|
* إعادة تطبيع العلاقات اللبنانية - السورية: بداية جديدة أم
مجرد مرحلة؟
صحيفة الحياة اللبنانية - الأحد 17 آب/ أغسطس 2008
عادل مالك (كاتب وإعلامي لبناني)
في ذكرى انقضاء سنتين على حرب تموز (يوليو) 2006، كيف تبدو
ملامح المشهد اللبناني؟
يصح القول في الواقع العام: «كلما داويت جرحاً سال جرح»، وكأن
لعنة الفتن والحروب من كل نوع تلاحق الوطن الصغير، كلما ظهرت
في الأفق بوادر حلول للأزمات المتراكمة يتفجر الوضع أمنياً
وسياسياً ووطنياً فيعيد الأمور الى المربع الأول ويُمضى أكثر
فأكثر في معاناة اللبنانيين على غير صعيد في محنة الكوابيس
والهواجس التي تنتاب الشعب الصابر والمكابر على الجرح، وهو
المرهق من شدة الضغوط التي تتفاقم يوماً بعد يوم. وبعض الأمثلة
والشواهد على ما حدث في الأيام الأخيرة يقدم الدليل.
فبعد ساعات قليلة على نيل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثقة
بالبيان الطويل والعريض بأكثرية مئة صوت، شهدت مدينة طرابلس
(عاصمة الشمال اللبناني) تفجيراً إرهابياً أودى بحياة ما يزيد
على عشرة عسكريين اضافة الى عدد آخر من المدنيين بين قتيل
وجريح. وتزامن هذا التفجير مع توجه رئيس الجمهورية العماد
ميشال سليمان في أول زيارة له الى دمشق بعد انتخابه. وكالعادة
مع حدوث كل انفجار يختلف الزعماء اللبنانيون في التحليل
والاستنتاج وصولاً الى تحديد الجهة التي تقف وراء هذه الفتنة
المتنقلة، والنماذج التالية تؤكد ذلك، إذ اعتبر الرئيس أمين
الجميل ما حدث مخططاً مبرمجاً يبدأ بضرب المؤسسة العسكرية، وكل
المساعي الهادفة الى قيام الدولة.
العماد ميشال عون تحدث «عن وجود جهات تسعى لتفجير الوضع
الأمني»، وطالب بعدم التشجيع على حمل السلاح لأن هذا من نوع
«الانتحار الذاتي».
واعتبر النائب وليد جنبلاط أن هذا التفجير «يؤكد أن أي دعم
للتيارات الظلامية من أي جهة يؤدي حتماً الى استنساخ التجربة
العراقية»!
الرئيس عمر كرامي أشار الى «وجود مخطط لإحداث فتنة طائفية في
كل لبنان وأن المستهدف في نهاية الأمر هو سلاح المقاومة» وقال:
«إن أي سلاح خارج الشرعية يجب أن يُنزع».
اما النائب سعد الحريري فاعتبر ما جرى «تهديداً واضحاً وصريحاً
لكل من يقف مع الجيش اللبناني».
هذه التعددية في الآراء والتحليلات تعكس حال الانقسام الوطني
الحاد التي يعيشها لبنان، وتقدم دليلاً جديداً على صعوبة، حتى
لا نقول استحالة، تمكن اللبنانيين من تحقيق الوفاق ولو في
حدوده الدنيا.
وبالعودة الى موجة التفجيرات التي تزامن توقيتها مع توجه
الرئيس ميشال سليمان الى دمشق وحيث يبدو أن تفجير طرابلس كان
يستهدف في جملة ما يستهدف التأثير على نتائج القمة اللبنانية -
السورية التي علّق عليها كثيرون الآمال العريضة.
إذاً مع هذا التفجير تم استحضار بدايات حرب مخيم نهر البارد
العام الماضي عندما شن مسلحون ينتمون الى تيارات متطرفة هجوماً
على مجموعة من عناصر الجيش اللبناني تم ذبحهم وهم نيام، وأعقب
هذا الحادث المروع ما حدث من مواجهات في مخيم نهر البارد التي
تواصلت على مدى ما يزيد على ثلاثة شهور شهدت أشرس المعارك فقد
فيها الجيش اللبناني العديد من ضباطه وأفراده. والسؤال الباقي
من دون جواب: أين هو شاكر العبسي زعيم تنظيم «فتح الاسلام»؟
وهل هناك أي رابط بين الحادثين؟ هذا التساؤل مشروع ومهم في
البحث عن هذه المجموعات الظلامية وضرورة عدم تمكينها من العبث
بالأمن اللبناني من جديد، الأمر الذي يشير الى تجدد «النضال
المدمر» لبقايا شاكر العيسي وشركاه! وعلى رغم ما حدث الأربعاء
الفائت انعقدت القمة اللبنانية - السورية.
ماذا عن نتائج لقاء الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد؟
الاجابة تعتمد على اتجاه من تتحدث اليه في الأوساط اللبنانية.
ففي الايجابيات يشار الى الاعلان رسمياً عن إقامة تمثيل
ديبلوماسي بين لبنان وسورية وتعيين سفيرين في كل من بيروت
ودمشق. لكن حتى أطراف «تجمع 14 آذار» التي كانت تطالب بذلك
تطرح منذ الآن احتمال تحول السفارة السورية في بيروت الى مركز
للاستخبارات؟
أما بالنسبة الى مصير مزارع شبعا فقد جددت دمشق موقفها من
استحالة ترسيم الحدود فيها مع وجود الاحتلال الاسرائيلي، وعليه
يبقى مصير المزارع معلقاً بين لبنانيتها وسوريتها على رغم
الكثير من التأكيدات - الشفهية - التي صدرت وهي تؤكد لبنانية
مزارع شبعا.
هل انتهت الاشكالات القائمة بين لبنان وسورية؟
هذا احتمال متفائل جداً لكن يمكن التأكيد على قيام صفحة جديدة
في هذه العلاقات والتي ستتخذ بعد اليوم مسار «القوننة». وقام
الرئيس سليمان بزيارة دمشق وفق قول له: «من غير المنطقي أن
تكون العلاقات اللبنانية - السورية غير طبيعية».
وضمن الانفتاح الذي أظهرته دمشق في التعاطي مع الأزمة
اللبنانية، يحصد الآن الرئيس بشار الأسد ثمار هذه السياسة،
خصوصاً مع توقع قيام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بزيارة
دمشق الشهر المقبل. ويعلق وزير الخارجية السورية وليد المعلم
على نتائج القمة بالقول: «انظروا إلى الأمام وليس إلى الوراء».
وهذا هو شعار المرحلة الجديدة في العلاقات بين لبنان وسورية.
ويبقى انتظار بعض الوقت لمعرفة مدى ارتياح ألوان الطيف
اللبناني كافة لنتائج زيارة الرئيس سليمان إلى دمشق، وهذا
اختبار جديد لمعرفة مدى تجاوب فريق 14 آذار مع هذه الطروحات
لبناء علاقات جديدة أو متجددة مع دمشق في ضوء كل الترسبات
والتراكمات، خصوصاً منذ انتهاء «عهد الوصاية» وما تبع.
وبعد...
* حرب العام 1975 بدأت بحادث الباص الشهير والاهوال التي تبعته
فيما اعتبر في حينه أنه مواجهة بين منطقتي عين الرمانة والشياح
(وكان ذلك في 13 نيسان/ ابريل 1975 والتفجير الإرهابي الكبير
في طرابلس في سيارة فان ايضاً حدث في 13 آب/ اغسطس 2008). هل
هناك أي مجال للمقارنة مع اختلاف الكثير من التفاصيل
والمعطيات؟ إنه مجرد تساؤل.
* اصدرت مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني بياناً ربطت
فيه للمرة الأولى بين حال البلبلة السياسية القائمة والتي يعبر
عنها بأشكال مختلفة وآخرها ما شهدته مناقشات النواب في سجالات
حفلت باللغات الغرائزية، وهذا ما يطرح سؤالاً كبيراً: كيف يمكن
ضبط الأمن في الوطن المستهدف من غير جهة؟ واستطراداً: ماذا
يسبق ماذا؟ الأمن أم السياسة؟
* ان الصمت السياسي والوطني لا يمكن أن ينتج بيئة خاصة يعيش
فيها الوطن مع مواطنيه بأمان واستقرار، والنتائج باتت واضحة
ومعروفة لدى الجميع جراء الانقسامات الحادة والشرذمة وصفة
التباعد التي تتعمق يوماً بعد يوم.
* في ذكرى انقضاء سنتين على حرب تموز 2006، هل انتهت هذه الحرب
فعلياً وليس إعلامياً فحسب، أم أن فصولها لم تنته بعد؟ والدليل
تواصل الطيران الإسرائيلي في التحليق في الأجواء اللبنانية
بشكل منتظم ويومي. وطالما أن وقف حال العداء لا يشمل الوقف
التام لاطلاق النار، فضلاً عن مجالات التصعيد الآتية من
إسرائيل والتي تتحدث عن زيادة القدرات القتالية لـ «حزب الله».
وعليه يكون لبنان بين مطرقة بقايا «فتح الإسلام» والخلايا التي
كانت نائمة واستيقظت أخيراً لاستئناف «النضال» المدمر. وسندان
تتمة حرب تموز حيث تسعى اسرائيل جاهدة للتعويض عن اخفاقاتها
العسكرية المهنية التي لحقت بها جراء عدوان تموز، ليبقى لبنان
الساحة لفصول جديدة لارتدادات حرب تموز والبارد! |