يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* "باب الحارة".. و"حارة القهر" (3/3)

بقلم: نوال السباعي *

موقع أخبار الشرق – 31 تموز/ يوليو 2008

حسما للجدل ينبغي إيضاح أمور: أولها أن كتابتي عن "باب الحارة" الآن مصدره توضيح بعض النقاط الخطيرة في "ظاهرة" هذا الاقبال الشامي على المسلسل بين يدي رمضان القادم الذي أصبح وللأسف شهر المسلسلات!، وثانيها أن المسلسل بما أثاره من اهتمام شعبي يستحق الوقوف عنده والتفنيد والدراسة كظاهرة اجتماعية، وثالثها أن نقد المسلسل والكلام فيه لا يتعلق في هذه المقالات الثلاث ببناء العمل الفني ولكن بمنظومته الفكرية والتربوية والثقافية، التي وجدت لها أصداء جدّ لافتة في المجتمع الشامي المعاصر نتيجة الإسقاط النفسي الذي أحدثه هذا العمل على ضمير الناس وذاكرتهم الجماعية.

لعل التفسير الأليق لهذه "الظاهرة" نجده وبتوسع بمراجعة كتاب "التخلف الاجتماعي /مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور"  للدكتور الأستاذ "مصطفى حجازي"، الذي يسلط الضوء بجلاء على أننا نقطن "حارة القهر" ولذلك وجدنا أنفسنا في "باب الحارة"!  وجد الناس جذور منطلقاتهم السلوكية اليومية في حياتهم المعاصرة التي لم يتغير فيها الكثير إلا ما تعلق بالظواهر التي قلدنا فيها الغرب تقليد الببغاوات، أما إن شققنا عن الصدور لوجدنا في "باب الحارة" جذور كلامنا المعاصر، آليات تفكيرنا الراهنة، ما نحب وما نهوى، ما زلنا نحنّ إلى تلك الشخصيات التي تتسلط على حياتنا وتلغي كل قدرتنا على الاختيار وحمل المسؤولية وما يترتب عن ذلك من أعباء التفكير وتقرير المصير، ما زلنا نتخبط بطريقة أليمة بين "الاسلام" حضارة راقية، وبين ما توارثناه من "عادات وتقاليد" منحطة لا تمت إلى الإنسانية ولا المنطق ولا الحضارة بصلة، ولكننا على الرغم من ذلك لا نجرؤ على نقدها ولا الانتقاص منها لأننا ربطنا بينها وبين الدين وجعلناها دينا محضا في أنفسنا وفي سلوكياتنا، وإلا فأروني ماذا في باب الحارة من أخلاق الاسلام أو حضارته أو تعاليمه؟!

في الواقع ما كنت أحب إطلاقا أن أخوض في هذه المخاضة، ولكن الترويج للجزء الثالث من المسلسل وضعني أمام مسؤوليتي في كشف ما أرى على الأقل، والذي يعتبر مخالفة صريحة لما يراه معظم الناس من أهل الشام أردنيهم ولبنانيهم وفلسطينيهم وسوريهم، الذين وجدوا أنفسهم أمام هذا المسلسل وجها لوجه عراة أمام حقيقة ما يظنون وما يفكرون وكيف يفهمون الأمور ويرونها، كما قال الدكتور "نبيه القاسم" في مقاله الساخر المتميز (باب الحارة وتعرية الذات) والذي اطلعت عليه في موقع الكتروني يدعى "شبابلك" أثناء بحثي فيم كُتب حول هذا المسلسل، ولكن ما يثير الاهتمام ليس المقال المتميز فحسب، ولكن الردود الهمجية التي هاجم فيها أصحابها الدكتور نبيه أن أبدى رأيه في مجرد مسلسل!! ذكرني هذا ببعض الإخوة والأحباب من السوريين المقيمين معي في أوربة، ما يبدأ الواحد منا "أهل الفزلكة" بنقد شيء يخص حياتنا أو طريقة تفكيرنا أو ما تعلق بعاداتنا القميئة وتقاليدنا الشاذة التي يعتبرها كثيرون دينا منزلا، إلا وتنهال عليك الشتائم غير المباشرة والاتهامات غير المقنعة بأنك خائن وعميل ومرتزق وتساعد العدو وتخدمه ضد أهل بلادك الذين تنتقدهم!! هذا القهر الذي ينتقل من أعلى الهرم إلى أسفله بطريقة "الدومينو"، وبالضبط كما يتهم مجعجعو الفضائيات من الناطقين باسم السلطات السياسية كل معارض بأنه عميل مدسوس وجاسوس مدفوع الأجر!! بالضبط بنفس الطريقة اتهم الناس كل من خالف رأيهم في "باب الحارة " - ولم يكن بين أصحاب الفكر والرأي ومن كل الاتجاهات ممن أعجبه باب الحارة إلا قلة نادرة! - إنها أعظم تجليات القهر في النفس الانسانية: إلغاء الآخر وتجريمه والعجز ليس عن الحوار معه فحسب، بل عن مجرد الاستماع إليه ومجرد التفكير فيم يقول.

إنها ثقافة القهر العام التي يعيشها المواطن، متقوقعا على ما توارثه من قيم دون أن يستطيع حتى أن يتجرأ بينه وبين نفسه على انتقاد شيء مما يدور حوله من تهاويل وطقوس اجتماعية تسحق انسانية الانسان وتحيله إلى كائن في قطيع لا يفكر بالانفكاك عن قوانينه الطبيعية! ولا تجد في هذ السياق الخطير إلا لغة الانفعالات، كما يقول الدكتور حجازي في كتابه: "فطغيان الانفعالات ظاهرة مألوفة في الأزمات، ولكنها عند الإنسان المتخلف، تكاد تكون الأسلوب الأساسي في الوجود، لأنه بالتحديد يعاني من أزمات مزمنة، تتخذ طابع المأزق المعيشي، الذي لا يرى لنفسه خلاصاً منها. هذا المأزق يجعله يعيش حالة دائمة من التوتر الانفعالي الذي ينبث في حنايا شخصيته، معطلاً القدرة على الحكم الموضوعي، والنظرة العقلانية".

إنه أبلغ تجليات القهر الاجتماعي قبل السياسي، اختلط السياسي بالاجتماعي في بوتقة القهر الذي نعيشه: الزوج يسرق أموال زوجته، والأخ ينتهب أموال إخوته وأخواته ويحرمهم من كل حقوقهم باسم العادات والتقاليد التي أنزلها الناس منزلة النصوص الشرعية، بل إن أية محاولة لرد الناس إلى شرعهم يجعل منك كافرا ومارقا ومرتدا، ألغيت أهلية المرأة الشخصية والمالية التي منحها الله للمرأة في الاسلام باسم عادات تركية ورثناها عن عهد الانحطاط العثماني، و"لا ينبغي للمرأة أن تخرج عن مشورة الزوج والأخ والابن" حتى في الحقوق الإلهية التي منحها الله لها بنص القرآن!! ألغيت حقوق النساء والبنات والأخوات بتطبيق غبي خاطئ لآيات المواريث العظيمة، وطبق حكم وراثة الأموات على هبات وعطايا الأحياء!! وما ألزم به القرآن الرجال من قيام على النساء ورعايتهن أَلزم به الرجال النساء حكما وقهرا وإرغاما، وكأنه لا يمكن للرجل أن يرعى المرأة مع حفاظه على احترامها وكرامتها وحريتها وإنسانيتها!! أتينا بدين غير ديننا وكبلنا الناس به وهو من الدين براء، وكرسنا ذلك كله باسم الاسلام، فعن أية عادات وتقاليد نريد أن ندافع؟! وكيف يمكن لمن في رأسه ذرة عقل أن يعتبر أن "باب الحارة" مسلسل اسلامي!؟

في أي شرع  تلزم المرأة بتغطية شعر رأسها في بيتها طيلة ساعات الليل والنهار مخافة أن يأتي أخو الزوج فيراها حاسرة الرأس؟! وبدلا من أن ننعي باللائمة على الحمو – الشديد بالصرعة!-  الذي كانت قد تضخمت الأنا عنده إلى حدّ مرضي يثير التقزز والشفقة!! والذي لم يتخذ الأسباب الكافية لدى دخوله منزل الأسرة كأن ينادي إحدى محارمه لتؤكد لبقية أهل الدار دخول الرجل – "العظيم" – عليهم، يقوم كاتب الحوارات بمعاقبة الصبية التي كانت منهمكة بمهنة أهل الدار!! وقد اعتبر النص الدرامي قيام هذا "المخلوق المختل" بسباب الفتاة وشتيمتها وشتيمة أهلها أمرا عاديا  بل ونعى باللائمة عليها وعلى تربيتها في ذلك الخلاف الذي نشأ بين الأخوين! فهي المرأة وهي الأضعف في هذه السلسلة من العلاقات غير الطبيعية، وهي التي لا تجد من يدافع عنها، بل لقد أصبحت أمها التي انتصرت لكرامة ابنتها وشرفها "شريرة الحي" التي يجب أن تحرق كما كانت تحرق "الساحرات" في حقبة السقوط الأندلسي!! الأعجب والأغرب.. أن كل من حاورتهم ممن حولي في الموضوع، كلهم دون استثناء نعوا باللائمة على الفتاة وأمها!.. وقالوا: لقد تقصدت أن يراها أخو زوجها دون حجاب!! شككت في قدرتي على الفهم، وسجلت تلك الحلقة وأعدت رؤية ذلك المشهد خمسة مرات، إنها لملفتة للنظر والتساؤل قدرتنا على تلفيق الواقع، وقصورنا عن فهم الأشياء، وإسقاط أمراضنا النفسية والعقلية على كل ما نسمع ونرى! هذا هو بالضبط ما استحق النقد والدراسة في "باب الحارة"!!، وهذا هو بالضبط ما أثار اهتمام بعض الدارسين فيم يتعلق بهذا المسلسل!! كيف يمكن لشعب كامل أن يرى بنِيَّته وأن يسمع بخلفيته الثقافية المرضية وأن يعيش من خلال مسلسل كل أنواع الخلل النفسي والاجتماعي الذي استصحبه معه منذ مائة عام يبحث عن مخرج ولا يجده؟!

 لم يكن المسلسل هو ما استثار الباحثين كعمل فني، ولكن هذه الاستجابة الشعبية الغريبة لصورة مغرقة في التخلف والمرض عن أنفسنا وحياتنا ووجودنا.

لم يكن "باب الحارة" هو "الظاهرة"، لقد كان اكتشافنا المبهر لحدود وجودنا الثقافي والانساني والحضاري اليوم في "حارة القهر" نكرس كل ما فيها، حتى الأذى والقهر في أقسى أنواعه، القهر الاجتماعي الذي يلون الحياة بلوني الأسود والأبيض فقط، ويلغي الآخر تماما، ويترك المجال واسعا لاستعمال اللغة الوحيدة التي يفهمها أولئك الذين سمحوا لأنفسهم بالإقامة الاختيارية في حارات القهر وأبلغ أنواع سوء المعاملة، والتي على رأسها سوء معاملتهم أنفسهم بتعطيل عقولهم عن التفكير.

__________

* كاتبة سورية

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.