يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* العسكرتاريا.. ودمقرطةُ الديمقراطية

موقع أخبار الشرق – الجمعة 15 آب/ أغسطس 2008

فرمان صالح بونجق

يتفتَّقُ الذهنُ البشريّ أحياناً عن مفاهيم وأفكارَ تبعث على الحيرة، ومهما بذل المرء جهداً في تأملها ومحاولة فهمها، فإنه يدور في حلقةٍ مفرغة، وليس ذلك ناتجُ قصورٍ في الفهم , أو الإدراك أو الاستيعاب، وإنما قد يكون لخللٍ فيما تفتًّقَ عنه ذلك الذهن البشري. ولكن وبعد تمعُّنٍ، يدرك المتمعنُ، ومن خلال استكشافِ ما وراء ما طُرَحَ، أن هذا العقلَ الذي أنتجَ هذا المفهوم، هو عقلٌ لا ينتمي بطبيعته إلى المجتمع الإنساني، وأقلُّ ما يمكن القول فيه، بأنه مصابٌ بلوثةٍ، وقد يكون الشفاءُ منها أمراً معقداً، وربما مكلفاً أيضا.

ومردُّ مناقشتنا هذه، ليس وليد اللحظةِ، وإنما تناولنا غيري وأنا هذه المسألةَ في مقالاتٍ عدَّةٍ، وقد سلَّطنا غيري وأنا أيضاً، الأضواءَ على حالاتٍ مشابهةٍ لما سنناقشه في هذه المقالة، ولكنني رغبتُ في هذه المحاولةِ، أنْ أضعَ أصبعي على الجرح ضاغطاً عليه، لعلَّ الجرحَ يستغيثُ صارخاً ليدلَّنا على موضع الألم، فنستَبينَ بذلك وبالوقائع المحسوسة، مدى إمكانياتنا لفهم ما يجري، وبالتالي لننقِّط الحروفَ التي لامناصَ من تنقيطها، ونكون بذا وقفنا على حقيقة نتاج الفكر المريض، الذي وربما قد يحتاجُ إلى استئصال.

وموريتانيا دولةٌ تتموضعُ جغرافياً على خارطة الشرق الأوسط، وإن كانت تقع في أقاصي غربهِ، وعلى شواطئ بحر الظلمات، وهو بلدٌ عربيٌ في غالبيته، ويتديَّنُ بالديانة الإسلامية في معظمه، واقتصادهُ فقيرٌ نسبيّاً، ولكنه وهذا أمرٌ مؤكد، يسعى ويكافح لبناءِ وتكريس مفاهيم الحرية والعدالة والديمقراطية، ويشهد حراكاً سياسياً متميّزاً، بالمقارنةِ مع دولٍ أخرى تتشابه ظروفها مع ظروفه، ومع ذلك.. وخلال الأشهر الستَّةِ الماضية، مرَّ هذا البلد بتجربةٍ جدُّ حضارية، حتى كادتْ أن تصبحَ مضربَ المثلِ، على صعيد بناء مؤسساتها الديمقراطية، التي أنتجتها انتخاباتٌ تمتعتْ بالشفافيةِ والنزاهةِ، وشهِدَ على ذلك القاصي والداني، والغريبُ قبل القريبِ.

إلا أنَّ ما حدثَ في السادس من شهر آب (أغسطس) الحالي في نواكشوط، أمرٌ خطير وخطير جداً، ويستدعي التوقفَ عنده، ليس لكونهِ مجرَّدَ انقلابٍ حدثَ في بلدٍ من بلدان العالم الثالثِ، وصار أمراً واقعاً، كما أجادتْ قريحةُ بن حلّي مساعد الأمين العام للجامعة العربية، وكفى!!. فهذا الأمر الذي وسمناهُ بالخطير والخطير جداً، وهو على الغالبِ نتاج ثقافةٍ شرق  أوسطيةٍ، يتداخل فيها ما هو قبلي بما هو حزبي، وما هو وطني بما هو سياسي، وأيضاً ينبغي ألاّ يغيبَ عن ذهننا تشابكُ كلُّ ما من شأنهِ أن يتأثرَ بما هو إقليمي، أضف إلى ذلكَ المصلحةُ " الفوق وطنية "، التي باتت سمةً من سماتِ مرضى النفوس من بعضِ شرائح الفقراءِ والمعوزين والجياع، الذين يتسلقونَ كرسيَّ الحكم، عبر الكلياتِ العسكريةِ، أو بعض الأحزاب ذاتِ التوجهِ الشموليِّ، عبر شعاراتٍ براقةٍ أقلُّـها، التنمية والتقدم والازدهار والحرية والعدالة، والتطوير والتحديث إنْ شئت، حتى ولو أدى تسلقهم ذاك، إلى التضحيةِ بنصفِ المجتمع، عبرَ الاعتقالاتِ والتصفيات وما شابهها. والغريب في هذه المعادلة النشاز، والتي لم أهتدِ إلى فهمها فهماً منطقياً، أن هؤلاء يسعون وعلى الدوام إلى تجويع شعوبهم، وإحكام قبضتهم عليهم، عندما يستقرُّونَ على كرسي الحكم، متناسينَ أنهم كانوا جوعى ومشردين ذات يوم!!.

هذه العقليةُ المريضةُ، هي التي أنجبتْ انقلابَ الأسبوع الفائت في موريتانيا، كما أنجبتْ انقلابات أخرى في أمكنة أخرى. إلاّ أنني أسجِّلُ هنا استغرابي وامتعاضي أيضاً على تصريح قائد زمرةِ الانقلاب، ولد عبد العزيز أو أيّـاً كان اسمه، والذي تضمن أنَّ الانقلاب سيصحِّحُ مسيرةَ الديمقراطية!!!.

وأعتقدُ بأنني محقٌّ في امتعاضي، وسأبقى كذلك، ولن يثنيني أحدٌ، حتى يتفتَّقَ ذهنُ هذا الجهبذِ الفكري الجديد، ويوضِّحَ لنا كيف يمكن أن نفهم ما يعنيهِ بتصحيح الديمقراطية؟. وقد يتساءلُ سائلٌ، أهي ديمقراطيةٌ ما من نوع ومن مذهبٍ فكريٍّ جديد؟. أم هو نتاجٌ فكريٌّ مستحدثٌ يهدف إلى دمقرطةِ الديمقراطيةِ ذاتها، والمتعارف عليها على أنها خلاصة التجارب الفكرية لبني البشر.؟.  

ومثلُ هذا الحديثِ يطرحُ إشكاليةَ علاقةِ العسكر بالديمقراطيةِ وبالسياسةِ أساساً، والمتعارف عليه، أن مهام العسكر تنحصر في واجبات الدفاع عن الأوطان ضدَّ الأخطار الخارجية المحدقة بالمصالح الوطنية العليا، ومؤسسات الجيش في كل الدول المحترمة، تتبع القيادة السياسية، وتحديداً العليا منها، التي إنْ رأت في تدخل الجيش ضرورةً للمصلحة الوطنية، طلبت إليه ذلك، وإلاّ فإن الجيوش تلزم ثكناتها، كأطراف محايدة حتى في أشدِّ الأوقات ضرورةً لتدخلها. ومن خلال تجارب العسكر في موريتانيا، لابد من الإشارة إلى الجنرال علي ولد فال، كظاهرة عسكريةٍ وطنيةٍ بجميع المقاييس، والتي لا يمكن استنساخها، وقد لا تتكرر، من حيث انحيازه المطلق لمصلحة الوطن والمواطن الموريتاني. والسؤال المؤرِّق الذي لازلنا نبحثُ عن إجابته، وبتشوق، كم رجلاً مثل الجنرال علي ولد فال، يلزمنا لكي تكتب أسماءُ أوطاننا، على لائحة الدول والبلدان التي تنتمي إلى المجتمعات البشرية؟؟.   

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.