|
* مزارع شبعا: أما الآن فماذا عن الترسيم؟
صحيفة النهار اللبنانية - الاثنين 04 آب/ أغسطس 2008
ماري غنطوس
تجدد الاهتمام بموضوع مزارع شبعا بعد غيبوبة دامت نحو سنتين.
ويبدو ان المجتمع الدولي عاد إلى العقل والى القانون وبدأ يقر
بأن مزارع شبعا هي أرض لبنانية. فيبقى السؤال حول الخط الذي
يجب اعتماده من أجل ترسيم الحدود اللبنانية - السورية في تلك
المنطقة وربما أيضا الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.(1)
وللقيام بعملية تحديد الحدود وترسيمها يجب الارتكاز أولا على
مبدأ قانوني يقتضي اعتماده، تتأتى منه الآثار والقواعد التي
ستؤمن حل المسألة.
المبدأ الواجب تطبيقه
يوجد في القانون الدولي العام وسائل عدة لتحديد الحدود بين
دولتين. يمكن الدول أن تتفق على خط معين بموجب معاهدة توقع
ويصادق عليها أصولا وتكون عندها المعاهدة هي مصدر الحق،
والقانون السائد بين الأطراف المعنيين بموجب مبدأ
pacta sunt servanda.
ولكن في الحالات التي لم تحدد الدول المعنية حدودها بإرادتها
بل إن السلطة التي كانت تحكم تلك الدول (دولة مستعمرة، انتداب،
حماية، الخ...) هي التي تولت وضع الحدود قبل حصول هذه الدول
على استقلالها، فهناك مبدأ آخر يطبق – في غياب أي مبدأ آخر أي
par défaut
- يسمى باللاتينية uti possidetis
juris
وهذا يعني "أنكم تحوزون ما حزتم سابقا". وبحسب هذا المبدأ، فإن
الحدود المعترف بها دوليا هي حدود "موروثة" عن السلطة الحاكمة
السابقة على اثر توارث للدول
succession d’états،
تحولت بموجبها الحدود الداخلية الإدارية حدوداً دولية. إن
الحصول على الاستقلال والقبول بالحدود الموروثة يكرسان حالة
واقعية ويحولانها إلى حالة قانونية. ويصبح للحق في السيادة
الصدارة على الممارسة الفعلية للسلطة (les
effectivités)،
وتصبح الممارسة الفعلية للسلطة غير قانونية إذا كانت مخالفة
للحق كما هو في الأصل.
أما إثبات الحق، فيتم باللجوء إلى القانون الداخلي للدولة، أي
القانون الدستوري و القانون الإداري، خلافا لحالة المعاهدة حيث
يجري اللجوء إلي القانون الدولي. ويجب تالياً استخلاص نية
السلطة الحاكمة في خصوص الإقليم المعين من خلال تصرف هذه
السلطة تجاه هذا الإقليم قبل تاريخ الحرج، أي تاريخ الحصول على
الاستقلال. كما يشكل تصرف الدول المعنية بعد حصولها على
الاستقلال دليلا على ما اعتبرته داخلا ضمن إطار سيادتها أم
خارجا عنها.
بناء على هذا المبدأ، يجب البحث عن نية الدولة الفرنسية
المنتدبة أولا، ومعرفة ما إذا كانت "أعطت" منطقة مزارع شبعا
للبنان أم أنها أعطتها لسوريا. ويجب تاليا البحث عن الإثبات في
الوثائق الديبلوماسية العائدة الى فترة الانتداب الفرنسي على
لبنان. ومن الوثائق التي تم العثور عليها، تمكنا من معرفة
وقائع هي ان الدولة الفرنسية كانت تعتبر مزارع شبعا جزءاً من
السيادة اللبنانية. فلقد جرى تحديد هذا الإقليم المعين بوضوح.
إلا إن الحدود اللبنانية – السورية في هذا الإقليم لم تكن
مرسّمة، وبقيت الحالة على هذا الشكل حتى اليوم. وتجدر الإشارة
إلى أن الترسيم ليس إلا عملية مادية تشكل تنفيذا لعملية
التحديد "القانونية".
إثبات الامتداد الجغرافي لمنطقة مزارع شبعا
يبقى السؤال عن طريقة معرفة امتداد هذا الإرث جغرافيا، خصوصاً
أن مساحته غير معروفة بشكل أكيد حيث ان الأمم المتحدة تقدم
رقما منخفضا فيما تقدر الدولة اللبنانية هذه المساحة نحو 200
كلم2.
وتجدر الإشارة إلى ان أعمال التحديد والتحرير في منطقة شبعا قد
اختتمت وان كل العقارات تحمل أرقاما في السجل العقاري. إلا ان
مساحة العقارات غير معروفة وهذه العملية هي عملية فنية
طوبوغرافية بحتة. فالمساحات المصرح عنها من الأهالي هي عموماً
أقل من الأرقام الحقيقية بهدف تفادي دفع رسوم انتقال عالية.
ومن هنا التباين في تقدير المساحة الإجمالية للمنطقة التي
تحتلها إسرائيل.
وبالعودة إلى الوثائق الموجودة في أرشيف الدولة الفرنسية
العائدة الى الانتداب، هناك مستند مهمّ ترافق مع أحداث جرت في
هذه المنطقة، يمكِّننا من معرفة النطاق الجغرافي للمزارع، هو
كناية عن رسم باليد وضعه المستشار الإداري الفرنسي للبنان
الجنوبي بيار بارت في 10 تشرين الثاني 1937 (مراجعة الرسم).
وفي اعتقادنا ان المبدأ الذي يجسده هذا الرسم هو الذي يجب
إتباعه اليوم من اجل حل سلمي وعادل لمسألة مزارع شبعا إذ انه
يعبر عن موقف السلطات الفرنسية من الموضوع.
يظهر هذا الرسم بوضوح ان الحدود الشرقية للبنان في هذه
المنطقة، التي اعتمدها الأهالي في القرى الحدودية - جباتا
الزيت في سوريا و شبعا في لبنان - تتبع خط وادي العسل. وليس من
المفترض أن يكون هناك إشكال في هذه النقطة. فكل ما هو شرق وادي
العسل يقع في الأراضي السورية وكل ما هو غرب هذا الخط هو ضمن
الأراضي اللبنانية. ولكن على الدولتين اللبنانية والسورية أن
تتفقا على ممر الخط الذي يجب اعتماده: فهل يمر في خط الوسط أم
يتبع خط التالويغ thalweg
أو خط القعر أو خط يمر على إحدى ضفتي الوادي؟ فوحدهما الدولتان
المعنيتان ستعطيان الأجوبة الملائمة.
أما الحدود الجنوبية لهذه المنطقة، فهي تقع بعد قرية النخيلة
الخارجة عن نطاق المزارع والتي ليس من التباس حول هويتها. ولكن
أين تقع تلك الحدود؟ وهل تصل الأراضي اللبنانية إلى حد خط 1923
المعروف بخط نيوكومب – بوليه الذي رسم الحدود بين الانتداب
الفرنسي والانتداب البريطاني؟
إذا ما نظرنا جيدا إلى رسم بيار بارت، نلاحظ ان هناك أراضي
تمتد ما بين قرية النخيلة وخط 1923 لا تدخل ضمن نطاق الأراضي
اللبنانية لكنها تبدو تابعة للسيادة السورية. وفي النتيجة لا
تكون للبنان حدود مشتركة مع إسرائيل في المنطقة الواقعة شرق
نهر الحاصباني بل تكون هناك حدود إسرائيلية – سورية. بحسب هذا
الرسم، يفصل خط 1923 بين سوريا وإسرائيل فيما يفصل خط آخر بين
سوريا ولبنان. وهذا خط آخر يجب ترسيمه على ايدي الدولتين.
إن هذه النظرية محتملة قانونا ولقد لاقت تطبيقا لها في ما بعد.
بالفعل، هناك معلومات يقتضي التأكد منها تفيد ان الأمم المتحدة
على أثر قيامها بمهمة إعادة ترسيم الحدود عام 1949، أدخلت
السوريين إلى هذه المنطقة عام 1950 تحديدا. فإذا تأكدت
المعلومة، شكلت دلالة قوية لاعتماد الأمم المتحدة على نظرية
بارت أو على تلاقٍ في الرؤيا. كما ان الرسم يبرز قرية مغر شبعا
في الأراضي السورية وهذا ما اعتمدته المحكمة المختلطة
اللبنانية – السورية لما أصدرت حكما في تاريخ 27 آذار 1946
يؤكد السيادة السورية على قرية مغر شبعا وتكون المحكمة قد
اتبعت أو تلاقت في الرأي مع المبدأ الذي وضعه بيار بارت.
من جهة أخرى، قد تفسر تلك النظرية قسمة قرية الغجر قسمين
واحداً سورياً والآخر لبنانياً، كما تفسر لماذا لم تجد الأمم
المتحدة لدى ترسيمها للحدود عام 1949 نقطة التلاقي الثلاثية
بين الحدود اللبنانية - السورية – الإسرائيلية، فهذه النقطة
غير موجودة، وتفسر أيضا هذه النظرية تأكيد إسرائيل أنها وجدت
عناصر سورية لدى احتلالها هذه الأراضي.
إن إتباع مبدأ الحدود كما هو بارز في رسم بيار بارت يعطي
تماسكا لعدد من الوقائع تبدو غريبة إذا ما أخذت وحدها.
وقد تبقى منطقة صغيرة بين سوريا ولبنان يمكن أن يطرح ترسيمها
إشكالا وهي تقع في شمال الخط الذي يتبع وادي العسل، عندما
ينحرف هذا الخط شمالا – غربا. إن طبيعة هذه المنطقة الجبلية
العالية وعرة جدا وستتطلب عملية الترسيم مهارات فنية عالية،
كالتي تطلبتها عملية ترسيم الحدود بين دولتي الارجنتين وتشيلي
في جبال الأند La Cordillière des
Andes.
أهمية اعتماد مبدأ uti possidetis
juris في الشرق الأوسط
طبق هذا المبدأ الذي يحوّل الحدود الداخلية الإدارية إلى حدود
دولية للمرة الأولى في القارة الأميركية عند ظهور جمهوريات
أميركا اللاتينية بعد اندثار الاستعمارين الأسباني والبرتغالي.
كما اعتمد مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في القارة
الآسيوية بين الهند وباكستان. ثم توسع اعتماده فطاول القارة
الإفريقية مع موجة التحرر من الاستعمار في الستينات. وتجدد
اعتماده ولو بشكل غير معلن في القارة الأوروبية في التسعينات
على اثر انهيار الاتحاد السوفياتي وظهور جمهوريات جديدة تبنت
بالنهاية الحدود الإدارية التي وضعتها الدولة السابقة.
والسؤال الذي يطرح هو حول إمكان تطبيق هذا المبدأ على حدود دول
الشرق الوسط التي ظهرت بعد انهيار الدولة العثمانية أو التي
حصلت على استقلالها بعد نهاية الانتداب وأنظمة الحماية في
المنطقة.
في الواقع، إن الدول التي كانت ترفض رفضا قاطعا اعتماد الحدود
"الموروثة" كالمملكة العربية السعودية وقعت معاهدات اعتمدت
الحدود الإدارية التي كانت تعتمدها الدولة العثمانية (مثلا،
السعودية واليمن)، أو التي وضعها الانتداب (لبنان وسوريا –
لبنان وفلسطين / إسرائيل). ووحده الخروج عن المبدأ يجب أن يتم
بموجب معاهدة خاصة الامر الذي قد لن يغني عن اللجوء إلى
معاهدات ترسيم (وليس تحديد) اذا كان ذلك ضروريا.
وفي القضايا التي تم فصلها أمام محاكم دولية، تجدر الإشارة إلى
ان الدكتورة روث لابيدوث، الاختصاصية الإسرائيلية في القانون
الدولي والعضو في المحكمة التحكيمية التي فصلت في قضية طابا
بين مصر واسرائيل، وبعدما أبدت رأياً مخالفاً في الحكم، طالبت
بحماسة واقتناع بتطبيق هذا المبدأ. من جهة أخرى، أكدت المحكمة
التحكيمية التي نظرت في قضية دبي – الشارقة ان المبدأ مطبق بين
البلدين. ولقد طالب اليمن بتطبيق المبدأ خلال الدعوى على
اريتريا.
إننا نعتبر ان تبني هذا المبدأ في الشرق الأوسط بشكل واسع قد
يدعم السلم والاستقرار في هذه المنطقة ويساعد في إيجاد حلول
للأزمة بين سوريا وإسرائيل إذ إن الاحتلال لن ينتج حقوقا. وقد
تستفيد الدولة الفلسطينية أيضا من تطبيقه. فوحدها الخطوط
"الموروثة"، أي المقررة بمعزل عن إرادة الشعوب والدول المعنية،
تكون الحدود الشرعية وكل تغيير لهذه الحدود يجب أن يتم
بالاتفاق وليس بالقوة. وبذلك يلاقي المبدأ الأهم في القانون
الدولي العام، وهو مبدأ تحريم اللجوء إلى القوة، دعائمه
ومعناه.
إن اعتماد مبدأ uti possidetis juris
في الشرق الأوسط لن يشكل دواء مضاداً
للحروب والأزمات، لكنه حل حكيم حسبما وصفته محكمة العدل
الدولية ولا يمكنه إلا إن يخدم القضية التي من اجلها يناضل
المجتمع الدولي، وهي قضية السلم والاستقرار في الشرق الأوسط.
(•) محامية بالاستئناف وأستاذة جامعية، دكتوراه في القانون
الدولي العام (باريس 2)، مؤلفة كتاب بعنوان "الوضعية القانونية
لمزارع شبعا في إطار القانون الدولي العام المطبق على الدول
الحديثة المنشأ"، مديرة معهد حقوق الإنسان في نقابة المحامين
في طرابلس.
(1) إن كل المراجع موثقة في مؤلف "الوضعية القانونية لمزارع
شبعا في إطار القانون الدولي العام المطبق على الدول الحديثة
المنشأ"، بيروت، مختارات، 2005. |