|
* مزحة دبلوماسية
صحيفة السفير اللبنانية - الجمعة 15 آب/ أغسطس 2008
ساطع نور الدين
خطا لبنان وسوريا خطوة رمزية الى الإمام وخطوتين عمليتين الى
الوراء، في تنظيم العلاقات الثنائية القائمة على مجموعة من
الاستحالات الموروثة من كتب التاريخ القديم والحديث، والتي لم
تنفع يوماً في تبديد الشكوك المتبادلة، ولن تسهم في انهاء هذا
السيل من النكات الجارحة التي شاعت في بيروت لحظة إعلان
الاتفاق على التبادل الدبلوماسي.
افتتاح سفارة سورية في بيروت، هو حلم لبناني قديم، مثلما هو
افتتاح سفارة لبنانية في دمشق كابوس سوري جديد. لكنه لم يكن
لهما يوما اي صلة بالواقع الذي تخطاه الشعبان منذ ما بعد
الاستقلال، وفرضا شكلاً للعلاقات الثنائية لا يمكن لأي إطار
دبلوماسي ان يستوعبه، ولا يمكن لاي ضغط سياسي خارجي أن يدركه.
والاتفاق الجديد هو بهذا المعنى افتراق عن تلك الارادة الشعبية
المشتركة، التي سبق أن أزالت عملياً الحدود المعترف بها
دولياً، وتحولت الى معابر مفتوحة في الاتجاهين، أمام المواطنين
والسلع والأموال، وتجاوب فعلي دقيق مع الارادة العربية
والدولية التي تضغط منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري من أجل
إقناع سوريا بان تفويضها بادارة الوضع اللبناني طوال ثلاثين
عاما قد سحب، وآن الاوان لتغيير سلوكها وتعاملها مع الشقيق
الاصغر.
لا يمكن باي حال من الاحوال فصل هذا الاتفاق اللبناني السوري
عن التحضيرات الجارية لزيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي
الى دمشق في مطلع ايلول المقبل، والتي تشمل إشارات سورية ودية
ليس فقط تجاه لبنان، بل ايضاً تجاه الداخل السوري من خلال
الافراج المرتقب خلال ساعات عن المزيد من المعتقلين السياسيين
السوريين.. وهو ما يشكل جانباً من الصورة العامة التي تشهد
اعادة فتح قنوات التواصل بين دمشق ومعظم العواصم التي فرضت
عليها العزلة طوال السنوات الثلاث الماضية، وبينها واشنطن
طبعاً التي تقف وراء كواليس ذلك الانفتاح الفرنسي، والاسرائيلي
ايضاً، على القيادة السورية.
ومثل هذا الإنجاز الدبلوماسي الأميركي والفرنسي الذي لا لبس
فيه يعوّض الكثير من الخيبات والإخفاقات التي مني بها الجانبان
عندما قررا وراثة الوضع اللبناني من سوريا بعد إخراج قواتها من
لبنان، فاكتشفا بسرعة ان حلفاءها اللبنانيين يتمتعون بغلبة
عسكرية وامنية حاسمة.. لكن احدا لا يعرف كيف يمكن لواشنطن
وباريس ان تستثمر هذا الإنجاز او تحميه او تمنعه من التحول الى
خيبة جديدة.
ماذا سيكون رد واشنطن وباريس اللتين هللتا، امس، للاتفاق
اللبناني السوري، اذا ما قررت دمشق تعيين العميد رستم غزالة
اول سفير لها في بيروت يعاونه القنصل العميد جامع جامع او
العميد محمد خلوف او غيرهما، او اذا ما اقترح اللبنانيون ان
تكون عنجر هي مقر السفارة السورية الجديدة..حسب بعض النكات
الرائجة حالياً، والتي توحي بان لبنان وسوريا لم يخرجا بعد من
تجربة السنوات الثلاثين البائسة، لكي يدخلا في رحاب التعايش
بين نظامين متعارضين، وشعبين متفاهمين.. لا يمكن ان يفترقا ولا
يمكن أن يندمجا أبداً. |