|
* حديث المقهورين
موقع أخبار الشرق – الاثنين 4 آب/ أغسطس 2008
جهاد صالح - بيروت
حين تصبح الأرض بورا وميتة، نتيجة الجفاف واحتباس المطر، إلى
جانب كتم الحريات من قبل السلطة، يدخل الإنسان في محراب ظلمين،
ظلم الطبيعة وظلم الحاكم. فيقرر إما الوقوف في وجه كليهما، أو
الرحيل عبر متاهات الزمن والجغرافيا في سبيل الحصول على معيشة
مقبولة وحياة حرة بعض الشيء؟
أحمد، الطفل الذي لم يبلغ الثالثة عشر من العمر يحمل حقيبته
ويقف في طابور كبير كغيره من السوريين الفقراء، الذين اكتظوا
على نقطة المصنع الحدودية لأجل العبور إلى لبنان، والحصول على
عمل يبقيه ويبقي أهله على قيد الحياة. يكبر في عينيه البريئتين
خوف من مستقبل مجهول. كانت العشرات من العائلات تقطع الحدود
السورية اللبنانية يوميا، وأكثرها من الأكراد المضطهدين في
جميع مجالات الحياة.
هؤلاء الأكراد هم من مناطق الجزيرة وعفرين وكوباني، بسبب
الجفاف القاحل، إلى جانب سياسات الحكومة السورية الممنهجة بحق
القومية الكوردية، ومحاولاتها إفراغ سوريا من كوردها عبر ثقافة
التجويع والتفقير، والتي زادت وتيرتها في الأشهر الأخيرة بعد
أن بلغت التظاهرات الكوردية حدا أثار الرعب والخوف في قلب
النظام وأجهزته القمعية، ولم ينفع الاعتقال والسجن والقتل
والتعذيب معهم، ولا قرار مكتب الأمن القومي الأخير إلى الأحزاب
الكوردية بمنع القيام بالتجمعات أو الاحتفالات أو التظاهر.
أعلنت المعارضة الكوردية المنطقة الكوردية في سوريا (منطقة
كوراث غذائية) ستجلب معها نتائج مخيفة إن لم تعالجها السلطات
فورا؟
فكيف تعالج السلطات السورية مشكلة غذائية هي التي تساهم في
تفعيلها وتسخيرها سياسيا لمصلحتها الشخصية، ودفع الناس إلى
النزوح والهجرة، والتهرب من توفير لقمة العيش والعمل للمواطن
السوري عبر الوطن كله؟
الأكراد نزحوا نحو الداخل السوري وتجمعوا في مخيمات في ريف
دمشق والساحل ودرعا وحمص، وكأنك تشهد حربا ما.
أما في لبنان فتجد الآلاف منهم في كل مكان ويعملون في كل شيء،
حتى إن الذين يقيمون في منطقة الضاحية حيث سيطرة "حزب الله"،
يتم استهلاكهم كعناصر بشرية يستفيد منهم "حزب الله" كموالين
للحزب، عبر تقديم مساعدات مادية للعائلات الكوردية، وتجنيدهم
كأعضاء داخل الحزب يمكن الاستفادة منهم في المستقبل. وقد
التقيت بالبعض منهم الذين أبدوا موالاتهم لـ"حزب الله" وأمينه
العام نصرالله، والكثيرون منهم أصبحوا ضمن ثقافة التشييع؟؟؟
نوري البالغ من العمر 40 عاما تزوج من فتاة شيعية من أنصار
"حزب الله"، هو بدوره أصبح رفيقا لهم ومواليا يدافع عن نصرالله
وحزبه، نتيجة تقديمهم له نقودا ومصاريف مدرسية لأطفاله.
أما حسين 30 عاما والذي أصبح شيعيا فيقول: ما يهمني ككوردي هو
حياتي وأن أعيشها بشكل جيد، وما دمت أجد دعما من شيعة بيروت
و"حزب الله" فما علاقتي بالأحزاب الكوردية، و"حزب الله" مثله
مثل حزب العمال الكردستاني، يقاوم في سبيل قضية شريفة!
الطفل كوران 14 عاما والذي لا يدرك شيئا من السياسة، تعرض
لتمييز عنصري حين أراد العمل في محل لتركيب الألمنيوم، فرفضه
صاحب العمل الأرمني لكونه كورديا، حيث أن بعض الأرمن يعتبرون
أن الأكراد كان لهم يد في مجازر تركيا بحق الأرمن عام 1919.
أبو دلو كوردي مجرد من الجنسية السورية، أصبح في العقد الرابع
من العمر وله زوجة وثمانية أطفال صغار، يسكن في غرفة صغيرة
ويعمل ناطورا ليل نهار. يقول:
اعتقلت في انتفاضة قامشلي 2004 بسبب مشاركتي بالمظاهرات، وبعد
ستة أشهر من السجن والتعذيب أطلق سراحي ولم أجد أي عمل استطيع
من خلاله اطعام عائلتي، فخرجت من سوريا بشكل سري عبر سائق
سيارة مقابل مبلغ كبير من المال، وأشكر صاحب المبنى الذي وفر
لي عملا ومسكنا رغم أن إقامتي غير شرعية في بيروت، كوني لا
أملك وثائق شخصية.
دلدار، الفتاة الجميلة 20 عاما. لم تستطع متابعة دراستها في
الجامعة، جاءت إلى بيروت مع أخيها، وتعمل في ورشة خياطة بسبب
الفقر والحاجة تقول: اعتقد أن النظام هو السبب الرئيس في مأساة
السوريين عامة والأكراد على وجه الخصوص، لأن وطننا سوريا يعتبر
أغنى الدول في الشرق الأوسط، ولكن لأن اللصوص وحدهم يحصلون على
خيرات الوطن يبقى الشعب محروما من كل شيء.
كثيرن من الأكراد تجدهم في شوارع بيروت وغيرها من المناطق
اللبنانية يعملون في ظروف صعبة جد. باتوا ضحايا الهوية
والانتماء القومي، في ظل نظام يقتل ويأكل لحم ضحاياه ومواطنيه
لأتفه الأسباب، ولا يهمه عمليات النزوح والهجرة، ففي النهاية
يبقى هو سيدا مهيمنا على الوطن وخيراته، وإن أصبح السوريون
كلهم جياعا فلا يهم؟
مشكلة خطيرة يعيشها ويعانيها مواطنو سوريا كوردا وعربا، الجزء
الأكبر يتحمله نظام دمشق، والمسؤلية السياسية والأخلاقية
تتحملها قوى المعارضة السورية التي يجب أن تجد حلا لهذا النزوح
الخطير والمخيف، وتضغط على النظام الحاكم بأي شكل كان في سبيل
تأمين معيشة لائقة بالإنسان السوري، كمواطن له حقوق ومكتسبات
يضمنها الدستور والقوانين |