|
* هدر العقل العربي
(2-3)
بقلم: د. حازم خيري *
أخبار
الشرق – 12 آب/ أغسطس 2008
الاغتراب الثقافي وهدر العقل العربي:
الحق أني
أدين بالشكر الوافر لذلك الشك الذي لطالما راودنى بشأن مسألة
هدر العقل العربي ومدى اتساقها مع المعطيات التاريخية
والمعاصرة، فبفضل هذا الشك ورغبة منى في حسم موقفي تجاه هذه
المسألة الشائكة، رحت ألتمس الحقيقة، تدعمني في ذلك بعض
المقولات الفلسفية التي سبق لى أن اهتديت إليها أثناء بحوثي في
مجال الفكر الأنسني. بيد أني، وقبل إقدامي على تثمين مقولاتي
تلك في بحثي هذا، أراني ملزما بتوضيح ما أقصده بـ "هدر العقل"
على وجه الدقة، فالمصطلح يبدو فضفاضا ويحتاج مضمونه إلى صياغة
دقيقة ومحكمة. فليس بكاف أن يتخذ المرء من تواضع وضآلة مساهمة
عقل بعينه في رحلة العقل عبر التاريخ ذريعة للقول بتعرض هذا
العقل للهدر، فقد تكون للعقل مساهمة غير متواضعة وغير ضئيلة
ورغم ذلك يكون قابلا لأن يُوصف بتعرضه للهدر!!
إن ما
أسميه بـ "هدر العقل" إنما يحدث عندما يعتقد الإنسان، وأعني
بالانسان هنا المنتمين لأي من الثقافات أو الحضارات المختلفة،
أنه قد استطاع بناء ثقافة أو أنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى
الدهر، دون أن تخضع للنقد والتطوير، سواء امتلك هذا الانسان
عقلا فلسفيا أو أنه امتلك عقلا لاهوتيا/فقهيا. ومن ذلك وصف
الشاعر اللاتيني الكبير هوراس أشعاره بأنها: "أبقى أثرا من
البرونز، لن يُمس بسوء مهما مرت عليه من سنين"! فمن الضروري
على الانسان ـ أيا كانت ثقافته أو حضارته التي ينتمي إليها ـ
أن يُثمن عقله، وذلك بالتزام التواضع عند النظر إلى ثقافته تلك
أو حضارته، سواء كانت من صنع يديه أو من صنع غيره، فهي
بالضرورة ليست أبدية أو محصنة ضد النقد والتطوير. فطبقا
للفيلسوف الألماني أرنست كاسيرر، تظل ثقافتنا أو حضارتنا مجرد
قشرة خارجية تحيط طبقات عتيقة ذات أغوار بعيدة، وعلينا أن نُعد
أنفسنا على الدوام لمواجهة أية اهتزازات عنيفة قد تهز عالمنا
الثقافي أو الحضاري، وقد تعرضه للانهيار!!(10).
وفى ضوء
السرد الوارد سلفا لرحلة العقل عبر التاريخ، وبتطبيق تعريفنا
السابق لمصطلح "هدر العقل" على العقل الغربي، يمكن القول بتعرض
ذلك العقل للهدر ـ بنسب متفاوتة ـ عندما كان عقلا لاهوتيا في
العصور الوسطى وكذا عندما أصبح عقلا فلسفيا حديثا كلاسيكيا
مرتكزا على اليقينيات المطلقة وقبل انتقاله إلى مرحلة العقل
النسبي أو النقدي الذي يعود على نفسه باستمرار من أجل تصحيح
مساره أو تعديله إذا لزم الأمر! وهو ما يدعوه البعض الآن ـ كما
أسلفنا ـ بعقل ما بعد الحداثة، عقل ما بعد انهيار
الايديولوجيات الكبرى واليقينيات الراسخة. ولعل في قول محمد
أركون المذكور سلفا بأن الفرق الوحيد بين عقل الحداثة وعقل ما
بعد الحداثة هو أن الثاني وهو يبلور المعارف الجديدة يعرف أنه
لن يصل إلى الحقيقة المطلقة، ويعرف أنه يصل إلى حقائق نسبية،
مؤقتة، قد تدوم طويلا أو كثيرا، ولكنها حتما لن تدوم أبدا، ما
يؤكد قولنا بتعرض العقل الغربي للهدر بنسب متفاوتة، قبل ولوجه
الراهن لمرحلة "ما بعد الحداثة"، لقناعته آنذاك بكون يقينياته
الثقافية، سواء تلك التي بُنيت له في العصور الوسطى أو تلك
التي بناها بنفسه في العصر الحديث، أبدية ومحصنة ضد النقد
والتطوير.
ويظل
منطقيا القول بأن العقل اللاهوتي عبر التاريخ كان أكثر تعرضا
للهدر من العقل الفلسفي، حتى قبل بلوغ الأخير مرحلة ما بعد
الحداثة، فالهدر هنا نسبى بطبيعة الحال، وأظنه بلغ ذروته في ظل
العقل اللاهوتي الذي اعتقد دوما أنه قد ُشيدت له ثقافة مقدسة
ومحصنة، من شأنها أن تعيش أبد الدهر دون نقد أو تطوير! فالنقد
والتطوير في عُرف هذا العقل خطيئة! وهو ما يصعب مقارنته بما
حدث في ظل العقل الفلسفي الحديث الكلاسيكي، فقد شيد ثقافته
بنفسه، بيد أنه ـ للأسف الشديد ـ لم يفتأ أن وقع في حبائل
الايديولوجيات الكبرى واليقينيات الراسخة! معرضا نفسه للهدر
ولو بدرجة أقل من هدر العقل اللاهوتي لنفسه!
كان ذلك هو
الحال بالنسبة للعقل الغربي، فماذا عن العقل العربي، خاصة وأن
هدره هو موضوع هذه الدراسة؟! الحق أن الأمر جدير ببعض التأني،
فالمسألة كما أسلفنا شائكة، فالبعض يرى أن تعهد مسألة هدر
العقل العربي بالرصد والتحليل ينطوي على إهانة جليلة وإساءة
فادحة لهذا العقل! وأملى أن أكون بحديثي السالف عن تعرض العقل
الغربي للهدر قد أعفيت نفسي من الحرج، لأنه لا يُعقل أن يكون
العقل الغربي قد تعرض للهدر على النحو المذكور، وكلنا يعلم
مكانة ذلك العقل في التاريخ وانجازاته الضخمة، في حين يكون
العقل العربي قد نجا من ذلك الهدر، وكلنا ـ أيضا ـ يعلم محنته
التي أخرجته من التاريخ!!
والآن،
ليسمح لي قارئي الكريم بأن أعضد حديثي الماثل في عجالة
بمقولاتي الفلسفية التي أراها مهمة والتي سبق لى أن اهتديت
إليها أثناء بحوثي السابقة في مجال الفكر الأنسني. وأنا وإن
كنت قد أحجمت عن فعل ذلك إبان حديثي عن هدر العقل الغربي، فإنى
الآن وقد انتقلت للحديث عن هدر العقل العربي أرى الحاجة ماسة
لتلك المقولات، وذلك لسببين أذكرهما لاحقا..
ولتكن
بداية حديثي، عن مقولاتي الفلسفية، مع مصطلح "الأنسنية" الذي
شكل محورا لدراسة سابقة لى بعنوان "بناء الذات الأنسنية"، جاء
فيها أن بناء الذات الأنسنية لا يعني سوى صياغتها بما يسمح لها
بتحقيق أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقوالها وأفعالها، شريطة
انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين للأنسنية القائلة
بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص
النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية،
تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما
للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار
الخصائص العامة للأنسنية(11):
[1] معيار
التقويم هو الإنسان.
[2]
الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة.
[3] تثمين
الطبيعة والتعاطي المتحضر معها.
[4] القول
بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه.
[5] تأكيد
النزعة الحسية الجمالية.
وطبقا
للمعيار الأنسني الوارد الحديث عنه في الدراسة نفسها، يُعد
الإنسان أنسنيا (ذاتا أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير
الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد
الإنسان ذاتا حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض
عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتا مغتربة ثقافيا. فالشائع ـ
خاصة في المجتمعات المتخلفة ـ هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي
في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه!
وباستخدام المعيار نفسه، يُعد آخرا كل من يدرك الأنسنية
ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه
للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافيا بها كنهج حياة،
وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من
جني ثمار الأخذ بالأنسنية.
ولقد
انتهيت في الدراسة المذكورة إلى القول بأن تطور التاريخ
الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات
الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعا ثقافيا، استنادا
لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة بأنها طريقة شاملة للحياة،
وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين،
فاحتياجات الإنسان ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات
المادية، على خطرها وأهميتها. وأقول صراعا معقدا، لتعدد جبهاته
وتداخلها...
فهناك
الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة
بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر
المدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية
في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على
الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كنهج حياة،
وهو صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات
المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه
لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات
المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات
المغتربة، يغذيه الآخر كما أسلفنا ويؤججه، فهو يُلقي في روع
الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود
الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست
سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي لمحو هويتها الثقافية وهدر
ثروتها العقلية..!!
تلك هي
مقولاتى الفلسفية التي أراها مهمة والتي سبق لى أن اهتديت
إليها أثناء بحوثى السابقة في مجال الفكر الأنسني. أوردتها
ليعلم قارئي أن الحديث عن مسألة هدر العقل العربي ليس من
السهولة بمكان. ولا يعنى احجامي عن الاستعانة بتلك المقولات
إبان رصدي وتحليلي لمسألة هدر العقل الغربي عدم امكانية
الافادة من هذا النهج الأنسني التفسيري في رصد وتحليل تلك
المسألة، فالعكس هو الصحيح، غير أنى آثرت الاستئثار بتلك
المقولات والافادة منها في رصدي وتحليلي لمسألة هدر العقل
العربي، وذلك لسببين أراهما من الأهمية بمكان: أولهما كون
مسألة هدر العقل العربي هي الحالة الأكثر تعقيدا والأهم
بالنسبة لكاتب هذه السطور، إذ أن محنة اغتراب العقل العربي لم
تترك له ترف الاختيار!! والسبب الثاني هو رغبة كاتب هذه السطور
في تجنب التكرار والتطبيق المزدوج للنهج الأنسني التفسيري
المذكور في رصد وتحليل هدر العقلين الغربي والعربي...
والسؤال
الذي يطرح نفسه بقوة: ما هي علاقة الاغتراب الثقافي للذات
العربية بمسألة هدر العقل العربي، وأقصد به عقل تلك الذات
بطبيعة الحال؟!
ذكرنا سلفا
أن تطور التاريخ الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي
معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. وذكرنا
كذلك أن المقصود بالاغتراب الثقافي هو تنازل الإنسان عن حقه
الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء
لمجتمعه!! ونضيف الآن، أنه على خلاف الحال مع العقل الغربي
الفلسفي في عصر الحداثة، يكتسب العقل العربي بتنازله عن حقه
الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، ثقافة ليست هي ثقافته
الحقيقية أو ليست هي ما يجب أن تكون عليه ثقافته حقا، أي أنه
يصبح مستهلكا لثقافة ليست من صنعه. وذلك لكونه لم يزل حتى
يومنا هذا فقهيا، شأنه في ذلك شأن العقل الغربي اللاهوتى في
العصور الوسطى. بيد أن الموضوعية تقتضينا القول بأن ادراك
العقلين الغربي الفلسفي في عصر الحداثة والعربي الفقهي في
وقتنا الراهن لثقافتيهما على أنها أبدية ومحصنة ضد النقد
والتطوير، يعني تشابههما فيما يتعلق بمسألة تعرضهما للهدر، رغم
البون الشاسع الفارق بينهما في نسب الهدر..!!
قلت إن
الذات العربية عادة ما تلتمس راحتها في اغترابها الثقافي، بفضل
ما يلقيه تجار الآلام في روعها، فهم عادة ما يوهمونها بأن
اغترابها الثقافي، ومن ثم هدرها لثروتها العقلية، فريضة يوجبها
العقل الفقهي، ويطلبون إليها التنازل طواعية عن حقها في نقد
وتطوير ثقافتها، تقربا إلى الله وزلفى!! وكذلك يطلبون إليها
القبول بتخويل آخرين بأعينهم سلطة ممارسة هذا الحق نيابة عنها
وعن غيرها، وغالبا ما يستندون في ذلك إلى حجج واهية. وفاتهم
أنه لا يستقيم أن يُقبل من الإنسان هدر أثمن ملكاته وأروعها،
فما العقل الإنساني ـ في أكثر الآراء رجحانا ـ إلا قبس الهي
يسكن جسد صاحبه، ولولاه لعجز الإنسان عن أداء رسالته، ولظل
يضرب في الحياة على غير هدى. ويظل الاعتقاد الراهن لدى الذات
العربية بأنه قد بُنيت لها ثقافة ستعيش مدى الدهر، دون حاجة
لاخضاعها للنقد والتطوير، دليلا حيا على نجاح تجار الآلام في
تغريب تلك الذات ثقافيا وفى هدر ثروتها العقلية على نحو مخيف،
فما العقل العربي (الفقهي) الآن إلا قوة محافظة أساسا، تعمل
على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ بكل
الثقافة السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى نقدها وتطويرها..!!
ويحدث أيضا
أن تلتمس الذات العربية باغترابها الثقافي إرضاء مجتمعها،
ومرجع ذلك أن تنازل تلك الذات عن حقها الطبيعي في نقد ثقافتها
وتطويرها غالبا ما يتم في مجتمع يصطلح أفراده على تقدير
واحترام المغترب، ويلتقون في اعتقادهم الراسخ بأن الثقافة
السائدة هي الضمانة الحقيقية لصيانة هويتهم، وأنها أسمى من أن
تمتد إليها أيديهم بالنقد والتطوير. فالمغتربون عادة ما
يتنازلون بصورة جماعية عن حقهم الطبيعي في نقد ثقافتهم
وتطويرها إلى من يرونه أحق منهم بذلك، وأقدر منهم على ارتياد
ما يتصورونه طريقا وعرا ومحفوفا بالمخاطر. وغالبا ما يقف
الآخر، وأقصد به كما أسلفت كل من يُدرك الأنسنية ويستأثر بها
لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون
أخذ الذات المغتربة بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل
والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية،
وتكريس هدر ثروتها العقلية. أقول إنه غالبا ما يقف الآخر،
عربيا كان أم غربيا، وراء إهدار الذات المغتربة لثروتها
العقلية، وذلك عبر سعيه المحموم لتكريس الاغتراب الثقافي لتلك
الذات البائسة...
والحق أن
الآخر، خاصة الآخر العربي، لم يكن ليبلغ لبانته لولا وجود
آليات بعينها تعينه على أمره. فالاغتراب في حاجة لدعم دائم من
سدنته، وليس هناك ما هو أكثر ضمانا لديمومته من وجود دعم مؤسسي
دائم ومنتظم له. فبدون مثل ذلك الدعم يصير من الصعوبة بمكان
الحفاظ على الرسوخ الدائم لفكرتي الاغتراب والهدر في الأذهان.
وغالبا ما تتخذ الصيغة المؤسسية أشكالا مختلفة، فالمؤسسية التي
يقصدها الكاتب لا تعني بالضرورة بنايات ضخمة وجيش عرمرم من
الموظفين وزخم بيروقراطي، ولكنها تتراوح ما بين تلك البنايات
المهيبة وبين شخصيات بعينها، يُصيرها سدنة الاغتراب بحرفيتهم
الدعائية ومهارة ترويجهم للاغتراب رموزا شبه مقدسة، يزعمون أن
الباطل لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وهو ما يُيسر
انقياد المغتربين إليها انقيادا أعمى...
وكما أن
الصيغة المؤسسية تتخذ أشكالا مختلفة، يتسع نشاط تلك المؤسسات
المعنية ليشمل مجالات عديدة. فتكريس الاغتراب الثقافي للذات،
والهدر المحزن لثروتها العقلية، لا يتم عبر آليات محدودة كما
قد يتوهم الكثيرون، ولكنه يتم عبر آليات عديدة ومتنوعة منها
البوليسي، والتعليمي، والإعلامي، إلى جانب ما اصطلح على تسميته
بالديني، نسبة إلى الدين والدين منه براء. ولنا أن نتصور كيف
يغدو الاغتراب الثقافي ـ وما يصاحبه من هدر عقلي ـ زائرا ثقيلا
حين تعوزه مثل تلك الآليات التي تفرضه أحيانا وتحببه أحيانا
أخرى إلى الضحايا الأبرياء، فتصوره لهم على أنه إكليل غار فوق
رؤوسهم. وفيما يلي رصدا موجزا لبعض أهم آليات تكريس الاغتراب
الثقافي للذات وهدر ثروتها العقلية(12):
[1] مؤسسات
العنف.
[2] مؤسسات
التلقين الإعلامي.
[3]
المؤسسات التعليمية.
[4] محترفو
التبرير الديني.
والمأساة
أن مهارة الآخر، عربيا كان أم غربيا، في هذا المضمار لا
تُبارى، فهو دائما ما ينجح في تكريس اغتراب الذات وهدر ثروتها
العقلية واستعدائها على الذات الأنسنية، والذاكرة الإنسانية
مليئة بالحوادث المؤكدة لذلك، وهي حوادث دموية ولا إنسانية في
مجملها، يندى لها الجبين الإنساني. ولا غرو أن مأساة انقسام
الذات على نفسها تضع المراقب في حيرة من أمره. فالجزء الأكبر
من الذات يجهل أو يُعرض عن الأنسنية ويُباهي باغترابه الثقافي
والهدر المخزي لثروته العقلية ويُعول في خلاصه على الآخر،
بينما يتكبد الجزء الأصغر من الذات والمهمش دوما آلاما قاسية،
فهو يدرك الأنسنية ويسعى جاهدا لتبصير الذات بضرورة الأخذ بها
كنهج حياة، لكنه يواجه شراسة الآخر الذي غالبا ما يُوكل مهمة
التنكيل به إلى الذات المغتربة! وهو ما يُسهم في تعقيد الصراع.
والتاريخ
الإنساني الذي يرويه ـ في أغلب الأحيان ـ الآخر القوي ويلقنه
للذات المغتربة الضعيفة في دأب وجلد يُحسد عليهما، لا يمل
استعداء المغتربين على تلك النفوس النبيلة، التي تظهر في لحظات
أو حقب متناثرة عبر العصور المختلفة، وتأبى إنسانية أصحابها
ألا تستأثر لنفسها ـ أقصد تلك النفوس النبيلة ـ بإدراك
الأنسنية، وألا ترفل وحدها في غلائل ذلك الإدراك، في وقت تشقى
فيه الذات المعذبة باغترابها، فنراها تعمل جاهدة على تعرية
الآخر وتبصير الذات المغتربة بالأنسنية ومزايا الأخذ بها كنهج
حياة، هادفة بذلك لرفع نير الاغتراب الثقافي والهدر العقلي عن
كاهلها، وتعليمها أن آلامها ليست قدرا محتوما وإنما هي صناعة
أيديها وأيدي الآخر. وهو ما يدفع الآخر، وما أقواه في كل زمان
ومكان، لمناصبة تلك النفوس النبيلة والطاهرة العداء والتنكيل
بها علاوة على اتهامه لها بكل رذيلة وإلحاق ذكرها بالاستهجان
والإدانة والسب، حتى يهيأ للمرء أنها شياطين في صيغة بشرية،
والحق أن أصحابها أشرف من وطأت أقدامهم ظهر الأرض، فهم دائما
ما تحدوهم أغنية الايثار وانكار الذات(13):
إذا لم
أحترق أنا..
وإذا لم
تحترق أنت..
وإذا لم
نحترق نحن..
فمن إذن..
يجلو
الظلمات!!
صفوة
القول، أنه توجد علاقة طردية وثيقة بين الاغتراب الثقافي للذات
العربية والهدر العقلي لتلك الذات. لأنه إذا كان الاغتراب
الثقافي يعنى تنازل الإنسان العربي عن حقه الطبيعي في امتلاك
ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! فما أظن
الاغتراب الثقافي بهذا المعنى يخلو من الهدر العقلي لذلك
الانسان، أي اعتقاده الراسخ بأنه قد بُنيت له ثقافة ستعيش مدى
الدهر، وكيف لا؟ وهي ـ من وجهة نظره ـ أبدية.. محصنة ضد النقد
والتطوير!! لذا، أقول إن الآخر، عربيا كان أم غربيا، في صراعه
الثقافي وفى سعيه المحموم لتعمية الذات العربية عن الأنسنية،
عبر تكريسه اغترابها الثقافي، إنما يكرس هدر ثروتها العقلية،
وذلك لعدم قناعته بمقولة سيزير: "فى موعد النصر متسع للجميع".
__________
* كاتب
عربي
الهوامش:
(10) ارنست
كاسيرر، ترجمة أحمد حمدي محمود، الدولة والأسطورة، (القاهرة:
الهيئة المصرية العامة للكتاب والمجلس الأعلى لرعاية الفنون
والآداب والعلوم الاجتماعية، 1975)، ص 391.
(11) راجع:
دراسة للكاتب بعنوان "بناء الذات الأنسنية"، منشورة على شبكة
الانترنت. وأيضا راجع للكاتب: الانسان هو الحل، (القاهرة: دار
سطور للنشر، عام 2007).
(12) راجع:
حازم خيري، الاغتراب الثقافي للذات العربية، (القاهرة: دار
العالم الثالث، عام 2006).
(13)
الأبيات للشاعر التركي العظيم ناظم حكمت، ترجمها للعربية
الشاعر المصري الراحل نجيب سرور. |