|
* إعادة "ربط" المسارين؟
صحيفة النهار اللبنانية - الاثنين 18 آب/ أغسطس 2008
نبيل بومنصف (nabil.boumounsef@annahar.com.lb)
على رغم الكثير من ردود الفعل الايجابية أو المتحفظة او
السلبية التي اثارتها نتائج القمة الرئاسية اللبنانية –
السورية، فإن هذه الردود والتقويمات والقراءات جاءت في معظمها
في خانة "المتوقع" ولم تتوغل الى بعض النواحي الجوهرية
الاساسية التي تحكمت بنتائج القمة.
والواقع ان النتائج نفسها لم تكن مفاجئة بالمقدار الذي يستدعي
خروج الأصداء عن الطابع غير المفاجئ بدوره، مما جعل هذا التطور
يدور في حدود التعامل مع "خطوة تاريخية" جديدة تتمثل في تبادل
العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا للمرة الاولى منذ
استقلال البلدين.
واذا كان التسليم العام بتاريخية هذه الخطوة والترحيب بها
أمراً بديهياً لانها شكلت مطلباً لبنانياً استقلالياً منذ
عقود، فلا يعني ذلك الغرق في وهم توقع سلاسة سورية مماثلة حيال
الملفات الشائكة والمعقدة الاخرى في مسار العلاقات مع لبنان،
وتالياً لا موجب على الاطلاق اظهار الخيبة حيال بقية النتائج
المعلنة للقمة لانها في الاساس لم تكن مدرجة واقعياً في خانة
التوقعات العاجلة، وهو أمر تدركه تماماً سائر القوى السياسية
في لبنان.
فمن الواضح تماماً ان ثمة بعدين يتحكمان بالتعامل السوري
"الجديد – القديم" مع لبنان عكستهما نتائج القمة في خلفيتها
غير المعلنة رسمياً ويتعين على القوى اللبنانية ان تتجنب
الحسابات الخاطئة حيالهما.
البعد الأول هو ان سوريا تقوم باستدارة كبيرة على المستوى
الاقليمي عبر مفاوضاتها غير المباشرة مع اسرائيل وتوظيف صفحتها
الجديدة الناشئة مع فرنسا للنفاذ منها الى كسر العزلة الغربية
عليها، وربما ايضا ابراز صورتها كأفضل وسيط عربي – اقليمي في
الملف النووي الايراني.
واذا كان التمثيل الديبلوماسي مع لبنان يشكل النصيب الفوري
لبيروت من هذه الاستدارة، فليس ثمة اوهام في ان دمشق ستتحلى
بالكرم غير المحدود حيال بقية الملفات اللبنانية ذات الحساسية
الفائقة وهي، اي دمشق، لا تزال تقف في منتصف الطريق او حتى
دونه بكثير قبل ان ترى أفقاً يوفر لها استعادة الدور الاقليمي
الذي تتوخاه.
والبعد الثاني الذي لا يقل أهيمة والذي يلتصق تماماً بخلفية
التعامل السوري المعتاد مع لبنان، والذي يبدو واضحاً ان اي
عامل من عوامل الازمات الشديدة الخطورة التي شهدتها الاعوام
الاخيرة لم يحدث أي تغيير فيه، هو ان دمشق تُخضع تطور علاقتها
بلبنان لتطور العلاقات الداخلية بين قواه السياسية. بهذا
المعنى تبدو قمة الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد كأنها وضعت
الحوار اللبناني – السوري على السكة تمهيداً لوضع لحوار
اللبناني – اللبناني الموازي له على سكة مقابلة في قصر بعبدا.
واذا كانت القضايا الخمس شكلت جدول اعمال لحوار طويل مديد
سيخضع بطبيعة الحال لمدّ وجزر وهبّات انفراج وتعقيد، فان ذلك
يؤشر ايضا الى ان دمشق ترصد بدقة الحوار المقبل في بعبدا وتربط
ضمناً حوارها مع "لبنان الدولة" بالحوار السياسي الذي سيرعاه
الرئيس سليمان.
وربما من ناحية رعايته ومسؤوليته المباشرتين عن حوار بمسارين
لبناني – لبناني ولبناني – سوري، تجوز المقارنة بين دور الرئيس
سليمان وتجربة الرئيس الياس سركيس الذي خاض غماراً مماثلاً ولو
في ظروف حربية وقتالية بالغة التعقيد والصعوبة، ولكنها أمْلت
عليه ان يكون واسطة العقد بين جبهتين متحاربتين في الداخل وبين
رمزيته المنفردة كممثل مقبول من الجميع للدولة مع سوريا.
وغني عن القول إن دمشق لن تستبق الحوار الداخلي بأي "تسرّع"
ليس معهوداً لديها اصلاً، فكيف حين تضمر تقنين "انفتاحها" على
لبنان نقطة نقطة بطبيعة "الدولة الجديدة" التي تراهن عليها من
الآن وحتى الانتخابات النيابية المقبلة سواء نجح الحوار
الداخلي أم كان تقطيعاً للانتظار؟ |