يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* محور: تأثير معاهدة سلام سورية - إسرائيلية على لبنان
المخاطر ناجمة عن هشاشة لبنان ومشاحنات نخبه

صحيفة النهار اللبنانية - الثلاثاء 12 آب/ أغسطس 2008

إليزابيت بيكار (باحثة فرنسية في "معهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي، "ترجمت النص من الفرنسية نسرين ناضر)

تتّخذ المحادثات السورية - الإسرائيلية غير المباشرة التي بدأت في أيار الماضي، تدريجاً طابعاً ملموساً أكثر فأكثر. فمن جهة الانتخابات الرئاسية الأميركية على الأبواب. ومعها تنفتح آفاق الاهتمام المتجدّد من جانب واشنطن بالحوار بين دمشق وتل أبيب، والمعاملة الأميركية المختلفة للنظام السوري. ومن جهة أخرى، لا تنطلق هذه المفاوضات من الصفر حتى ولو كانت "من دون شروط" و"من دون متطلبات مسبقة". فبين عامَي 1992 و2000، حقّقت تقدماً مهماً في ملفات الأمن والمياه والتطبيع. حتى مسألة ترسيم الحدود التي كانت سبب الشقاق – رفضت تل أبيب إعادة الأراضي السورية المحتلة حتى خط 4 حزيران 1967 – يمكن حلها من خلال الفصل بين استعادة سوريا لسيادة قانونية على الأراضي المتنازع عليها وفرض قيود على ممارستها لحقوقها على بحيرة طبريا. هذه المرة، فرص النجاح جدّية حتى ولو كانت النتيجة لا تزال تطرح إشكالية انطلاقاً من السياقَين الإقليمي والدولي: فالأمر يتعلّق باحتواء تداعيات الأزمة العراقية في المشرق العربي، وتجاوز العجز الأميركي.

لهذا التقدّم ثمن بالتأكيد. ومن المفيد أن نذكّر من يفعلون كل ما في وسعهم لنسيان الأمر، أن الفلسطينيين وحقهم في دولة قابلة للحياة هم الذين يدفعون الثمن في شكل خاص. فبعد رفع الشرط الذي لطالما فرضته سوريا من أجل توقيع اتفاق سلام – معالجة شاملة ومنسجمة مع القرارات الدولية للصراع الإسرائيلي-العربي – لن يعود هناك عملياً ما يكبح الإسرائيليين ويمنعهم من سرقة الأراضي والمياه وممارسة القمع الشامل للمجتمع الفلسطيني.

بعد الفلسطينيين، لا شك في أن لبنان معرّض لدفع ثمن باهظ. ربما انتهى "الحكم الثنائي" لدمشق وتل أبيب على لبنان بعد 2000 - 2004، لكن يمكن أن تطوّر القوتان المتوسطتان تعاوناً ضمنياً تحت رعاية الولايات المتحدة بهدف ترحيل المشكلات التي تزعجهما داخلياً نحو جارهما الضعيف. ولا أعني بذلك فقط طرد المجموعات الناشطة والتحكّم بها، ولا سيما المجموعات التي تستلهم الدين، إنما أيضاً حركة المهاجرين واليد العاملة غير المؤهّلة، وتقاسم موارد الطاقة التي تزداد ندرة، ومصادر التلوّث.

ورمز هشاشة لبنان في حال حدوث مفاوضات بين جارَيه يتجسّد في مسألة تقاسم مياه السطح والاحتياطي الجوفي الضخم في جبل حرمون. وفي حين يجري الإعداد للتوصّل إلى ترتيب حول روافد نهر الأردن التي تنبع من الجولان (بانياس) بفضل إمدادات تركية، ثمة خطر كبير بأن تصبح الإفادة اللبنانية من مياه الحاصباني والوزّاني محدودة باسم حق دولي يصب في مصلحة المستخدمين الذين يقعون اسفل النهر (الإسرائيليين) بسبب حاجاتهم الأكثر إلحاحاً واستثمارهم للنهرَين منذ وقت أطول.

تظهر معالجة مسألة تقاسم المياه عند الحدود الثلاثة الميل الكارثي للنخب اللبنانية إلى الانهماك في مشاحنات الpolitics (تقاسم السلطة) والتخلّي عن الpolicy (حكم الدولة). ما هي فعلاً الملفات التقنية الجاهزة أو التي يجري العمل عليها من أجل إجراء مفاوضات ذات مغزى مع إسرائيل... ومع سوريا؟ ما هي مشاريع الري والاستثمار التي جرت مناقشتها والتصديق عليها في مجلس النواب؟ ما هي شبكات الاتصال التي وُضِعت لهذا الغرض؟ وقبل كل شيء، هل تملك الحكومة اللبنانية خرائط فعلية للمنطقة بعيداً من الكلام والنسخ غير الناجزة عن وثائق قديمة؟ للأسف، تثير سابقة منظمة التحرير الفلسطينية غير المزوّدة بخرائط ومعلومات رقمية والتي يتلاعب بها محاورها الإسرائيلي في أوسلو عام 1993، مخاوف جدّية.

ولكن لطالما حلمنا باليوم الذي تضع فيه "آخر دولة توقّع السلام مع إسرائيل" هذا النزاع خلفها بعدما جرّها إلى الحرب الأهلية في 1974-1975، ويسمّم حياتها السياسية من خلال مسألة اللاجئين الفلسطينيين. بعد احتلال إسرائيلي دام أكثر من 22 عاماً والكثير من الهجمات والاجتياحات الدموية، من شأن تقدّم المفاوضات بين دمشق وتل أبيب أن يفكّ عقدة مزارع شبعا ويسمح بعودتها المشروعة إلى لبنان واستبدال الخط الأزرق الذي رُسِم على عجل عام 2000 بحدود دولية غير متنازع عليها. ومن شأن لبنان أن يحصل في الوقت نفسه على علاقات طبيعية مع سوريا: ترسيم الحدود وضبطها، علاقات ديبلوماسية، اتفاقات دولية على قدم المساواة. فضلاً عن ذلك، يمكننا أن نأمل في أن تلتزم سوريا ب"عدم تنظيم تهديدات أو أعمال تخريبية ضد [إسرائيل] أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها" (أستعيد هنا ما ورد في المادة الرابعة من معاهدة الناقورة التي أرادت إسرائيل فرضها على لبنان عام 1983). وعندئذٍ يكون عليها أن تعيد النظر جذرياً في دعمها للناشطين الفلسطينيين و"حزب الله" والتنظيمات الأخرى المناهضة لإسرائيل التي تعمل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية. وهكذا قد يتمكّن لبنان وأخيراً من أن يبقى بمنأى عن النزاعات ويعيش بسلام مع جيرانه.

لكن يجب أن ندرك أن السلام الذي يأمل اللبنانيون في أن ينعموا به جرّاء التوصل إلى اتفاق بين دمشق وتل أبيب يخضع الآن لقواعد مختلفة عن تلك التي فرضها "الحكم الثنائي" السوري - الإسرائيلي خلال أربعة عقود تقريباً، وأن هذا السلام هو أيضاً رهن تفاهم حول هوية البلاد ومصالحها الاستراتيجية بعد زوال عراقيل الاحتلالات. يضعنا فشل الطموحات الأميركية لاعادة الخلق أمام شرق أوسط ذي توازنات أعيد صوغها إلى حد كبير منذ عام 2000، وحيث تشكّل إيران بصورة كاملة ودائمة إحدى القوى الأساسية. ليس منطقياً إذاً أن نأمل في أن تقطع سوريا علاقاتها ذات الأسس الاقتصادية والاستراتيجية والإيديولوجية الراسخة مع طهران – وهذا التحالف يكبح المفاوضات السورية - الإسرائيلية ويؤدّي إلى تعقيدها حتى ولو لم يَحُل دون حصولها. وليس منطقياً أيضاً أن نأمل في أن يمحو الشيعة اللبنانيون رابطهم التاريخي والثقافي مع الشيعة الإيرانيين – وسوف يلقي هذا التضامن بثقله على شروط انضمام لبنان إلى التفاوض.

كان لهذه التقلبات الإقليمية منذ عام 2000 صداها على الساحة الداخلية اللبنانية. فلبنان 2008 ليس أبداً لبنان 1983 الذي كان خاضعاً للإملاءات الأميركية-الإسرائيلية. وليس أبداً لبنان الطائف المنهمك حصراً بالإعمار الداخلي. لقد جعلت حروب 1993 و1996 و2006 جميع اللبنانيين يدركون مخاطر العداء الإسرائيلي وحدود الأخوة السورية. وخلال هذه المرحلة، اكتشف لبنان إمكانات المقاومة الإسلامية إنما أيضاً حدودها. وإذ تدق ساعة التفاوض على السلام، من المهم أن يمتلك دفاعاً وطنياً راسخاً ومشروعاً. ومن أجل ألا يقع لبنان مرة أخرى ضحية ما قد يطرأ في المفاوضات السورية - الإسرائيلية، يجب في الحد الأدنى أن تتفاهم طبقته السياسية على ممارسة الأمن الجماعي والسيادة الوطنية.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.