يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* التوافق نقيض التخالف

موقع أخبار الشرق – الثلاثاء 5 آب/ أغسطس 2008

نوري بريمو

أضحى شعار التوافق السياسي الديموقراطي ضمن إطار الكل الجماعي المختلف فيما بينه في دنيانا الحالية وخاصة في بطون بلداننا الشرق أوسطية المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب، ديباجة يجري تسويقها على ألسنة الكثيرين من الساسة والمفكرين والمثقفين والناشطين المهتمين بشؤون وهموم وشجون أوطانهم وبمسائل حقوق الإنسان وبمبادئ إحياء المجتمع المدني وبقضايا الأمم وحريتها في تقرير مصيرها بالوفاق مع الآخرين وليس الخصام معهم، وقد طغت التوافقية كنقيض للتخالفية على كافة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وفي مواقع شبكة الانترنيت العالمية التي باتت تشهد تفاعلات سياسية ومراكمات فكرية يومية لا بل لحظية بين زوارها الذين يتزايدون يوماً بعد آخر، وقد راج موديل التوافق رواجاً لم يكن متوقعاً البتة، لكونه حاجة طبيعية نابعة من قاع بئر معاناة الشعوب ومعبّرة عن مدى عمّق جراحاتها جراء إختلافاتها البينية العميقة بعمق التاريخ البشري الذي شهد حروباً وغزوات لا حصر لها.

ولكثرة سماع مقولة التوافق كاد البعض أن يسميها بصيحة العصر، وغدا البعض الآخر يعتبرها بمثابة شرط لا شروط عليه لدى إجراء أيّ نقاش أو حوار بين هذا الأول المختلف مع ذاك الأخر، وهذه بالذات أخلاقية ديموقراطية تستبشر بالخير لمستقبلٍ أفضل للعلاقات الإنسانية ما بين كافة أشكال وألوان الآدميين المتجاورين فوق سطح هذه البسيطة التي ينبغي أن يسودها تحاور الأضداد وتسالمها لا تخالفها وتناحرها، وذلك على قاعدة إحترام الرأي والرأي الآخر.

وبما أنّ المسالة تتعلقّ بالتوافق المبني على الحوار أياً كان نوعه وشكله ومضمونه وخلفياته ومراميه، وكائنةً من كانت أطرافه ومكوناته ومكنوناته، فإنَّ سرّّ نجاحه يكمن في مدى تناول أطرافه لموضوعاته بنزاهة وموضوعية، ما لا يمكن تحقيقه إلا بالابتعاد قدر الإمكان عن المزاجية والسطحية وعن مسلكية إنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، في حين يُستحسَن البحث دائماً في الثنايا وخلف السطور عن القواسم المشتركة التي من شأنها صون خصوصية فرقاء العملية التوافقية، شريطة عزل الحوار عن مختلف خلفياته الخلافاتية وعن كل ردود الأفعال الإنفعالية والآراء السلبية والخيارات العنفية التي قد تعرقله أوتجعله يفقد جوهره الديموقراطي الذي من المفترض به أن يكون هو السائد على أجوائه وفي كل جولاته، وأن يكون منطلق التوافق مُكتـنِفاً للآراء ومستقره مسرحاً لاحترام كل هذه الآراء والمواقف على إختلاف أنواعها، وذلك لكي يتم التوصل بسلاسة إلى نتائج سياسية مقبولة لدى كل الأطراف وليستفيد منها الكل وليتحقق البناء الإيجابي للكيانات العصرية وليس الهدم السلبي للحضارات القائمة.

والأهم من هذا وذاك هو أن تكون دعواتنا التوافقية، دعوات صادقة ومستخلـَصة من مبدأ مصونية إحترام الآخر وقبوله على علاته، وأن تنبعث من مزيّـة الحاجة إلى خوض النقاش وإغنائه، بهدف تقريب وجهات النظر المتباينة والسعي لإلتقاء المتخالفين في الوجهات حول الإستحقاقات والواجبات التي تمسّ الجميع، لا أن تأتي تلك الدعوات من باب الحرب الكلامية أو من قبيل الترَف الفكري والرغبة في التنظير أو التمظهر بالانفتاح والدمقرَطة والعصرَنة...!؟، ولا كغاية دفينة يُراد من وراءها الإيقاع بالشريك الضعيف في شراك التبعية للآخر القوي أو لقمعه وإقصائه أو التقليل من شأنه والتضييق على منافذ متـنـفساته، في حين أنّ جلّ ما نحتاجه لتحقيق التعامل الصحيح مع مكرُمة التوافق السياسي هو لا بديلية إعطاء المسألة بُعدِها التسامحي وسط مكوّنات بلداننا القومية والدينية والطائفية وغيرها، ولابُديّة التمتع بالقدر الكافي من خِصال المكاشفة ونكران الذات وامتلاك قدر من الوعي الذاتي والآخَري في آن واحد، أي أن نعي واقعنا وندرك ماهية أحوالنا وحيثيات أوجاع الآخرين الذين نتعامل معهم في ساحة الحراك التي تجمعنا بهم بشكل إرادي أو لا إرادي.

ولما كانت المعرفة الديموقراطية بمفهومها الحداثي العام، هي مفتاح الولوج الأكثر صواباً إلى كَـنَفِ أي موضوع أو إشكالية، فهي إذاً تجسّد بوابة العبور إلى أي ملتقى توافقي جامع ومنشود، وللعلم فإنّ هذا المسعى لا يأتى من الفراغ وإنما من خلال تنوير العقول بهدى علوم هذه الأيام، لتصبح قادرة على الارتقاء بعلاقاتنا إلى علاقات أكثر توازناً وحضارية، ولتسهم بدورها في وضع الأسس والمقوّمات الضرورية لانطلاقة صحيحة تؤسس لمنهجية جديدة تنهل منها أجيالنا الصاعدة كي تصبح واعدة ومنفتحة ومقتنعة بإقامة جسور التواصل بين هذا الإتجاه المتآلف معنا وذاك المعاكس لنا، مهما بلغت درجة الفوارق فيما بيننا ومهما كانت مسافات الخصام شاسعة وممتدة أفقياً أو شاقولياً، ما يقتضي بالضرورة النظر إلى الموضوع بجدية وإحاطته من كل جوانبه لتفهمه وإفهامه للآخرين، وبذلك نكون قد تداركنا جزءاً من إشكالياتنا الكثيرة العالقة، ووضعنا الشكل الأصح والأساس الأسلم لحوار المختلفين كي يصبحوا متوافقين بعيداً عن المقاييس الفوقية التي تبقى قاصرة والتي تخفي تحت عباءاتها وفي دهاليزها دوافع أنانية مؤذية بجميع الفرقاء، الأمر الذي قد يفسح المجال أمام مختلف الأفكار والكفاءات كي تبرز وترتاد دورها المطلوب في مسيرتنا السياسية التي لن تسير وفق منحاها الصحيح ما لم نتقبل بعضنا البعض ضمن إطار حضاري متوافق ومتنافس في آنٍ واحد.

ولما كنّا جميعاً نعيش ونترقب في هذه الأيام حالة سياسية دولية وشرق أوسطية جديدة، قد تؤدي بأحداثها وسيناريوهاتها إلى خلق متغيرات إقليمية وأخرى داخلية قد تكون متوارثة سلبية أومستحدَثة إيجابية، فإنّ المسألة تتطلب منا التعامل معها وفق منظور رحب ومكاييل توافقية لا بديل عنها.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.