|
* تعثر مفاوضات
التجارة الدولية
بقلم: الدكتور عبدالله
تركماني *
أخبار
الشرق – 11 آب/ أغسطس 2008
بعد اجتماع
منظمة التجارة الدولية في جنيف خلال الأسبوع الأخير من
يوليو/تموز الماضي، يبدو أنّ ملف تحرير التجارة العالمية قد
تعثر ودخل حيز الجمود النسبي، بعدما تبلورت مواقف الدول بين
ثلاثة أقطاب: أولها، تمثله الهند والبرازيل والصين ومعها الدول
النامية والمتطورة صناعيا. وثانيها، الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة الأمريكية ومعهما الدول الأكثر إنتاجا
للمواد الزراعية والمتفوقة صناعيا. وثالثها، الدول الأكثر فقرا
وذات الموارد المحدودة التي تأرجحت بين القطبين السابقين، في
محاولة لتصيّد أكبر قدر ممكن من الامتيازات.
لقد سعت
الفرق التفاوضية، التي تمثل 153 دولة، لإنقاذ جولة الدوحة التي
بدأت في العام 2001 من الفشل الذي منيت به الجولات السابقة في
"سياتل" و"كانكون"، بعد أن تزامنت مع تفاقم مشاكل الاقتصاد
العالمي المؤرقة لشعوب الأرض قاطبة، خاصة في عالم الجنوب. لذلك
ركزت الدول النامية على ضرورة ربط أية اتفاقات مع احتياجاتها
الإنمائية، بما فيها رفع مستوى المعيشة والقضاء على الفقر
وتطوير قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية.
لكنّ
الخلاف كان جوهريا، تركز على تأمين مصالح كل فريق في ما خص
الزراعة والخدمات: البلدان المتقدمة أرادت أن تحافظ على
المكاسب التي منحتها إلى مزارعيها، أما البلدان النامية فقد
أرادت أن تحمي المزارعين لديها وإنتاجهم الزراعي من منافسة
إنتاج البلدان المتقدمة على صعيدي الزراعة والغذاء.
ويبدو أنّ
المشكلة تتمثل في عدم إدراك مفاوضي الشمال أنّ الزمن قد تغيّر،
فالاقتصاديات الناشئة أصبحت اليوم تملك موقعا تفاوضيا قويا،
تدعمه مقومات بشرية وطاقات إنتاجية أثبتت أنّ لها قدرات
تنافسية واسعة، خصوصا بعدما حققت دول مثل الهند والصين
والبرازيل نموا اقتصاديا جيدا. وأنّ السبب الأساسي هو أنّ
الدول الغنية مهتمة أكثر من اللازم بمصالحها الخاصة، بينما لا
تلقي بالا ولا تتحمل مسؤولياتها تجاه مصالح الدول النامية.
في حين أنّ
المنظمات غير الحكومية رأت أنّ هذه المفاوضات تشكل "الفرصة
الأخيرة والمناسبة" لتحقيق مبدأ التجارة العادلة، الذي تصبو
إليه الدول النامية والأكثر فقرا، كإحدى وسائل تحسين
اقتصادياتها والخروج من دائرة المساعدات التنموية.
وهكذا،
فإنّ عدم الاتفاق على موعد جديد للمفاوضات يعني القضاء على حلم
تحرير التجارة الدولية إلى أجل غير مسمى، على أن تتحول منظمة
التجارة العالمية إلى ساحة قضائية لفض النزاعات التجارية،
يحتكم إليها المتخاصمون في ضوء ما وُقّع من اتفاقات أصبحت
سارية المفعول. أما إذا تمكن السبعة الكبار (الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة الأمريكية واليابان واستراليا والهند والصين
والبرازيل) من إعادة ترتيب الأوراق مرة أخرى، وتقويم المواقف
بحسب التطورات الأخيرة، فيُحتمل أن تبدأ جولة جديدة، بعيدا عن
توتر الأجواء وحرب الأعصاب التي مورست على الجميع طيلة أيام
المفاوضات التسعة.
ويُرجَح أن
تسفر أية مفاوضات قادمة عن تقسيم التجارة الدولية إلى محاور
متصارعة، إذ ستحاول الدول المتقدمة التكتل في مواجهة النمور
الآسيوية وكتلة أمريكا اللاتينية، التي ستواصل استمالة أفريقيا
جنوب الصحراء إلى صفوفها. كما ستستعيد روسيا دورها على الساحة
الاقتصادية الدولية متمسكة بسلاح الطاقة، وربما تكوّن مع الهند
والصين مثلثا سيشكل تهديدا حقيقيا لسياسات الهيمنة الاقتصادية
الأوروبية والأمريكية.
إنّ انهيار
جولة الدوحة هو تعبير عن غياب التوازن الجديد الذي تسعى دول
ناشئة إلى تحقيقه، إذ اعتُبرت الجولة نقلة نوعية في العلاقات
الاقتصادية والتجارية الدولية، فلأول مرة تقف بلدان الجنوب في
موقف الند للند مع بلدان الشمال في صياغة الأنظمة والاتفاقيات
التي تنظم شؤون الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الحرب
الباردة.
وللحقيقة،
فقد قدم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية تنازلات
مهمة، لم يكن بالإمكان تقديمها لولا هذا التغيير المهم في
العلاقات الدولية، فالولايات المتحدة الأمريكية وحدها خفضت،
خلال جولة المفاوضات الأخيرة، الدعم المقدم لمزارعيها من 48
مليار دولار إلى 15 مليار دولار، وهو تحوُّل مهم، إلا أنه لم
يقنع البلدان الناشئة لاعتبارات ترى أنها غير كافية لإيجاد
منافسة متكافئة في الأسواق الدولية.
ومن واقع
التجربة السابقة، الممتدة من توقيع اتفاقية منظمة التجارة في
عام 1995 وحتى الآن، يمكن القول إنّ تسهيل انتقال السلع
والخدمات بين بلدان العالم وتخفيف القيود المفروضة على التبادل
التجاري قد ساهما مساهمة فعالة في إنعاش التجارة العالمية
وزياد الثروة المترتبة على هذا الانتعاش. وبغض النظر عن نجاح
أو فشل المباحثات الحالية لجولة الدوحة، فإنّ مسألة نمو
العلاقات التجارية الدولية يتيح لمختلف بلدان العالم - بتفاوت
- تحقيق مكاسب لا يستهان بها، وذلك إذا ما تمكنت من استغلال
الفرص المتاحة وتعاملت مع هذه التغيّرات بمرونة ومهنية، وخصوصا
أنّ صياغة الاتفاقيات العالمية الحالية تتم ضمن توازن قوى
اقتصادية لم يكن متوفرا من قبل.
__________
* كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس |