول الحديثة.
2 – لا يوجد تعارض بين إقامة علاقات ديبلوماسية، وصلاحيات
المجلس الأعلى اللبناني – السوري الذي يضم رؤساء الدولتين
والحكومتين والمجلسين التشريعيين. ثمة مهمات كبيرة للمجلس
الأعلى على غرار المجالس العليا بين الدول، سواء في العلاقات
الثنائية أم في العلاقات المتعددة الطرف. ونعتقد بأن الحاجة
قائمة لهذا المجلس الأعلى كي نتخطى سلبيات المرحلة الماضية،
ونعيد العلاقات الثنائية الى إطارها الطبيعي.
3 – هناك دفع جديد للجنة ترسيم الحدود اللبنانية – السورية.
هذا من أعمال السيادة، فضلاً عن أنه ضرورة لضبط الحدود،
ومكافحة التهريب والأعمال المخالفة للقانون، كما ورد في البيان
المشترك. وتجدر الإشارة الى وجود أسس لهذا العمل منذ العهد
الاستقلالي الأول للدولتين.
4 – هناك أهمية لمراجعة الاتفاقات الثنائية، وهي متعددة في
العلاقات المالية والضريبية والاجتماعية والتجارية والزراعية
والصناعية والتعليمية والإعلامية والثقافية... المراجعة على
قاعدة المصالح المشتركة من دون إجحاف بحق أي طرف.
الى ذلك، تبقى متابعة ملف المعتقلين والمفقودين مطلباً
لبنانياً، وقد تكون مطلباً سورياً في الوقت عينه. لا يُعقل ان
يطوى هذا الملف من دون توضيح صريح وفق الأصول القانونية
الشرعية والوضعية.
هذه أسباب أهمية القمة اللبنانية – السورية، والأهم متابعة
مضمون البيان المشترك الذي يؤسس لمرحلة جديدة، حيث تتزاحم
السياسات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط والعالم، وحيث
تدخل العلاقات العربية – العربية في منعطف جديد من الأزمات
والمشكلات. هل ننجح في تجنيب العلاقات اللبنانية – السورية وزر
هذه المشكلات؟ |