|
* الجولان ولعبة الخيارات الإسرائيلية
صحيفة البيان الإماراتية - السبت 02 آب/ أغسطس 2008
علي بدوان
رافق الحديث عن المفاوضات غير المباشرة السورية الإسرائيلية
تحت الرعاية التركية، موجة كبيرة من التحليلات والرؤى السياسية
المتباينة، والمتناقضة أحياناً، وبلغ بعضها حداً من التفاؤل،
بينما اتجهت غالبية التحليلات والتقديرات للقول بأن ما يجري من
مفاوضات غير مباشرة سورية إسرائيلية تحت الرعاية التركية، لا
يعدو أكثر من مشاغلة للوقت، فأين الحقيقة من ذلك؟
ترجح المصادر الداخلية الإسرائيلية وجود مبررات قوية تدفع صناع
القرار للتوجه إلى إعادة إحياء العملية التفاوضية على المسار
السوري الإسرائيلي، وذلك في سياق جملة من الأسباب التي يبديها
المحللون والمتابعون، وهي أسباب كامنة في حقيقة أن هناك قبولاً
إسرائيلياً يتأتى بشكل ما كل يوم لدفع ثمن اتفاق مع سوريا
قوامه إعادة الجولان المحتل، وأن هناك استعداداً في الرأي
العام الإسرائيلي للقبول به مقابل سلام مع سوريا.
ويشار هنا إلى حقيقة أن المستوطنين المستعمرين الإسرائيليين في
الجولان، في قطاع واسع منهم، لم يأتوا من أيديولوجيا استيطانية
توراتية بقدر ما ذهبوا إلى حيث هم في مستعمرات بعيدة عن الجوف
الداخلي في الضفة الغربية والقدس.
حيث يدير الفلسطينيون معركة مواجهة الاستيطان الجائر، كما أنها
مستعمرات نقية الهواء ومرفّهة بعيدة عن التلوث والضجيج. وفيما
مضى أعلنت نسبة عالية منهم في استطلاعات للرأي استعدادها لدفع
الثمن ـ من ناحيتها ـ لقاء سلام مع سوريا، بالانتقال إلى داخل
فلسطين المحتلة عام 1948.
وبمعنى ما، ستكون إعادة الجولان لأصحابه أسهل بكثير من فكرة
إعادة الضفة الغربية والقدس للسلطة الوطنية الفلسطينية، الأمر
الذي يقودنا إلى حقيقة كون الاستحقاق السوري بالنسبة لإسرائيل
والإسرائيليين، أقل وطأَة وكُلفة على الجبهة الداخلية من
الاستحقاق أو جملة الاستحقاقات المطلوبة فلسطينيا.
هذا في حين يراهن بعض مصادر القرار في إسرائيل وبعض
الأكاديميين الإسرائيليين المختصين بالشؤون الاستراتيجية، على
أن العودة لـ»الخيار السوري« تحمل قِيماً ومكاسب إضافية
لإسرائيل، تتعدى الاتفاق الثنائي بين سوريا وإسرائيل،
مثل إضعاف المفاوض الفلسطيني بإبقائه وحيداً وأخيراً في
الميدان، أو إضعاف قوى المقاومة الفلسطينية بشكل عام عبر تحييد
حليفها الإقليمي أو بتر الصلة معه، فأي اتفاق سلام مع سوريا من
الوجهة الإسرائيلية سيؤثر بطريقة غير مباشرة على »الحلبة
الإسرائيلية ـ الفلسطينية لجهة تحقيق المزيد من إضعاف
الفلسطينيين واستنزافهم في مفاوضات سقيمة، وفصل دمشق عن طهران
وحزب الله«.
ومن جانب آخر، فإن العودة لنغمة إحياء المسار التفاوضي السوري
الإسرائيلي، لا تخلو من الأهداف الاستثمارية الداخلية
الإسرائيلية، وذلك في سياق ما يجري من سجالات وصراعات حزبية
داخل ائتلاف حكومة حزبي (كاديما + العمل) من جانب.
وفي مواجهة زعيم الليكود بنيامين نتانياهو الرابض في مواجهة كل
من إيهود أولمرت وإيهود باراك ثانياً. فالاعتبارات السياسية
الحزبية تأتي وحزبا العمل وكاديما غارقان في أزماتهما الداخلية
العسيرة، بينما تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل اتساع
مدى النتائج المتوقعة لاحتمالات توزيع المقاعد في الانتخابات
القادمة، في إشاراتها إلى رجحان كفة الليكود على حزبي كاديما
والعمل في آن واحد.
وفي هذا السياق فإن شريك أولمرت الرئيسي في الائتلاف الحكومي،
زعيم حزب العمل الجنرال ايهود باراك، الذي يحظى بتأييد حازم من
هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، وبمساعدة الشاباك، صرح
مراراً في الآونة الأخيرة بأنه يعتقد أن »الجهد السياسي يجب أن
يجري في القناة السورية تحديداً.
بينما يتعين إدارة الجهد على القناة الفلسطينية بحذر وعلى نار
حامية«. ويساند باراك في وجهة نظره وتقديراته المؤسسة الأمنية
التي تقرر بأنه »توجد الآن فرصة جيدة وضرورة حقيقية للتوصل إلى
اتفاق سلام ملزم مع سوريا، وهو اتفاق يكون قادراً على توفير
البضاعة، في مقابل الحصول على تنازلات جغرافية«.
فبعض الإسرائيليين من مختلف التيارات خصوصاً من أطراف اليمين،
يعتقدون بأن الثمن الذي ستحتاج إسرائيل لدفعه للسلام مع
الفلسطينيين، سيدفع الحالة الإسرائيلية الداخلية إلى شقاق
وتمزق سياسي ـ عقائدي داخلي عميق. أما مع سوريا، فإن الأمر
يتطلب اتفاق سلام فقط، مع إخلاء هضبة الجولان، و»توفر إمكانية
إقناع مستوطني الهضبة وحل مشكلتهم وترحيلهم منها«.
وبالطبع فإن التقديرات الإسرائيلية السابقة الذكر لا تعدو سوى
أوهام خاطئة تحلق في فضاء الهواء، فالموقف السوري ما زال
متماسكاً ومستنداً لمطالبه بشمولية الحل، بما في ذلك إيجاد
وتقرير الحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يتواجد
نصف مليون منهم فوق الأراضي السورية منذ عام النكبة. |