|
* سورية «الجديدة» بين التزام شروط كولن باول ومنازعة «حزب
الله»... «دوره» الإقليمي
صحيفة الحياة اللندنية - الخميس 31 تموز/ يوليو 2008
بهاء أبو كروم (كاتب لبناني)
بعد زيارته التي قدم خلالها لائحة المطالب والشروط الأميركية
الى الإدارة السورية عام 2003 شدد كولن باول على أن بلاده لا
تنوي مهاجمة سورية أو محاربتها ولكن على النظام السوري إذا
أراد البقاء والاستمرار في الحكم أن «يتأقلم» مع المتغيرات
الإقليمية، وبعد خمس سنوات على زيارة «باول» دمشق، وفي مقارنة
بسيطة، نجد أن جزءاً من الشروط طبّق من تلقاء نفسه أو بحكم
المواجهة مع اللبنانيين والمجتمع الدولي، وهناك شروط أخرى آخذة
في التطبيق في سياق «التعاون» الذي يبديه النظام السوري مع
الواقع الجديد في المنطقة والمعطيات التي نشأت بفعل المفاوضات
الجارية مع إسرائيل.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هل أن النظام في سورية «يتأقلم»
مع الشروط التي وضعتها الإدارة الأميركية؟ وهل هذا يعني أن
هناك تغيراً في سلوك النظام وتحولاً باتجاه الدور البناء الذي
دعته اليه الدول الغربية؟ وهل أن التباطؤ في موضوع المحكمة
الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري يعكس التجاوب الغربي
مع السلوك السوري الجديد ويقوم بتشجيعه على ذلك؟ والأهم هل أن
المشروع الأميركي في المنطقة ينهزم ويتراجع أمام محور
الممانعة؟
كل هذه الأسئلة مضاف اليها انطلاق العملية السياسية في لبنان
وتناغمها مع الحركة السورية باتجاه الغرب، والاستقرار الذي
يشهده العراق والذي يعود بجزء كبير منه الى التعاون الذي أرغمت
عليه القوتان الإقليميتان اللتان رعتا «المقاومة» في العراق أي
سورية وإيران، كل ذلك يظهر أن هناك تجاوباً سورياً مع شروط
كولن باول وهناك متابعة لاستكمال تنفيذ ذلك مباشرة أو بالوساطة
أو من خلال عدم إعاقة جهود الجهات المدعوة الى التنفيذ في حال
استعملت العصا الدولية أو الإقليمية.
تنتزع سورية دوراً إقليمياً في المنطقة في الحالين التاليتين:
في حال تصالحها واتفاقها مع الولايات المتحدة وفي حال تحالفها
مع إيران، وحصل أن تأقلم النظام في سورية مع كل حال على حدة.
فمن المعلوم في هذا السياق أن الأميركيين هم الذين أقنعوا
الاسرائيليين بضرورة لعب سورية دوراً إقليمياً في السبعينات،
وهنري كيسنجر هو صاحب الفكرة في الاستفادة من التدخل السوري في
لبنان وفي إقناع الإسرائيليين بذلك، وهو الذي ساق التفاهم
الضمني المعروف باتفاقية «الخطوط الحمر» التي وافقت بموجبها
إسرائيل على الوجود السوري العسكري في لبنان ضمن شروط وقيود
محددة.
وما يحصل هذه الأيام عكس ذلك تماماً فقد استطاعت القيادة
الاسرائيلية إقناع الإدارة الأميركية بضرورة أن تلعب سورية
دوراً إقليمياً يشكل المدخل لاستكمال التزامها تطبيق ما تبقى
من الشروط الأميركية المتعلقة بموضوع حزب الله، أو المساعدة في
ذلك على الأقل، خصوصاً ان الساحة اللبنانية المفتوحة شكلت
ميدان الالتقاء الإسرائيلي - السوري حيث فشلت الجهود الدولية
في إخضاع مزارع شبعا للقرار 1701 ووضعها تحت إشراف الأمم
المتحدة، لمصلحة إبقاء الترابط بين المسارين اللبناني والسوري
والذي يتطلب في لحظة من اللحظات جر لبنان الى المفاوضات مع
إسرائيل، بدفع من سورية هذه المرة، إذ كان لافتاً في باريس
مسارعة الرئيس السوري الى إظهار قدرته على أخذ لبنان الى هذه
المباحثات: «حين تصل المفاوضات الى مرحلة الحوار المباشر ويحصل
تقدم على المسار السوري».
لعل الكلام الكثير المتداول حول صفقة تهدف الى ضبط سورية «حزب
الله» في لبنان، يفتح شهية المراهنين على استعادة مشهد النفوذ
السوري من جديد، ولعل التوطئة بدأت تطل من خلال سلوكيات حلفاء
سورية وظهورهم بمظهر المنتصر الذي أجبر العالم بأجمعه على
التحدث مع بشار الأسد لتحقيق تقدم سياسي في لبنان، وهذا
«إنجاز» يُحتسب في سياق إبقاء لبنان متصدراً لمنظومة الممانعة
وإن أتى ذلك على حسابه وحده! لكن في الوقت ذاته هناك صعوبة في
أن يهضم اللبنانيون بمختلف أفرقائهم هذه المرة الدور الإقليمي
الجديد للنظام السوري، خصوصاً أن النافذة الإيرانية لم تفتح
أمامه بعد وأن أهدافه لا تلتقي مع أهداف وطنية لبنانية في أي
حال من الأحوال.
فاللبناني يعيش عقدة الدور الإقليمي لسورية ويعيش هاجس الصفقة
التي تطل عليه من حين لآخر، والسوري يخال لبنان حقلاً من حقول
التنازع أو التوافق بينه وبين الدول الغربية. في العام 1976
اتخذت «التوسعية» السورية من لبنان مدى طبيعياً، إذ تمحورت
السياسة الخارجية السورية كلها انطلاقاً من لبنان، وتمكنت من
السيطرة على الورقة الفلسطينية انطلاقاً من لبنان أيضاً، وفي
ما بعد اقتسم كل من سورية وإيران ورقة «حزب الله»، وبالتالي
هما تتشاركان حالياً المكتسبات المتأتية من دوره الإقليمي.
ثمة سؤال لا بد من طرحه فيما إذا وقعت القسمة بين سورية و «حزب
الله»: أي منهما أقرب الى التحكم بالقوى السياسية اللبنانية
الحليفة لسورية؟ ومن الذي يتحكم باللعب على قرار هذه القوى
بعدما استطاع النفوذ الإيراني في لبنان وفلسطين أن يطغى على
النفوذ السوري؟ وهل أن الأذرع العسكرية والأمنية التي دعمت
الموقف السوري منذ العام 2005 ذاهبة الى إعادة التموضع تماشياً
مع الواقع الجديد؟
لا يعبر الدور الإقليمي المتورم لسورية عن «طفرة» اقتصادية أو
عن قوى دفع أيديولوجي أو شعبي بل يعبر عن اتباع سياسة عمادُها
الاستقواء على مكامن الضعف في المجالين اللبناني والفلسطيني،
إذ تتصاعد القدرة الإقليمية لسورية ويتزايد قبول الغرب والعالم
دورها الإقليمي كلما تكرس الشقاق الوطني على الصعيدين اللبناني
والفلسطيني وكلما أظهر السوريون قدرة على السيطرة حيناً وإعاقة
الحلول حيناً آخر.
ففي مناقشة الدور الإقليمي لسورية يمكن التطرق الى مستوى غير
تقليدي من السيطرة قائم على «العبث» في المكان الصحيح وقائم
على سياسة استدراج العروض من أجل الحوار فقط. فالمقولة التي
تقول إن السلام هو «خيار استراتيجي» لا تعني بأي شكل من
الأشكال الذهاب الى مواجهة! ومقولة «الممانعة» لا تعني بدورها
المجابهة، بل تشير هاتان المقولتان بالإصبع الى الأهداف
السورية الرئيسة في الإبقاء على نفوذ لها في لبنان والبحث عن
شروط إبرام الصفقة.
هناك أسئلة جدية تتعلق بمدى قدرة احتضان أوروبا سورية الجديدة
ونسج علاقات سياسية واقتصادية معها، في ظل عزلة عربية لم تستطع
سورية فكها على رغم أنها تترأس الدورة الحالية للقمة، وهناك
أيضاً أسئلة جدية عن الجهة التي أوقفت الاغتيالات في لبنان في
مرحلة ظهور النظام السوري بمظهر المنفتح والمتواصل مع الغرب
والمتحاور مع إسرائيل.
تستلزم الصفقة من سورية، لتكون متوازنة، القيام بـ «واجب»
إقليمي معتبر إذا كانت تريد أن تحتفظ لنفسها بوظيفة إقليمية
معتبرة بعد إبرام الصفقة، وفي منطقة صارت فيها المساحة المخصصة
للأدوار الإقليمية ضيقة لا تتسع لجميع اللاعبين، فذلك يستوجب
أن تأخذ من رصيد حلفائها. فهل ينجح السوريون في الأخذ من
الجميع مرة واحدة؟ هذا هو السؤال! |