|
* أين القضاة؟ أين المحامون؟ أين الحقوقيون؟
موقع
أخبار الشرق – الاثنين 18 آب/ أغسطس 2008
المهندس سعد الله جبري
في مصر العربية، كان على رأس من وقف تجاه تزوير الإنتخابات
وإرادة الشعب قبل سنتين، وضد بلطجة النظام ودوائره الأمنية
السائرة بركابه، وفي حمايته بدل حماية الوطن من العدو الذي
أصبح له سفارة في القاهرة عاصمة العروبة، وفي حماية مصالح
فاسدي النظام بدل حماية الشعب ومصالحه؟ من وقف بوجههم جميعاً
وبوجه القيادة المنحرفة في ذلك الوقت؟ إنهم القضاة والمحامون،
وقفوا وقفة المسؤولية الوطنية والمهنية، ومسؤولية الكرامة
والعروبة والعز والشرف والأخلاق والإيمان، وتظاهروا وأضربوا
وبذلوا أقصى جهد، واعتُقل البعض منهم {وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا
اسْتَكَانُواْ}. لماذا فعل القضاة والمحامون ذلك، وقبل جميع
فئات الشعب؟ لأنهم رجال القانون، الذي تعلموه واعتنقوه،
ومارسوا الدفاع عنه، وأقسموا على اللإلتزام به.
وفي باكستان أيضا، في أزمتها الأخيرة منذ ما يزيد عن السنة
وحتى اليوم، من الذي وقف، ولا يزال يقف، بوجه العميل الأمريكي
مُشرّف، وعصاباته؟ ومن الذي تظاهر، بجرأة ورجولة دفاعا عن
الدستور والحق؟ هم أيضا المحامون والقضاة، وسجلوا أكبر أسباب
النصر، ولا زالوا قائمين على استكماله.
هل في سورية ما يستوجب هبّة المحامين، كما فعل أخوانهم في مصر
وباكستان، ودول عديدة أخرى، فكانوا أرهب للأنظمة من إرهاب
الأمن والمخابرات؟
نعم، نعم، نعم، لقد اختُرق وانتهك الدستور السوري من قبل قيادة
النظام وحكومته حتى الآن في ما يزيد عن أربع وأربعين مادة، ولا
زال يُنتهك في كل يوم وساعه.
ولقد سعى محام شريف مؤمن بالحق والعدالة، فوق اعتبارات المصلحة
الشخصية السريعة، وأدرك أبعاد انتهاك الدستور والقوانين من قبل
السلطة بالذات، على الوطن وكيانه والعدالة فيه، وعلى مصالح
شعبه، رغم أن السلطة هي الموكول إليها دستوريا السهر على
احترام الدستور وضمان السير المنتظم للسلطات العامة وبقاء
الدولة. (المادة 93). وهو زميلكم المحامي عبد الله سليمان علي،
والذي اعتقل، وأُجبر على إغلاق موقعه الذي يدافع من خلاله عن
الحق والقانون، وعن سلطة الدستور فوق كل سلطة إطلاقا. ولقد
اعتُقل ولا يزال معتقلاً، خلافا للدستور، ولأي نص قانوني،
وإنما بإراده رجل، لا يرقى إلى أكثر من رجل عصابة.
من الذي اعتقله، وأرغمه على إغلاق موقع النزاهة والعدالة
الوطني الشريف؟ هم بالطبع رجال إحدى جهات الأمن. وهنا يبرز
ويفرض نفسه سؤال قانوني أساسي، وهو، هل كان هذا الإجراء
والبلطجة، بعلم وموافقة السيد رئيس الجمهورية، المسؤول أمام
الله، وأمام الشعب عن صيانة واحترام والإلتزام بالدستور
وأحكامه، أو كان بغير علمه أو موافقته؟
فإن كان الأمر قد تم بغير علم السيد الرئيس أو موافقته.
فالسؤال الحتمي الذي يفرض نفسه حينئذٍ هو: من الذي يحكم سورية
إذن اليوم، ويقودها إلى الاّدستورية وحكم العصابة؟ أهي الرآسة
الرسمية المنتخبة شرعيا بغضِّ نظرها وسكوتها؟ أو هي الحكومة
الممثلة لمراكز قوى الفساد والتسلط والإنحراف عن الدستور
وأحكامه، داخلا فيهم بعض أعضاء القيادة القطرية المشبوهين؟ أو
هم قوى الأمن الداخلي؟
فإن كان الجواب هو أن الذي يحكم ليس الرآسة الرسمية الشرعية
المنتخبة من الشعب. فهذا يتناقض مع الدستور تناقضا أساسيا
وجذريا، ومع أية أحكام دستورية في جميع بلدان العالم. وفي هذه
الحال أليس العلاج هو مطالبة السيد الرئيس باستعادة سلطاته،
ليحكم وفقا للدستور، ويقوم باعتقال ومحاكمة جميع المتسلطين على
الحكم والشعب والعاملين على انتهاك الدستور والقانون؟ ذلك أن
أمور الدولة والشعب لن تستقيم بالضرورة، بغير الطريق الوحيد
الذي هو طريق الدستور، والذي تعتمده جميع سلطات العالم قاطبة.
أما إذا الأمر تمَّ بعلم وموافقة السيد رئيس الجمهورية المسؤول
الأول دستوريا عن السهر على احترام الدستور وأحكامه (المادة
93)، فتلك حقا مصيبة وطنية كبرى، وتوجّه جديد ينحرف بعيداً جدا
عن الدستور وعن التوجّهات التي أعلنها ووعد بها السيد الرئيس
نفسه في خطاب القسم الأول، والتي جرى على أساسها انتخابه،
والتي تُشكل إلتزامات كاملة مسؤولة من الرئيس تجاه الشعب،
وبالتالي فإن الإعتقال والإيقاف يعتبران انحرافا غير مبرر
إطلاقا، ويُعبر عن منحى جديد في سياسة الدولة، مضمونه:
[[أيها الشعب فلتنسوا جميع الوعود بالإصلاحات التي ذكرها
الرئيس. لقد أُلغيت جميعاً. وهناك سياسة جديدة رسمية وعملية
تقوم على عكسها تماما. وسنعتقل ونحجب ونقيد حركة التبادل
الفكري، وسنضرب بيد من حديد على كلِّ مخالف لسياساتنا التي نحن
الوحيدون تحت السماء من يملك تقريرها وتنفيذها. ولتعلموا أن
الدستور السوري وأحكامه لا قيمة له عندنا، فإرادتنا هي
الدستور، ونحن السلطة والحكم والوطن، وثرواته لنا، شِئتم أو
أبيتم. وأما أنتم الشعب فليس لكم السيادة كما ينص الدستور،
وإنما أنتم عبيد نملُكُكم ونحكُمُكم بإرادتنا السامية، وطظ في
الدستور، وبمن يطالب بتطبيق الدستور والإحتكام إليه]].
في هذه الحالة، أسألكم كرجال القانون، قضاة ومحامين: ألا يفقد
السيد الرئيس في الحالة المذكورة شرعيته الدستورية كرئيس
للجمهورية؟ أوَ لا يتحول حكم الدولة الدستوري، إلى حكم عصابة
لا يضبطها لا دستور ولا قوانين، فتكون السلطة حينئذ مغتَصبة
غير شرعية؟ وهل هذه الحالة تبرر للشعب الثورة على مغتصبي
السلطة وإسقاطهم، وذلك كما تفعل جميع شعوب العالم الراقية
المحترمة؟ وهذا ما يحدث حتى بين شعوب أفريقيا التي سبقناها
بألاف السنين من الحضارة؟
إن الجواب لديكم فأنتم أهل القانون، وأنتم المرجعية الصادقة في
الأمر، ولا نظنكم أقل مسؤولية ورجولة وجرأة وحماية للوطن
والشعب من زملائكم في مصر وباكستان وغيرها.
يا رجال القانون، تشاوروا، اجتمعوا، قرروا، كونوا قيادة الشعب
لإعلاء كلمة الحق والدستور والقانون، فهذه مهمتكم الأساسية
والأولى. أليس من واجبكم حماية الدستور والتزام القانون –
وأنتم أهل القانون – والعمل على اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة
بإعادة احترام الدستور والقانون؟ إذن فلنبدأ بقيادتكم برفع
المطالبات النظامية المشروعة، ويدخل فيها:
1. إسقاط الحكومة غير الدستورية، والتي كان سبب توقيف زميلكم
الأستاذ عبد الله علي أنه بيّن ونشر في موقعه - فقط بيّن
تِبيانا ولكن بإصرار، ولم يُعرّض بأحد ولم يقذف أحد - موقف
الدستور من التمديد غير المشروع للحكومة. وأن الحكومة الحالية
غير دستورية، وأن صلاحياتها لا تخرج عن تسيير الأعمال.
2. مراجعة كاملة للمخالفات الدستورية في البلاد، والعودة عنها
جميعا، فالدستور فوق كل أحد في الجمهورية.
3. إصدار قانون صريح يمنع رجال الأمن من أي تصرف مخالف
للدستور، تحت طائلة الإتهام بالخيانة العظمى، وهل هناك خيانة
أكبر حتى من مجرّد ضرب مواطن سوري شريف وبرىء، ولو صفعة على
وجهه؟
4. إصدار تشريع يمنح المحامي العام حق الإدعاء على جميع موظفي
الدولة بدءا من رئيس الجمهورية وحتى أصغر مسؤول في حال أي
مخالفة للدستور والقانون.
5. إخلاء سبيل المحامي عبد الله علي فورا، وتوقيف القائمين على
اعتقاله وتقديمهم للمحاكمة بتهمة انتهاك أحكام الدستور (المواد
ذوات الأرقام من 25 وحتى 29 من الدستور)
يا رجال القانون، أسألكم بالله، أيهما أسمى وأحقُّ أن يُتبع،
أمجرد الدفاع عن شخص بريء – وهو من أسمى الحق – أو الدفاع عن
شعب كامل يتعرض حكمه للانحراف عن أسس الدستور وأحكام القانون،
وما يتبع ذلك من ممارسة الظلم والإضطهاد والتسلط الجماعي في
جميع أمورالشعب بدءاً من لقمة العيش وفرض نظام الإقتصاد، وحتى
التقرير المنفرد بالعلاقات مع إسرائيل كالعلاقات مع أية دولة
أُخرى ؟
يا رجال القانون، يا من نذرتم أنفسكم للدفاع عن الحق والعدالة،
مَنْ غيركم من الشعب، يملك الحق والقدرة والأولوية على تقديم
المطالب المذكورة؟ ومن غيركم يملك توجيه وقيادة النظام
والقيادة إلى شاطىء العدل وسلامة الوطن والشعب. ألا ترون أنه
إذا نجحتم في تحقيق المطالب المذكورة، فقد قدمتم لوطنكم
وشعبكم، أسس إعادة بنائه وتطوره وقوته الحقيقية، وهي التي يعمى
عنها المنتهكون للدستور والقانون، باستبدادهم أو جهلهم؟ أولا
ترون أن تمادي القيادة والحكومة في انتهاكاتها للدستور
والقوانين، يجعل للشعب عليكم حقّاً في اتخاذ الإجراءات الأبعد
بدءا من توقيف عمل المحاكم كلية، والإعتصام، ثم التظاهر، ودعوة
المنظمات الشعبية والنقابات المختلفة لمؤازرة حقوق الشعب
والوطن في مطالبكم، مطالب جميع الشعب في الواقع؟
يارجال القانون، هذا هو النداء، وعليكم القرار، والله يشهد
وينصر من ينصره، وهو ينصر الحق الذي سمّى به نفسه، { ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ}.
فإلى البرّ بما أقسمتم عليه {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ
اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)}
بكل احترام/ |