يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* هدر العقل العربي (3-3)

بقلم: د. حازم خيري *

أخبار الشرق – 20 آب/ أغسطس 2008

مظاهر هدر العقل العربي:

إنتهينا في تناولنا للعلاقة الوثيقة بين الاغتراب الثقافي للذات العربية وهدر الثروة العقلية لتلك الذات إلى القول بأن جذور هذه العلاقة تكمن في تعريفنا لكل من مصطلحي الاغتراب الثقافي والهدر العقلي. فتعريفنا لمصطلح "الاغتراب الثقافي" بأنه تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه!! وتعريفنا لمصطلح "الهدر العقلي" بأنه إعتقاد الإنسان، سواء امتلك عقلا فلسفيا أو عقلا لاهوتيا/فقهيا، أنه قد استطاع بناء ثقافة أو أنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون أن تخضع للنقد والتطوير. أقول إن تعريفنا للمصطلحين على النحو المذكور يشي بأن الهدر العقلي يُعد ـ بحق ـ أحد العناصر المكونة للاغتراب الثقافي، غير أنه يمكن لهذا الهدر أن يتواجد بدون اغتراب ثقافي! وضربنا على ذلك مثلا بالعقل الفلسفي الغربي في عصر الحداثة، فقد عانى الهدر دون الاغتراب الثقافي، لاعتقاده بأنه قد استطاع بناء ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون أن تخضع للنقد والتطوير! مختلفا بذلك عن العقل اللاهوتى/الفقهى الذى جمع إلى جانب الهدر الاغتراب الثقافي، لاعتقاده بأنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون أن تخضع للنقد والتطوير....

ونظرا لهذه العلاقة الوطيدة بين الاغتراب الثقافي للذات العربية وهدر ثروتها العقلية، بات منطقيا استعانة كاتب هذه السطور بأمارات يراها ملازمة لأولئك الذين ينخرطون في الإغتراب الثقافي ـ أقول بات منطقيا أن يستعين كاتب هذه السطور بتلك الأمارات وأن يعرضها كمظاهر لهدر العقل العربي. وقد وردت تلك الأمارات (بمتنها وهوامشها) في كتاب للكاتب بعنوان "الاغتراب الثقافي للذات العربية"، عمد فيه لرصد وتحليل ظاهرة الاغتراب الثقافي للذات العربية...

[1] إدمان لعبة إلقاء التبعة بالكامل على الآخر غير العربي:

عادة ما تتساءل المجتمعات عندما تتدهور أحوالها بصورة حادة، من الذي فعل هذا بنا؟ وهو سؤال يمثل ـ بطبيعة الحال ـ رد فعل إنساني شائع. والأكثر إرضاء لصاحب السؤال، خاصة إذا كان مغتربا ثقافيا، أن يلقي تبعة تدهور أحواله بالكامل على غيره، وهو ما دأب المغتربون على فعله في عالمنا العربي، مدعومين في ذلك بالآخر العربي، الذي حرص بدوره أشد الحرص على صرف الأنظار عن نفسه. لذا ظل المغتربون زمنا طويلا يفضلون إلقاء تبعة آلامهم على المغول، واعتبار الغزوات المغولية في القرن الثالث عشر مسئولة عن تدمير قوتهم وعما تلا ذلك في نظرهم من ضعف وركود! كذلك أدت نشأة القومية ـ وهى المستوردة من أوروبا ـ إلى نشأة رؤى جديدة، إذ أصبح بمقدور العرب أن يلقوا بتبعة آلامهم على الأتراك الذين حكموهم قرونا عديدة، دون التفكر فيمن مهد الطريق أمامهم لاسترقاق العالم العربي. وكذلك أدت فترة الاستعمار الأوروبي لمعظم مناطق العالم العربي في القرنين التاسع عشر والعشرين لبروز أسباب قوية لإلقاء التبعة عليه، إذ أن السيطرة السياسية الغربية، والتغلغل الاقتصادي، قد غيروا ـ إلى حد كبير ـ من وجه المنطقة ومن حياة أهلها، وأوجدوا مخاطر وتوقعات جديدة لم يسبق لأبناء العالم العربي بأي منها عهد في تاريخهم. ولكن الفترة البريطانية الفرنسية كانت قصيرة نسبيا، وكان طبيعيا أن يتحول دور الشرير الأوحد في العالم العربي إلى السوفيت والأمريكيين واليهود، خاصة بعد نجاح اليهود في إقامة دولتهم في فلسطين(14).

والحق أنه لا جدال في تورط الآخر غير العربي، بشكل فاضح وفج، في تكريس آلام الإنسان العربي وأوجاعه، غير أن ذلك لا يعني ـ بأي حال ـ إعفاء الآخر العربي من نصيبه في المسئولية، وهو ضخم وثقيل للغاية، فلولا ممارساته وسعيه الدائم لتغريب أبناء جلدته وإضعافهم ما جرؤ الآخر غير العربي على التلاعب بمصيرهم على النحو البادي في التاريخ العربي. صفوة القول أن إعفاء الآخر العربي أو على الأقل التهوين من دوره في تكريس الآلام العربية، وإلقاء التبعة بالكامل أو على الأقل في معظمها على الآخر غير العربي، يعد أحد أهم أمارات الاغتراب الثقافي للإنسان العربي ومجتمعه.

[2] اغتيال المبدعين ومعاداة الإبداع:

"إلى الذين لا يعملون ويؤذى نفوسهم أن يعمل الناس"، بتلك الكلمات البليغة صدر الدكتور طه حسين كتابه الثري"مع أبي العلاء في سجنه"، واضعا يده بذلك على واحدة من أهم أمارات الاغتراب الثقافي وأعظمها أثرا. فقد دأب المغتربون ـ أفرادا كانوا أم مجتمعات ـ على اغتيال المبدعين ومعاداة الإبداع عبر العصور المختلفة، باعتبار أن المبدع وإبداعه يمثلان خطرا داهما على اغترابهم، ومن ثم فعدائهم لهما لا حدود له، إذ أنه لا يطيب للاغتراب مقام في أرض تنزل المبدع والإبداع منزلة رفيعة. وكيف لنا أن نتحدث عن اغتيال المبدعين في العالم العربي دون أن نعرج على مأساة المبدع الفذ نجيب سرور، فقد حولته النخبة المصرية الحاكمة ـ في ستينيات القرن المنصرم ـ لنموذج ردع لكل من يسول له إبداعه التحليق في آفاق لم توطأ، أو التعبير عما يجول في صدره! ولندع الرجل يروى لنا ـ بعذوبته المعهودة ـ بعض مأساته في رسالة استغاثة إلى يوسف إدريس، جاء فيها ما نصه(15): "..تقول بأنك جربت الموت مرة وأنت تُعالج في لندن، وهناك ـ من أبناء الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ـ من جرب الموت مئات المرات. ثم أنت تعلم أنني جربته مرارا حتى مات في الموت!..بل لابد أنك قرأت نعيى وأنا حي لا أرزق في روز اليوسف، ثم في صحف لبنان الحبيب. لقد تلقفوني فور عودتي من دمشق وأرسلوني..لكن مهلا، ليس في معتقل من المعتقلات الحكومية المعروفة والمزدحمة بالنزلاء، وإنما في مستشفيات المجانين، مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية!!

وهناك قسم سرى ـ قسم أول ـ مارسوا معي أحدث أفانين ووسائل التعذيب!.. وكان معي طلاب في الجامعة، وأوائل الثانوية العامة، وعمال في مصانع النسيج، وأساتذة في الجامعة، ومهندسون، وفلاحون، وعلماء ذرة منهم الدكتور إمام أستاذ الذرة بجامعة الإسكندرية...

..المهم أنني خرجت من مستشفى الأمراض العقلية بمعجزة حطاما أو كالحطام!.. خرجت إلى الشارع.. إلى الجوع والعري والتشرد والبطالة والضياع والى الضرب في جميع أقسام البوليس المخلص في تنفيذ أغراض الأعداء والمحسوب علينا من المصريين أو نحن العرب!.. خرجت أدور وأدور كالكلب المطارد بلا مأوى، بلا طفلي وزوجتي.. وظللت مجمدا محاصرا موقوفا. وبعيدا عن مجالات نشاطي كمؤلف مسرحي ومخرج وممثل، وبعيدا عن ميادين النشر كشاعر وناقد وزجال ومؤلف أغان. ثم وجدتني فجأة في مستشفى الأمراض العقلية للمرة الثانية، وبلغ مجموع المدد التي قضيتها في مستشفيات الأمراض العقلية، حتى مستشفى بهمان اليهودي النازي، أربع سنوات ونصفا!..اذكروا إسماعيل المهدوى الذي تم تدميره فعلا..وعشرات ومئات المآسي والملاهي والقصص والغصص وشنق خميس والبقري الخ، ليس لها إلا قلمك الصقر!

.. ثم ألا تخطئ مرة.. علشان خاطري.. فتزورني في مسكني المتواضع؟.. فأنا طريح الفراش منذ أكثر من عام: نصف كسيح ونصف ضرير وأنوء بأعباء المرض بل تحالف الأمراض، ولا أملك إمكانية العلاج في مصر ولا في لندن ولا حتى في موسكو ولا في أي بلد من بلدان الوطن العربي. وأنوء بأعباء الأطباء وبالأسعار الجنونية للأدوية وأعباء الأسرة والولدين.. لا لن أطلب منك أكثر من أن تشرب معي الشاي على الأقل لترى شهدي، ذلك الصبي وقد أصبح رجلا، والصبي فريد الذي يتمتع بذكاء مخيف يفوق ذكاء الكبار.. والذي يجيد العربية والإنجليزية والروسية، والذي يضحك ويسخر من كل شيء والذي يكره اليهود، والذي يسأل عن آخر أخبار الحرب في لبنان، والذي يحب جميع الضيوف وينصت إلى حكاياتهم ويقص عليهم الحكايات.. أقسم بشرفي أنني وعدته بأن أحضر له ملك القصة والحكايات، وهو أنت، ومنذ ذلك اليوم وهو يسأل عن عمه الدكتور يوسف إدريس!

الآن تذكرت، سأطلب منك بعد الشاي، أن تتدخل بنفوذك لدى أحد الناشرين الخصوصيين هنا في مصر أو في أي مكان من الوطن العربي، لكي يشترى منى كتابا أو مجموعة شعرية أو حتى الجزء الثالث والأخير من ثلاثيتي الشعرية ياسين وبهية، وآه ياليل يا قمر. وهو قولوا لعين الشمس.. بدلا من رقادها في حبال العنكبوت!.. إنني في حاجة إلى أي مبلغ!".

[3] غياب العقلانية والشغف بالشكلية البسيطة:

مما يستدعي الاهتمام أن الآخر العربي كثيرا ما يقيس تقدمه بأعداد المصانع التي يبنيها والمنشآت المادية التي يخطط لها والمشروعات العامة التي ينفذها، وهذه كلها تقوم على المعارف الطبيعية، وهى وجه من وجوه العقلانية المتفتحة، ولكنه عندما يتوجه إلى الشؤون الإنسانية ـ وهى أجل وأولى ـ يعمد إلى تغييب العقلانية، في إطار سعيه المحموم لتكريس الاغتراب الثقافي، وذلك بحث مواطنيه على الانقياد الأعمى للأوهام والغرائز المناقضة للعقلانية. فإذا كانت الأخيرة تستند إلى الموضوعية والرؤية النقدية والجلد في طلب الحقيقة(16)، فان الآخر العربي دائما ما يروج لخلاف ذلك، رغم حاجة مواطنيه الماسة للعقلانية، لأنه إذا كانت العقلانية حصنا متينا في جميع المجتمعات المتقدمة، فهي في المجتمعات المغتربة ـ ومنها مجتمعاتنا العربية ـ أجدر بالإنشاء والعناية، لتأخر تلك المجتمعات عن نظيرتها المتقدمة مراحل طويلة، علاوة على حاجتها الماسة لقهر اغترابها واستعادة حقها الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة.

ولئن يكن الآخر العربي قد حارب العقلانية بين مواطنيه المغتربين، وروج للشكلية البسيطة كبديل لها، فانه آثر ـ ولا يزال يؤثر ـ نفسه بها، فنراه يقبل على تعاطيها بنهم لا ينتهي، وهو ما يبدو واضحا في إقباله على تربية كوادره وتنشئتها بطريقة مماثلة لتلك المعروفة في المجتمعات غير المغتربة(17)، مما يعني تعمده الآثم تكريس الاغتراب الثقافي لمواطنيه. والآخر العربي في ذلك أشبه ما يكون بتاجر المخدرات، فهو يروج بين ضحاياه سموما، يحجم هو ومن معه بقوة عن تعاطيها، حتى يتسنى له إحكام سيطرته على ضحاياه، فيدينون له بالولاء والطاعة، في حين يرفل هو في غلائل حريته، فيأتي بفعال لا يهدف من ورائها سوى صالحه الخاص، رغم تعارضها البين مع صالح مواطنيه.

[4] العجز عن التعاطي مع الآخر غير العربي:

لقد دُفع بالعرب فتدافعوا خارج التاريخ، ليس فقط لأن عالمهم هو العالم الوحيد الذي استعمره الآخر غير العربي، فالتاريخ قد يصبر على قوم في هزائمهم، وقد يمد يده لمن يتخلف عن الركب، أما الذي لا يتسامح التاريخ فيه أبدا، فهو أن يدير القوم ظهورهم له ويمضوا متباعدين عنه(18)، وذلك تحديدا هو ما فعله العرب ولا زالوا يفعلونه بإحجامهم عن قهر اغترابهم الثقافي. فقد أعجزهم هذا الاغتراب ـ ولا يزال يعجزهم ـ عن جسر الفجوة الفاصلة بينهم وبين الآخر غير العربي، من خلال تعاطى كفء وخلاق معه. فلطالما أغراهم اغترابهم بأن الإغراق والتمادي في ثقافتهم الأسيرة، هو سبيلهم الوحيد للنجاة! وساعد الآخر العربي على تكريس تلك القناعة المضللة، بغرسه في الذهنية العربية أن الخضوع لآخر عربي هو السبيل الوحيد لنيل الاستقلال الحقيقي والتعاطي الكفء مع الآخر غير العربي. وفات الذات العربية أنها لم تجن من وراء خضوعها للآخر العربي سوى استقلالا سلبيا، لا تختلف رداءة أوضاعها في ظله كثيرا عن مثيلاتها في ظل الآخر غير العربي، فضلا عما يسببه الآخر العربي في تعاطيه مع الآخر غير العربي من آلام للذات العربية، مصدرها حرصه المحموم لحماية وتعزيز مصالحه الخاصة، حتى لو جاء ذلك على مصالح تلك الذات المغلوبة على أمرها. ولعل الغزو الأمريكي للعراق يعد تجسيدا واضحا لفشل الذات العربية، ممثلة في العراقيين المغتربين، في التعاطي الكفء مع الآخر غير العربي، نظرا لاعتمادها في ذلك وركونها إلى آخر عربي، لم يتورع عن الأضرار بمصالحها الحيوية، في سبيل تحقيق طموحاته ونزواته. فقد فات الآخر العربي في العراق، ممثلا في النخبة العراقية الحاكمة حينذاك، أنه لا يعيش في جزيرة معزولة أو في ملكوت خاص به، خارج النظام العالمي القائم. وفاته كذلك أن قواعد هذا النظام لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها. وحتى هذه الأخيرة فإنها لم تعد تقوم فقط على حجم القوات المسلحة وعتادها التقليدي، إذ لابد إن تستند القوة العسكرية إلى أمور أخرى مهمة وعديدة(19).

[5] افتقاد الرؤية النقدية أو الجبن العقلي:

يقول ادوارد سعيد أن ما يستوقفه كشيء ممتع هو كيفية الاحتفاظ بحيز في العقل ينفتح للشك ولجزء من السخرية الذاتية(20). وأراه ما أراد بذلك سوى التحذير من مغبة افتقاد الإنسان للرؤية النقدية للأوضاع المحيطة به، خاصة الثقافي منها. فالنقد تثمين للحسن وتهذيب للقبح، وثقافتنا العربية الإسلامية مهما سمت لابد من إعمال النقد فيها، حتى يتسنى لنا أن نبصر موضع أقدامنا وأن نقهر اغترابنا الثقافي. وأغلب الظن أن مصدر مأساتنا ـ كعرب ـ هو ما تتسم به عقولنا من جبن، يحول بينها وبين امتلاك رؤية نقدية حقيقية وجادة للأوضاع المحيطة بنا، خاصة الثقافي منها. لذا، فان النقد البناء الذي يتحدث عنه ادوارد سعيد هو ـ بالضرورة ـ عين ما يحتاجه الإنسان العربي في تعاطيه مع ثقافته التي لا يلبث يرفل في غلائلها، إذا أُريد له الخروج من مأساة اغترابه الثقافي. فثقافة الإنسان العربي لا ينبغي أن تشكل نوعا من المحركات ذات مصدر وقود وحيد، تقود فكره وعمله في اتجاه واحد، لتنافى ذلك مع الطبيعة المتغيرة والمتطورة للحياة الإنسانية كما أرادها الله عز وجل. صفوة القول، أننا معشر العرب مرضى ثقافيا، بلوانا ذاتية بالكامل، ومشكلاتنا أنزلناها بأنفسنا، عبر تنازلنا المؤسف عن حقنا الطبيعي في نقد وتطوير ثقافتنا العربية الإسلامية، وعبر انقيادنا الأعمى لسدنة الاغتراب الثقافي داخل عالمنا العربي وخارجه.

[6] اعتياد التناقض والرؤية التجزيئية للأمور:

ليس أقسى على الهارب من جحيم الاغتراب من رصد أمارة التناقض والرؤية التجزيئية للأمور، باعتبارها الأمارة الاغترابية الأكثر إثارة للألم والشفقة. فأما الألم فمصدره اعتقاد المغترب بحتمية ارتياده لتلك الأمارة، إذا ما أريد له التعاطي الكفء مع مجتمعه. وأما الشفقة فمصدرها اعتياد المغترب لها وتعايشه معها، حتى أنه ليعجز عن التعاطي الكفء مع من برء منها. ويظل النموذج الأكثر بروزا في هذا الصدد، هو موقف المغتربين إزاء العبادات والسلوكيات، فعادة ما يكتفي المغتربون بإعلان انتمائهم لديانة بعينها، دون العمل بمقتضياتها، وكذا خضوعهم الآلي للطقوس الدينية (القيام بالصلوات والصوم... الخ)، دون تعضيدها بالسلوك الملتزم، لاعتقادهم الزائف بأنها عناصر تثبت في ذاتها إيمانهم. ولا غرو أن التحليل الوافي لموقف المغتربين إزاء العبادات والسلوكيات، يشي باعتياد واضح للتناقض ورؤية تجزيئية للأمور. فأما التناقض فمصدره إقبال المغترب على اقتراف أفعال تتعارض بصورة فجة مع التزامه الصارم بالخضوع للطقوس الدينية! حتى أنه أضحى مألوفا بين المغتربين أن ينتهي الواحد منهم من صلاته، ثم يدلف بنهم إلى حياة الاغتراب، فيأتي من الفعال ما يسئ له ولدينه. ولعل في المقولة الشهيرة للإمام محمد عبده"رأيت في الغرب إسلاما بلا مسلمين، ورأيت في الشرق مسلمين بلا إسلام" تجسيدا واضحا لذلك التناقض الصارخ الذي يميز المغترب ثقافيا عن غيره. وليس التناقض هو الشيء الوحيد الذي يشي به موقف المغتربين إزاء العبادات والسلوكيات، فهو يشي أيضا بغلبة الرؤية التجزيئية على إدراك المغترب لديانته، فقد أضحى مألوفا أن يختزل المغترب ديانته في خضوعه الصارم للطقوس الدينية، ناسيا أو متناسيا، أن الديانة حزمة واحدة، ومن ثم فتجزئتها غير جائزة، علاوة على كون الخضوع الصارم للطقوس الدينية لا يغني ـ بشكل أو بآخر ـ عن الالتزام الصارم بالسلوكيات، من حيث أن الأخيرة تمس المجتمع بصورة مباشرة، وتؤثر فيه بقوة، في حين تظل الأولى بالأساس علاقة خالصة بين الإنسان وربه، فهو وحده عز وجل القادر على إثابة من أتاها ومعاقبة من تركها. صفوة القول أن الوقوع في شرك التناقض والرؤية التجزيئية للأمور يعد أمرا ملازما لمأساة الاغتراب الثقافي، ومن ثم يرتبط زوال تلك المأساة ـ بالضرورة ـ بمدى قدرة المغترب، فردا كان أم مجتمعا، على الهروب من جحيم اغترابه واستعادة حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة.

العود العربي إلى التاريخ:

قارئي الكريم، أما وقد فرغت من مطالعة عرضنا الموجز لبعض مظاهر هدر العقل العربي، فإني أستأذنك في اعفاء نفسي وإياك من عبء رصد النتائج الوخيمة لهذا الهدر، تلك التي ينطق بها واقعنا المعاصر وتلك التي أسفرت في مجملها عن الخروج العربي المهين من التاريخ، وإلا كنت كمن يدفع بيديه أبوابا مفتوحة على مصاريعها!! وأراني، قارئي الكريم، بإعفاء نفسي واياك من عبء سرد تلك النتائج الوخيمة لهدر العقل العربي، والتي يعلمها القاصي والداني داخل عالمنا العربي وخارجه، أحرص ما أكون على تجاوز مسألة خروجنا المهين من التاريخ إلى مسألة أخرى أولى وأجدر بالاهتمام وهى العود العربي إلى التاريخ!

ولي أن أبدأ حديثي عن رؤيتي للكيفية الممكنة لهذا العود، بسرد قصة أراها مهمة على بساطتها، وأراها تجسيدا صادقا لمأساة هدر العقل العربي...

كنت قد التقيت، في إحدى الأمسيات القاهرية، بمدرس بإحدى كليات الإعلام، وكان ذلك في حضرة أحد أصدقائه الدارسين للفلسفة. وبرغم عدم تخصص هذا المدرس الجامعي الشاب في الفلسفة إلا أني رأيت أنه من اللائق أن يتطرق نقاشنا إلى نواحي فكرية راقية وعقلانية، خاصة وقد علمت من هذا المدرس أنه يقوم بالتدريس، أى بناء العقول، في أكثر من جامعة مصرية، فضلا عن اعارته لاحدى الجامعات العربية! وبالفعل بدأت النقاش كعادتي، بطرح بعض التساؤلات حول بعض الأمور المهمة ـ وليتني ما فعلت ـ في محاولة لاغراء الرجل بالحديث. وبالفعل كان لى ما أردت، غير أنى صُدمت، فقد بدا عقل الرجل فقهيا، بصورة تدعو للدهشة والأسى!! أفهم أن يكون الانسان متدينا ولكنى لا أفهم أن يمتلك مدرس جامعة عقلا فقهيا، يناصب الفلسفه والفلاسفة العداء!!

المهم، أخبرني المدرس الجامعي، في نهاية جلستنا، والشبق الجنسي يملأ عينيه، أنه يريد إجراء دراسة علمية حول دور الأعمال الدرامية في دفع المرأة في مجتمعنا إلى البغاء. إلى هنا ولا غرابة، بيد أنى لم أكد أسأله عن الأهمية المجتمعية للدراسة، حتى تردد وتلعثم في الإجابة، ثم بادرني قائلا إنها سبيله الوحيد للحصول على الترقية الجامعية!! لقد ظننت أنه أراد عمل هذه الدراسة للتعرف على دوافع البغاء لدى المرأة، حرصا منه على تحليل تلك الدوافع ورغبة منه في إيجاد وسائل لمعالجة البغي، نفسيا وجسديا، تمهيدا لاعادة تأهيلها ودمجها في المجتمع. بيد أن الرجل أضاف في بلاهة يُحسد عليها: "إن البغي تظل بغي ولا سبيل لتطهيرها سوى الموت طبقا لما تقضى به عقيدتي الدينية.."!!

الحق أن سبب استيائي ليس سذاجة وجمود فهم المدرس الجامعي لعقيدته الدينية، وإنما ادراكي المؤلم لعبثية البحث العلمي في مجتمعاتنا وعدم جدواه، فضلا عن تأكدي من اسهام القائمين علي البحث العلمي في عالمنا العربي في تعميق الهدر المحزن لعقول أبناء هذا العالم البائس. فالمفترض أن يكون البحث العلمي في خدمة المجتمع، وليس أن يكون هدفا في حد ذاته، كما أنه لا يصح أن يكون مجرد وسيلة للحصول على الترقية، كما تصور هذا العالم المزعوم!!

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يتسنى لنا معشر العرب أن نساهم مساهمة حقيقية وفعالة في الحضارة الانسانية؟! كيف يمكن أن يتحقق ذلك والعقل العربي الفقهي ـ حتى وهو في أرقى صوره ـ بهذه الحالة من الرداءة والسوء؟!

الحل في رأيي هو تدشين تيار ثقافي أنسني في عالمنا العربي، يدرك أنصاره طبيعة الصراع الثقافي بينهم وبين الاغتراب الثقافي والأخروية، ومن ثم يعمدون ـ في دأب وحرص ـ إلى تبصير الذات المغتربة بخطورة اغترابها وكذا تبصيرها بكون هذا الاغتراب اللعين مسئولا عن هدر ثروتها العقلية، ومن ثم إخراجها من التاريخ. داعين إياها لقهر اغترابها، عبر استعادتها لحقها المشروع في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، وكذا عبر تعاطيها الحذر مع آليات تكريس الاغتراب، فليس متصورا أن تظل الذات المغتربة مستهلكة لثقافة ليست من صنعها، كما أنه ليس متصورا أن تظل هذه الذات على اعتقادها الراسخ بأن ثقافتها ـ التي ليست من صنعها ـ مقدسة ومحصنة ضد النقد والتطوير، رغم ما يجسده هذا الاعتقاد من تحدى ساذج ومخيف لسنة كونية هي ديمومة التطور والتغير.

وأظن أن اعتقاد الذات العربية المغتربة في أبدية ثقافتها وقدسيتها مرتبط ـ بصورة أو بأخرى ـ برؤية تلك الذات المغتربة للتاريخ العام، فلطالما ألقى تجار الآلام في روعها حتمية التدهور المستمر للزمن، فالماضي أفضل من الحاضر، والحاضر أفضل من المستقبل. وهو ما يخالف بطبيعة الحال المنطق السليم، فالحاضر يمكن أن يكون أفضل من الماضي وكذا المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. وكيف لا؟! ونحن نجمع إلى جانب خبراتنا خبرات السابقين علينا، ومن ثم فقدرتنا على تحويل الأرض لمقام طيب وجميل أكثر من قدرة أبائنا وجدودنا، كما أن قدرة الأجيال القادمة على فعل الشيء نفسه تفوق قدرتنا..

أما فيما يتعلق بالأخروية البغيضة، فيُناط بأنصار التيار الثقافي الأنسني المنشود، السعي الحثيث والحذر لتجريد الآخر من أخرويته، وذلك عبر تفكيك آليات تكريس الاغتراب الثقافي للذات والتي يجيد الآخر توظيفها ويُحكم عبرها قبضته على الذات المغتربة، فيُبقيها مغلولة عاجزة عن تثمين قدراتها العقلية..

كما يُناط بأنصار التيار الثقافي الأنسني المنشود ارساء دعائمه في عالمنا العربي المغبون، السعي الحثيث والحذر لادارة العلاقة مع الآخر، عربيا كان أم غير عربي، فبدون إدارة العلاقة، على نحو يجنب الأنسنيين الصدام مع الآخرين، العربي وغير العربي، يصير من الصعوبة بمكان قيام مثل هذا التيار الثقافي الأنسني المنشود، غير أن على الأنسنيين اقتناص كافة الفرص المتاحة للنيل من الأخروية وتعريتها، ولا أقول ترويضها، فهي تستعصي بالضرورة على الترويض، نظرا لأنانيتها وحرصها البغيض على الاستئثار بمغانم الأنسنية لنفسها ولمن يدين لها بالولاء، فالآخر على دراية واسعة بخطورة الأنسنية وقدرتها على اثراء أنصارها بشعور قلما توافر لغيرهم، وكيف لا؟! والأنسنيون يرفضون السعادة ـ إذا أُتيحت لهم ـ إذا لم يشعروا بالاطمئنان على اخوتهم في الانسانية..

__________

* كاتب عربي

الهوامش:

(14) برنارد لويس، ترجمة محمد عناني، أين الخطأ؟ التأثير الغربي واستجابة المسلمين، (القاهرة: دار سطور للنشر، 2003)، ص ص 235 ـ 250.

(15) أنظر النص الكامل للرسالة: نجيب سرور، "رسالة إلى يوسف إدريس"، مجلة أدب ونقد، (القاهرة: حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي)، السنة الرابعة، العدد 34، ديسمبر 1987، ص ص 117 ـ 130.

(16) قسطنطين زريق، ما العمل؟ حديث إلى الأجيال العربية الطالعة، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2004)، ص ص 66 ـ 68.

(17) سمير أمين، الأمة العربية، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1988)، ص 225.

(18) فوزي منصور، ترجمة ظريف عبد الله وكمال السيد، خروج العرب من التاريخ، (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1993)، ص ص 6 ـ 7.

(19) سعد الدين إبراهيم، الخروج من زقاق التاريخ ـ دروس الفتنة الكبرى في الخليج، (القاهرة؛ الكويت: مركز ابن خلدون؛ دار سعاد الصباح، 1992)، ص ص 164 ـ 166.

(20) إدوارد سعيد، ترجمة حسام الدين خضور، الآلهة التي تفشل دائما، (بيروت: التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، 2003)، ص 137.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.