|
* ايران وسورية في دور روسيا
صحيفة القدس العربي اللندنية - الأربعاء 20 آب/ أغسطس 2008
ايتمار ربينوفتش (هآرتس 18/8/2008)
الان مع انتهاء القتال في جورجيا تفرغ صناع السياسة والمحللون
في الغرب لتحرير النتائج واستخلاص العبر. الصورة التي يرسمونها
سيئة. روسيا تحت قيادة فلاديمير بوتين استخدمت قوة فظة بهدف
اخضاع جارة عاصية. الولايات المتحدة التي شجعت الرئيس الجورجي
ميخائيل ساكاشفيلي على التجرؤ في وجه موسكو لم تقدم له دعماً
حقيقيا. الجمهوريات التي كانت تابعة للسوفيات سابقا ستفكر من
الان مرتين قبل ان تتصادم مع روسيا او تقع في اغراء الوقوف في
ظل الولايات المتحدة والناتو او الاتحاد الاوروبي. احتمالية
تدفق النفط من بحر قزوين من دون الاعتماد على روسيا تقلصت
جداً. بالنسبة للشرق الاوسط ستكون للازمة في جورجيا اثاره
المحددة. قلت احتمالية التعاون الامريكي ـ الروسي لفرملة
المشروع النووي الايراني وازدادت احتمالية تبلور سياسة روسية
طموحة واكثر عنفواناً، بما في ذلك بيع منظومات السلاح المتقدمة
لايران وسورية. يجب ان تضاف الى هذه الامور سلسلة آثار غير
مباشرة اخرى، وفي هذا السياق يبرز التشابه بين الخطوة الروسية
في القوقاز وبين الخطوة التي قامت ايران وسورية باستكمالها في
لبنان في السابع ـ الثامن من ايار (مايو) هذا العام: بدء صراع
مسلح بين حزب الله والقوات المتأطرة في 'ائتلاف الرابع عشر من
آذار/مارس' بقيادة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة. الازمة بدأت من
خلال خطوة قام بها السنيورة الذي رفض قبول قيام حزب الله بمد
شبكة اتصالات خاصة به في ارجاء الدولة ليمس بصورة شديدة مرة
اخرى بسيادتها. حزب الله تغلب على خصومه في المجابهة العنيفة
الا انه تجنب استكمال الانجاز العسكري واختار ترجمته الى ثمار
سياسية.
في الثالث والعشرين من ايار (مايو) تم التوصل في الدوحة عاصمة
قطر الى تسوية سياسية اتاحت تشكيل حكومة جديدة برئاسة السنيورة
واستلام الرئيس المنتخب الجنرال ميشيل سليمان منصبه. كما وافقت
سورية بوساطة فرنسية على اقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان
واعترفت على مضض باستقلاله وسيادته. هذا التفاهم شق الطريق
امام دعوة الرئيس بشار الاسد كضيف محترم الى المؤتمر الشرق
اوسطي الجديد الذي بادرت فرنسا الى عقده في الثالث عشر من تموز
(يوليو) في باريس.
المغزى الكامل للتسوية في الدوحة اتضح خلال فترة قصيرة. خلال
الاحتفالات التي نظمها حزب الله على شرف عودة سمير القنطار الى
لبنان شوهد الرئيس ورئيس الوزراء (الاخير بدا كمن اصابه مسٌ)
في الاحتفال وبذلك تبرهن قبولهما لزعامة حزب الله وطمس الفواصل
بينه وبين مؤسسات الدولة كما تبنيا بذلك القنطار واعمال القتل
التي نفذها باعتبارها اعمالا بطولية وطنية لبنانية.
الاهم من ذلك ان البرنامج الاساسي للحكومة الجديدة وخطاب
الرئيس ميشيل سليمان قد اضفيا الشرعية على مواصلة حزب الله
كفاحه من اجل تحرير مزارع شبعا. هذا الامر اضفى عليه مكانة
موازية لمكانة الجيش اللبناني، ومنطقاً في مواصلة الكفاح
العنيف ضد اسرائيل ـ ليس كتنظيم ارهابي وانما كذراع للدولة
اللبنانية. حزب الله وسادته الكبار اكتفوا في الوقت الحاضر
بهذه الانجازات واختاروا عدم استنفاد الانتصار العسكري وتحويله
الى قفاز للسيطرة الكاملة على الدولة اللبنانية.
التشابه بين سلسلة الاحداث المذكورة وبين الازمة في جورجيا
بارز للعيان: ايران وسورية في دور يوازي دور روسيا، والسنيورة
في موقع يوازي موقع ساكاشفيلي كمؤيديين للغرب وهو ايضا من
الذين منحهم جورج بوش رعايته. حزب الله في هذه اللعبة يشبه
الانفصاليين في جنوب اوسيتيا وابخازيا وفرنسا كوسيط غربي نشيط،
وفوق كل شيء ـ الدور الذي لعبته الولايات المتحدة بقيادة بوش
في تشجيع ساكاشفيلي والسنيورة كدعاة للديمقراطية ومؤيدين
للغرب. كلاهما حاولا ايقاف الاندفاع وعلقا في مجابهة مع قوة
تفوقهما حجما ليجدا ان ادارة بوش لم تكن الا سنداً وهميا
وضعيفا.
اسرائيل تابعت وما زالت الازمة في القوقاز الا ان اهتمامها في
مجرى الامور في لبنان اكثر اهمية والحاحاً. هي فضلت حتى الان
متابعة الاحداث في لبنان كمشاهد شبه سلبي. عبرة محاولة التدخل
في السياسة اللبنانية التي جرت في عام 1982 وترسبات حرب لبنان
الثانية في 2006 فرضتا على اسرائيل ضبط النفس خصوصا ان حكومتها
قد وصلت الى نهاية طريقها.
التطورات في لبنان تنخرط من وجهة نظر اسرائيل في الصورة
السياسية الاستراتيجية المعقدة ـ سعي ايران الى الزعامة
الاقليمية وامتلاك السلاح النووي والمحور الايراني السوري ـ
حزب الله، والمفاوضات الجارية في المقابل مع سورية ومع السلطة
ومع حماس، وقرار ادارة بوش الامتناع عن شن هجوم على منشآت
ايران النووية وضغطها على اسرائيل لانتظار التحركات
الدبلوماسية في هذا المجال ـ كل ذلك في الوقت الذي تمر فيه
حكومة اسرائيل وادارة بوش في أواخر عهدهما بينما يغرق الورثة
في حملاتهم الانتخابية والصراعات على التركة.
هذه الفترة الانتقالية قد تنتهي في أواخر شتاء 2009. حينئذ
ستضطر الادارة الجديدة في واشنطن وحكومة اسرائيل الى بلورة
استراتيجية شاملة للقضايا المذكورة اعلاه. في ظل المعضلات التي
يشكلها حزب الله واسياده في لبنان بالنسبة لها ـ سيكون على
اسرائيل ان تختار بين الرد السياسي (تسوية مع سورية من ناحية
اسرائيل وحوار مع ايران وسورية من جانب امريكا او مع سورية
وحدها)، وبين الاستعداد للتحديات الاشد جسامة من تلك التي
شهدناها في صيف 2006. 'كان سفيراً لاسرائيل في الولايات
المتحدة. |