|
* أيّة طريق هذه التي
تؤدي إلى أين؟!
بقلم: فرمان صالح بونجق
*
أخبار
الشرق – 5 أيلول/ سبتمبر 2008
من غير
المحبب أن يسأل عاقل ما سؤالاً، لا يتفاعل مع توضيح واستجلاء
عقدةٍ، أو أزمةٍ، أو فكرةٍ بائسةٍ هاربةٍ من فضاء المعرفة.
وبافتراض أن السائل عاقلٌ، ويستشعر أهمية هكذا سؤال، فلا بد أن
وراءه أمر جلل، ووضع خطير، ويستدعي الترفق والتأني، في فهم
واستيعاب السؤال جيداً، لأنه وأحياناً قد تكمن الإجابة في بطن
السؤال نفسه.
وإذا كان
بالسائل مسٌّ من الجنون، أو الجنوح العقلي، فالمسألة بذا تبدو
أسهل، وأقل تعقيداً، فقد أتتنا الحكمة من أفواه أصحابها، وعلى
البارد المستريح كما يقال، أو على طبق من فضةٍ أو ذهب أو ما
شابه.
فالمتتبع
للسياسة السورية، أو حتى لسلوكيات صانع هذه السياسة، وتحديداً
في هذه الفترة الزمنية، وتحديداً منذ مطلع هذه الألفية،
وإفرازاتها، يدرك أن هناك كمّاً هائلاً من القرارات، والتي
بدورها تخدم اتجاهات معينة ومعلومة، تكتسب صفة الارتجالية، وهي
بذا غير مدروسة، وغير مصنفة، وترتقي بجدارة إلى مصفى المراهقة
السياسية، إن لم نقل صبيانيتها. وهي بذلك تشهد أسوأ أداءٍ لها
منذ أكثر من نصف قرن.
فعلى
الصعيد الخارجي، تصادمت طرقها ومسالكها، وتشعبت أخاديدها،
واستنفذت كافة وسائل المناورة، في أحسن حالاتها، وبدا وكأنها
انغماس لا مخرج منه، تماماً كالذي يرى السراب ماءً، فيسعى
وراءه، ظناً منه أنه قريب المنال، وهو في الواقع مجرد سراب.
وللخوض في
هذه المسألة، لابد من تتبع مسار العلاقات الدولية التي
انتهجتها السياسية الخارجية السورية، منذ سنواتها الثمانية
المنصرمة، سواء على مستوى دول الجوار، أو على المستويين
الإقليمي أو الدولي، ومما لا يقبل الشك أن كافة القرارات،
والتي تم اتخاذها في هذه المرحلة، كانت تهدف وتؤدي إلى ممارسة
لعبة سياسية خطرة، موظفة أساساً لاستمرار النظام، أو بقائه ولو
مترنحاً، فقد أفزعته تجربة سقوط نظام صدام، وما تلاها من
تطورات على أرض الواقع، وما كان سيليها!!
فقد دأب
النظام منذ ذلك الوقت، على توفير الحدِّ الأدنى من التماسك،
بقصد الحفاظ على الاستمرارية، أملاً في كسب الوقت، الذي يراهن
به على مرور العاصفة. وهذه الإستراتيجية فتحت الطرق والمعابر
والمسالك، إلى عواصم إقليمية عديدة، كانت الغاية منها، إبقاء
الأوضاع على ما هي عليه، ضمن صفقات انفرادية، لم تجلب ما كان
مرجواً منها، بل على العكس من ذلك، فالمبالغة في تطوير أداء
السياسة السورية باتجاه طهران، لم يكن موظفاً قط لفائدة سوريا،
وإنما تمَّ تسخيره قطعاً لإدارة الأزمات الإقليمية، والتي كان
من شأنها، المزيد من التورط في دعم ومساندة المجموعات
الإرهابية، مراهنةً على فشل المشروع الأمريكي الشرق أوسطي،
والذي كان بمثابة السيف المسَّلط، على رقاب الأنظمة الشمولية
والديكتاتورية في المنطقة، وباعتقادنا لا يزال كذلك. وتُرجمت
هذه السياسات على شكل نمط من سلوك عدائي ضد الشعب العراقي،
وهذا السلوك من قبل النظام في سوريا، لم يؤدي إلاّ إلى عزل
سوريا دولياً، وانغماسها مجدداً، وإلى درجةٍ بعيدة، في المشروع
الإيراني الأحمق، ذي الصبغة القومية المذهبية المتطرفة،
وبالتالي كان من أهم إفرازات هذا الانغماس، تقوية مواقع
المذهبيين الإيرانيين داخل سوريا، حتى بات على النظام أن
يستشيرهم في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ، مع احتفاظهم بحق القبول أو
الرفض.
وأما الخط
السياسي الذي امتد باتجاه تركيا، فكانت أولى نتائجه الكارثية،
التخلي عن المطالبة بلواء الاسكندرون، وبشكل صريح، باعتبارها
أرضاً سوريةً، اقتطعت رغم إرادة السورين، ضمن ترتيبات اتفاقية
سايكس ـ بيكو. ناهيك عن تمكين تركيا من الإمساك بالكثير من
الأوراق السورية، سياسياً واقتصادياً، ومعنوياً أيضاً، من خلال
وساطتها في المفاوضات المبهمة مع الإسرائيليين. وهي أي تركيا،
لا تستطيع أن تفيد النظام الحاكم في دمشق بشيء، مادامت تركيا
نفسها، تلعب ضمن إطار منظومةٍ عالميةٍ، تعكس لها مصالحها
القومية، وبالمفهوم التركي على الأقل.
وكأن كل ما
تقدم، لم يكن كافياً، فقد لجأ النظام إلى فتح طريق أخرى باتجاه
موسكو هذه المرة، معتقداً بأنه قادر أن يلعب دوراً ما، في
مرحلة اللاسلم واللاحرب (....)، والتي افترضها عقل النظام
البائس، بمجرد أن حرباً خاطفة سريعة، قد نشبت بين روسيا
وجارتها جورجيا، وشعوراً بأهميته المفترضة، دأب على توزيع
وإسداء النصائح، وعمل على تحليل الأوضاع بما يتلاءم ومصالحه
الذاتية، بدءاً من ترجمة المصالح الروسية في قفقاسيا، وتشبيهها
وربطها بالمصالح السورية في لبنان، أو غيرها، بالإشارات
الضمنية.
وكان من
أهم نتائج هذه "الفهلوة السياسية"، أن روسيا وفي صميم
قناعاتها، انتهجت سياسة الاستهزاء بهذا النظام، مع الإبقاء على
إمكانية الاستفادة من وضعه المتردي، ربما في إطار الأنشطة
العسكرية، من خلال استخدام الموانئ السورية، في مسعاها لإرسال
رسائل خاصة بها، ولا علاقة لها لا بسوريا ولا بالنظام الحاكم
فيها.
وإذا كانت
أدوات النظام قد "طبَّلت" عبر إعلامها، لزيارة موسكو، كما فعلت
بالنسبة لزيارة باريس، فإن ردَّ أبناء سوريا، جاء واضحاً
ومدوياً، عبر عدم موافقة ذوي سجناء الرأي، لمقابلة وزير خارجية
فرنسا "برنار كوشنير"، تعبيراً ورسالةً لفرنسا تنمُّ عن موقف
عموم أبناء سوريا، وعلى الغالب أن فرنسا كانت على دراية بها،
وقد فهمتها جيداً.
وفي الوقت
الذي أبدى بعض المثقفين السوريين استغرابهم، حيال نشاط وسلوك
النظام على صعيد السياسة الخارجية، واعتباره محاولة للانفتاح
على الأسرة الدولية، وخروجاً من حالة العزلة. وفي الوقت ذاته،
فإن هذه التوجهات، لا تنسجم مع تصعيد السياسات العدائية، ضد
القوى الوطنية والديمقراطية في الداخل، من خلال تنامي وتسارع
عمليات الاعتقال، والتي طالت كافة المكونات والشرائح والطبقات
في المجتمع السوري. فقد طفت على السطح أولى علامات التنافر
الشديد، بين أجهزة الأمن بعتادها وعديدها، وبين فئات الشعب
كجبهتين متضادتين في القناعات والمصالح، حتى بات لزاماً على
المواطن السوري، أن يودع أفراد أسرته، كلما همَّ بالخروج، ظناً
منه بأنه الخروج الأخير، وإذا كان البعض يبحث عن مبرر لمثل هذه
الحالة التي وصلت إليها البلاد، فلأن المواطن السوري قد يتفاجأ
في أية لحظة برجل أمن، يكمن له في أية تفريعة شارع، وعلى شكل
وهيئة عزرائيل.
ومن هنا
يتأكد مدى انسجام توجهات النظام، بين السياسة الخارجية اللينة
والطرية، والسخية أحياناً، وسياسة القبضة الحديدية على الصعيد
الداخلي، وذلك بهدف استمرار هذا النظام، الذي تشابكت خياراته،
ولم يعد يدرك، أية طريق هذه التي تؤدي إلى أين؟!
__________
* كاتب
كردي سوري |