يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* أوهام وحقائق في بحث العلاقة اللبنانية - السورية

صحيفة الحياة اللندنية - الخميس 31 تموز/ يوليو 2008

أحمد جابر (كاتب لبناني)

نقاش الوضع السوري في لبنان هو الإسم الآخر لنقاش النفوذ السوري في التوازنات الداخلية اللبنانية. تنطلق المقاربة من الاعتراف بمقولة «ان سورية ليست خارجاً بالنسبة الى لبنان»، بل هي جزء من دواخله، وتنزل منزلة «الأهل»، لدى فريق واسع من اللبنانيين. التذكير بهذه الحقيقة، التي ما زالت تقع موقع الإنكار، من قبل قوى سياسية لبنانية فاعلة، ضروري، لأنه يعاين المصالح الوطنية، الموضوعية، لـ «البلد الصغير»، في إطارها الطبيعي الأشمل الذي لا يفيد إنكاره أو التهوين من شأنه، أو التقليل من تأثيره وتداعياته. بهذا المعنى، يصير البحث في «الوضعية السورية»، ضرورة لبنانية، لأن للبحث علاقة بتحديد الهوية، ومعنى العروبة، وطبيعة العلاقات الداخلية، بين مختلف الفئات اللبنانية، وللبحث ارتباط بالتالي، بخيارات البلد المستقبلية، وبرسم توجهات سياساته العامة، على قواعد من الاستقرار السياسي، المستند إلى تفاهمات سياسية، تضمن له «العمر المديد».

ثمة عناوين تملي استقامة النقاش استحضارها، لأنها موروثة من ماضي العلاقات اللبنانية - السورية، ومستمرة في حاضر هذه العلاقات، وفي مستقبلها... أي أنها ما زالت معلقة على سارية «الاستعصاء»، وما زالت راهنة، وتقتضي معالجة جادة لها، لأنه في غياب ذلك، تبقى «عافية» البحث مغلولة بقيود الإعلانات التعبوية والديماغوجية، المريضة.

في ميدان العناوين، ينبغي الاعتراف بأن مطلب الاستقلال اللبناني، مطلب محق وموضوعي وعادل. هذا ما يرتبه الاعتراف بواقع التطور المتفاوت لكل «تشكيلة» اجتماعية، في كل بلد من البلدان العربية، لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يجب الاعتراف أيضاً، بأن القول باستقلال لبنان، والتسليم به من جانب سورية، لا يجعل الاستقلالية اللبنانية شأناً سلساً، ولا يضع حداً «للتداخل» اللبناني - السوري في شتى المجالات. يستقيم النقاش، عندما تطرح الاستقلالية مشدودة إلى جوهر المصالح المشروعة لـ «الجارين»، ويعمّ الوضوح، عندما تبحث المصالح عارية ومجردة، من كل أغلفة «الآيديولوجيا» الزائفة.

إلى الاستقلال اللبناني، كمسألة حاسمة، يضاف لبنان «القضية» التي تواجه كل تشكيلة سورية حاكمة. لقد غلب على مقاربة الإشكال اللبناني - السوري، موقف لبناني غالب، ربط انغلاق البحث في العلاقات، بطبيعة النظام الحاكم في سورية منذ عقود، والذي يقول «نظرياً» بمرجعية حزب البعث الفكرية، ويمارس عملياً سياسات تضع جانباً كل النظريات «القومية»، بما فيها منطلقات حزب البعث ذاته. لهذا الربط بين النظام في سورية والممارسة السورية في لبنان، ما يبرره، لأن الفترة التي مضت على وجود النظام الحالي، وبعد الصراع الماضي بين أجنحته وفروعه، استهلكت معظم الوقت الذي تلا نشوء الاستقلالية السورية. إذن، كثيراً ما يقيم اللبنانيون المطابقة بين النظام الحالي، ونوع العلاقة التي «تربطهم» به، ليستنتجوا، أن استقامة الأمور مرهونة، فقط، بتغيير النظام الحاكم في سورية. يمكن القول إن نظرية لبنانية، كهذه، خاطئة، وهي تتجاهل حقائق سياسية وجغرافية وديموغرافية وتاريخية كثيرة. الأصح، أو الأقرب إلى الصواب القول، إن الموقف من لبنان، ومن تطورات أوضاعه، عنوان حساس ومهم، لدى كل «نظام سوري»، وإن التغيير الجوهري في مضمون الموقف، يتطلب إعمال الذهن في طبيعة التحولات البنيوية، التي يجب أن تطال بنية النظامين والاجتماعين، اللبناني والسوري.

تأسيساً على النظرة أعلاه، يصير عنوان كسر النظام السوري، بقوة الخارج، عنواناً خاطئاً، ومسلكاً سياسياً لبنانياً خطراً، لأنه ينطوي على مضمون كسر الوضع السوري، وتعريضه لمنوعات الفوضى، التي لا يكفي في درئها قول، هذا السياسي اللبناني أو ذاك، إن الوضع في سورية عصيٌّ على الفتنة والاضطراب وما إلى ذلك... الأدق، الاعتبار من التجربة العراقية، التي لها أخواتها العربيات، من دون أدنى ريب، والأجدى التمسك دائماً بمقولة، ان «الاجتماع العربي»، غير ناجز، وان مظاهر وحدته القسرية، لا تلغي عوامل القسمة والشرذمة الحقيقية فيه، تلك التي تنتظر أول إشارة «انفلات» لتمارس حريتها في الإمساك بأعناق «كتلها البشرية»، والارتداد بها إلى ما دون محاولات افتتاح مسيرات اندماجها الاجتماعي والوطني.

مما تقدم، أي بعد تكريس راهنية بعض العناوين، لا بد من إسقاط بعض الأوهام اللبنانية، التي تراود المخيلة السياسية في حالتي الوئام والخصام.

يقع في خانة الأوهام، افتراض تطويع الوضع اللبناني، لإلحاقه بسورية إلحاقاً سياسياً، غير جغرافي، بمعنى ترحيل القرار اللبناني الداخلي إلى خارج الحدود، وإدارة الشؤون المحلية اللبنانية من داخل العاصمة السورية، عبر وكلاء محليين، ومن خلال مندوبين أمنيين سوريين. هذا وهم أسقطته سنوات العلاقة اللبنانية - السورية العجاف. يجد الوصف هذا كل معانيه عند إعادة التدقيق في مبلغ الإصابات التي ألحقتها الممارسة «المشتركة»، بمعاني العروبة والوحدة، وبمضامين التكامل والتواصل، وبإمكانية التقدم على طريق تقديم نموذج ذي مغزى مشترك، لبقية الأقطار العربية. ما حصل كان إلحاقاً والتحاقاً، أفاد من حصيلتهما الطاقم السياسي في كل من لبنان وسورية، وكان إخفاقاً مدوياً، بعد الاضطراب الذي شهدته اليوميات اللبنانية.

في منزلة الأوهام ذاتها، تنزل مسألة إدامة الخصومة مع سورية. لنقل، في هذا المجال، إن الأساس «التاريخي»، الذي جعل الخصام سمة لفترات من العلاقة اللبنانية - السورية، قد زال بزوال معطياته الإقليمية والدولية، إذ لسنا اليوم أمام استقطاب دولي تنتمي سورية إلى أحد طرفيه، ويلتحق لبنان بطرفه الآخر، ولم نعد أمام حروب «التحرير»، وبناء «النظم التقدمية»، ومراكمة الإنجازات على طريق «الاشتراكية»، وإسقاط الأسوار أمام مد «الوحدوية والقومية»، حيث صنف لبنان كبلد «رأسمالي» معاند لكل تلك الطموحات. اليوم ينتمي النظامان اللبناني والسوري إلى الإشكالية الكيانية نفسها، ويقفان تحت مظلة «الهيمنة الرأسمالية العالمية» الواحدة، ويشتركان في أنهما دفعا الأثمان الغالية في ميدان الصراع العربي - الإسرائيلي. بكلمة، لا تستطيع سورية اليوم «الحط» من العروبة اللبنانية، ولا يستطيع لبنان، أن ينفي الحقوق السورية، عندما يتعلق الأمر بتحرير الأرض السورية المحتلة، وبالمصالح الحيوية لسورية، وبأمن هذه المصالح على المدى البعيد. نقاش المصالح يسقط لغة الخصام العامة، ويعطي الحرية الكاملة لمفردات الحسابات والأرقام، التي تضم ميزان المدفوعات، وحجم التبادل التجاري، والحاجة إلى اليد العاملة الوافدة، وترتيبات الوقاية الأمنية المشتركة ورسم الخطط الدفاعية المتكاملة، أي كل ما يرحّل لغة «الوجدان» وأحاديث «البلاغة والشعر»، إلى صفحات المعاجم العربية المتعددة. اليوم، وفي مناخ استئناف الكلام السوري - اللبناني، يتحمل الساسة اللبنانيون مسؤولية استكشاف مواضيع اللقاء، وعليهم أن يتذكروا دائماً أن كلامهم ومواقفهم وممارساتهم، حفرت عميقاً في تربة التأسيس لالتواء العلاقة اللبنانية - السورية، من موقع الالتحاق، لذلك عليهم اليوم ألا يعملوا معاولهم، في التربة نفسها، من موقع إعلان الاستقلال والدفاع عن حيثياته.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.