|
* هل ثمة إمكانية لحرب
باردة جديدة؟
بقلم: الدكتور عبد الله
تركماني *
أخبار
الشرق – 3 أيلول/ سبتمبر 2008
يبدو
الاتجاه الدولي سائرا نحو توازنات دولية جديدة، ولكن بالرغم من
تعثر المشروع الامبراطوري الأمريكي في أكثر من موقع، وبالرغم
من محاولة روسيا استعادة مكانتها التي افتقدتها بعد سقوط جدار
برلين في العام 1989، فلا يزال من المبكر القول إنّ العالم عاد
إلى أيام الحرب الباردة وإنّ هناك قطبين يتنافسان على النفوذ
فيه، خاصة إذا أدركنا أنّ الاقتصاد يمثل العنصر الأهم من عناصر
القوة اللازمة لأي قطب دولي، واستنادا إلى مجلة "ايكونوميست"
يبلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 12417 مليار دولار في حين أنّ حجم
الاقتصاد الروسي هو 764 مليار دولار.
وفي الواقع
أثبتت حرب القوقاز الجديدة عدة حقائق: أولاها، أنّ التفوق
العسكري الأمريكي على المستوى الدولي ليس بلا حدود. وثانيتها،
أنّ ما وقع في جورجيا يشكل لبنة في الاستراتيجية الروسية
الكبرى التي وضعها الزعيم بوتين في الجيرة المباشرة وعالميا.
وثالثتها، أنّ روسيا أكثر دول العالم تحررا من الضغوط
الأمريكية، وربما من أية ضغوط غربية، حيث أصبح الغرب في أمس
الحاجة لمصادر الطاقة الروسية ومساهماتها في دعم الأمن
والاستقرار الدولي.
ويبدو أنّ
الغرب لن يدخل حربا ضد روسيا، لكنه لن يترك جورجيا فريسة سهلة
لها، فمن المؤكد أنّ ليس هدفه حماية جورجيا وشعبها، ولكنّ
الهدف الرئيسي هو إشعال الحرب في منطقة القوقاز، بهدف استنزاف
روسيا وإغراقها في المشكلات والصراعات على حدودها الجنوبية في
القوقاز، وإتاحة الفرصة في المستقبل للتدخل الأطلسي في هذه
المنطقة الحيوية، التي تدخل ضمن إطار وخطط الاستراتيجية
العسكرية الأمريكية البعيدة المدى للسيطرة على منابع الطاقة
القريبة في بحر قزوين ووسط أسيا، وهدف آخر هام أيضا وهو فصل
إيران في الجنوب عن حليفتها روسيا في الشمال.
وإذا كان
سقوط جدار برلين في العام 1989 وإعادة توحيد ألمانيا قد قضيا
على تقسيم أوروبا، فإنّ تقدم الولايات المتحدة الأمريكية، من
خلال توسع الحلف الأطلسي، إلى حدود روسيا يعني إعادة تقسيم
أوروبا مرة أخرى، إنما في هذه المرة تكون روسيا وحيدة ومنكفئة
على ذاتها ومحاصرة، مقابل أوروبا التي تستقوي عليها بقيادة
أمريكية.
ولأنّ
نهاية الحرب الباردة لم تكن مجرد انتصار وهزيمة، أو توجهات
سياسية عالمية جديدة، ولكنها حالة سياسية واجتماعية وثقافية
تشكلت حول " اقتصاد المعرفة " وتقنياته، فمن المستبعد إمكانية
حرب باردة جديدة، ولو أنّ العديد من الخبراء يعتقدون أنّ
تحولات مهمة في العلاقات الدولية سوف تكون من نتائج أحداث
القوقاز.
فلا شك أنّ
هذه الحرب ستترك أثارها على الساحة الدولية لفترة طويلة، وربما
كما يتوقع الكثيرون أن تغيّر من موازين القوى العالمية، حيث
تنطوي على مؤشر الانحسار التدريجي للهيمنة الأمريكية المطلقة،
بعدما عادت روسيا إلى صدارة المشهد الدولي من جديد. وهذا
المؤشر لا يعني العودة إلى الحرب الباردة، بل يؤكد سير العالم
باتجاه واقعية جديدة وتوازنات دولية جديدة، كل دولة في هذا
التوازن تحمي مصالحها وتبحث عن حماية أمنها وحدودها وفرض
تصوراتها حسب توفر عناصر القوة الشاملة، الاقتصادية والثقافية
والعسكرية والسياسية.
وهكذا،
مازالت الحرب في منطقة القوقاز تلقي بتداعياتها الثقيلة على
الساحة الدولية، حيث ظهر الموقف الأوروبي المعتدل والباحث عن
التهدئة والمتخوف من الخوض في مغامرات مع روسيا. ومن أول
المتغيرات البارزة في هذه الحرب فشل الادعاء الأمريكي بوحدانية
التقرير والتنفيذ إزاء المشاكل الدولية، مما يعني قصر وقت
الهيمنة والانفراد اللذين ميزا الولايات المتحدة الأمريكية منذ
تسعينيات القرن الماضي، وهذا الأمر يدفع الجميع، إزاء فشل نظام
القطب الواحد وما سببه من مشاكل وفوضى عارمة في المسرح السياسي
الدولي، إلى تفعيل كل الإيجابيات الهادفة لنظام التعددية
القطبية، لما فيه من فرص مشتركة للجميع بعيدا عن الانفراد وما
يصاحبه من ظلم وغرور يؤذيان الجميع. ولعل روسيا، التي كسبت
حلفاء جددا ومهمين مثل إيران والصين، وربما الهند، وأمريكا
اللاتينية، تستطيع بالتحالف مع هذه الدول تشكيل جبهة عالمية
أكبر اقتصاديا وسياسيا وديمغرافيا وعسكريا.
وفي كل
الأحوال، فمهما كان اسمه، يفترض بالرئيس الأمريكي القادم أن
يفكر في واقع غير مريح، بالنسبة إلى الولايات المتحدة
الأمريكية خلاصته عدم إمكانية الاستغناء عن روسيا، العضو
الدائم في مجلس الأمن الدولي والقوة الدولية الواعدة، لتحقيق
العديد من الأهداف الأمريكية في مجال السياسة الخارجية.
__________
* كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس |