يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* الحلف السوري: تكتيك أم سياسة جديدة؟

صحيفة الاتحاد الإماراتية - الخميس 31 تموز/ يوليو 2008

وحيد عبد المجيد

في الوقت الذي حل وزير الخارجية السوري الأسبوع الماضي ضيفاً على لبنان حاملاً رسالة دعوة إلى الرئيس سليمان ومردداً خطاباً سياسياً اتفق كثيرون على إيجابيته، كان وفد سوري وصف بأنه "غير رسمي" في طريقه إلى الولايات المتحدة بدعوة من منظمة (البحث عن أرضية مشتركة). وجاءت الخطوتان تطويراً لخطوات اتخذتها سوريا في اتجاه "تهدئة اللعب" منذ أن أعطت الضوء الأخضر لحلفائها في لبنان خلال لقاء الدوحة الذي انتهى باتفاق أتاح انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة.

لذلك لم تكن مصادفة أن يتزامن إنجاز ذلك الاتفاق مع الإعلان عن وساطة تركية بين سوريا وإسرائيل أفضت إلى مفاوضات غير مباشرة، وأن يتبع ذلك اتجاه دمشق إلى تشجيع حركة "حماس" على قبول تهدئة في قطاع غزة.

ويثير هذا التوجه السوري السؤال عن مغزاه؛ فهل يعبر عن سياسة جديدة أو على الأقل عن مراجعة السياسة المتشددة التي اتبعتها سوريا، وجمعتها مع إيران ومنظمات لبنانية وفلسطينية في إطار تحالف راديكالي؟ أم أنه مجرد تكتيك مختلف في إطار السياسة نفسها؟

ورغم أن الشواهد تدل على أن ما يتغير في السياسة السورية هو تكتيكاتها وليس توجهها الاستراتيجي، فقد لا يبقي التغير في هذه الحدود الضيقة إذا جاءت الإدارة الأميركية المقبلة بسياسة تتجه إلى مد جسور مع سوريا وحلفائها بدلاً من سياسة الحصار وفرض العزلة. فعندما تصر دمشق على ربط الانتقال من المفاوضات غير المباشرة إلى محادثات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية صريحة وكاملة، فهذا يعني أنها مستعدة لإحداث تحول ما في سياستها تجاه الولايات المتحدة يتجاوز حدود التكتيك.

وقد ظهر مدى اهتمام دمشق باستخدام المفاوضات مع إسرائيل سبيلاً للاقتراب من أميركا في تركيبة الوفد الذي توجه إلى واشنطن الأسبوع الماضي، وضم بين أعضائه الدكتور سمير التقي أحد أبرز المفاوضين السوريين في هذه المفاوضات. فثمة استعداد سوري، إذن، لتغيير في العلاقة مع الولايات المتحدة لا يمكن أن يبقى تكتيكياً إذا فتحت الإدارة القادمة الباب أمامه.

ويعني ذلك أن سوريا الآن في مرحلة انتظار وترقب. وربما يكون المفتاح لفهم طريقة تفكيرها في هذه المرحلة الانتقالية، هو النجاح الذي تعتقد قيادتها أنها حققته مع حلفائها على نحو أدى إلى تعديل ميزان القوى الإقليمي في مصلحتها.

بدأ هذا النجاح بصمود "حزب الله" في مواجهة العدوان الإسرائيلي الكثيف خلال صيف 2006. كانت تلك الحرب نقطة تحول في الميزان الإقليمي الذي كان مختلاً ضد التحالف الراديكالي.

واجهت سوريا، ومعها إيران و"حزب الله" و"حماس"، أوقاتاً شديدة الصعوبة عقب الغزو الأميركي للعراق، عندما بدا أن الولايات المتحدة انتصرت. وكان الاعتقاد السائد هو أن من أرسلوا هؤلاء الجنود باتوا قادرين على إعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة، والانطلاق لتحقيق مشروعهم في "شرق أوسط كبير".

وكان التحالف الراديكالي على جدول أعمال "المحافظين الجدد" في واشنطن. لكن سوريا كانت على أجندة السياسة الفرنسية أيضاً، وربما بدرجة أعلى. هنا، تحديداً، وفي مواجهة سوريا، التقت باريس وواشنطن مجدداً بعد فراقهما بشأن غزو العراق. وعندئذ تصاعدت الضغوط على سوريا عبر مجلس الأمن ومن خلال السياستين الأميركية والفرنسية. وكان إخراجها من لبنان هو "الجائزة الكبرى" التي سعت إليها فرنسا، وإحدى الجوائز المهمة التي تطلعت إليها أميركا. ولم يكن أمام دمشق إلا أن تأخذ خطوة إلى الوراء، وأن تسحب قواتها من لبنان، بطريقة "دع العاصفة تمر". لكن العاصفة كانت عاتية. لم تقتصر على سوريا. إيران أيضاً مستهدفة على خلفية برنامجها النووي. و"حزب الله" كذلك مستهدف في سلاحه.

هكذا كان وضع سوريا على مدى ثلاث سنوات عجاف بدءاً من الغزو الأميركي للعراق. وعندما قررت أن تنحني أمام العاصفة راهنت على أن يكون انسحابها العسكري من لبنان كافياً، وربما بديلاً عن تنازلات أخرى كانت مطلوبة منها على صعيد موقفها في التحالف الراديكالي.

كان المطلوب منها، ببساطة، هو أن تشرع في مغادرة هذا التحالف عبر خطوات تبدأ بتقليص دعمها لـ"حزب الله"، و"حماس" وغيرها من المنظمات الفلسطينية، وتنهي تحالفها الاستراتيجي مع إيران.

لكن رهانها هذا ما كان لينجح لولا انقلاب الوضع في العراق في غير مصلحة الأميركيين، وظهور نتائج الأخطاء الفادحة التي ارتكبوها عندما قرروا تفكيك الدولة بكاملها وتسريح الجيش، فأصبح الملعب مفتوحاً أمام مزيج من المقاومة الوطنية الباسلة والإرهاب الأعمى. وكانت هذه بداية تورط في العراق أضعف السياسة الأميركية وشجع مقاوميها على الثبات في مواقعهم.

لم تعد القوة الأميركية مخيفة بالمقدار الذي كانت عليه. تجرأ عليها الراديكاليون. لم تعد سوريا في حاجة إلى مزيد من التنازلات، بل عمدت إلى تعويض ذلك عبر دعم حلفائها وفي مقدمتهم "حزب الله".

كان هذا مقلقاً لإسرائيل. لكن القلق الأميركي كان أكبر، في الوقت الذي بدأ "المحافظون الجدد" في إدارة بوش يدركون أن استراتيجيتهم في الشرق الأوسط باتت مهددة. وفي تلك الأجواء، اجتمعت عوامل عدة لتجعل عملية "حزب الله" ضد الجيش الإسرائيلي في يوليو 2006 بداية حرب إسرائيلية صار واضحاً الآن أنها لم تكن فقط بتأييد من واشنطن، وإنما بتشجيع مباشر، بمقدار ما كان "حزب الله" يخوضها بالوكالة عن سوريا وإيران.

كانت هذه الحرب بالوكالة نقطة التحول الرئيسية في ميزان القوى الذي تبلور عقب غزو العراق. فقد أعطت نتائجها التحالف الراديكالي ثقة في قدرته ليس فقط على الصمود، ولكن أيضاً على الانتصار. ولم يمض أقل من عام حتى كانت حركة "حماس" قد حسمت الصراع مع "فتح" في قطاع غزة لمصلحتها، وسيطرت على القطاع الذي أصبح رصيداً احتياطياً لتحالف راديكالي يعزز قدراته ويدعم دوره في التفاعلات الإقليمية.

في هذه الأثناء، كانت حدود قدرة الولايات المتحدة على ضرب المنشآت النووية الإيرانية تتضح رغم استمرار التهديدات الصادرة من واشنطن. فالخلاف داخل إدارة بوش على مدى صواب أو خطأ خوض حرب ضد إيران يتطور لمصلحة المتحفظين، والشكوك في جدوى مثل هذه الحرب من زاوية إنهاء قدرة إيران النووية، تزداد. في مثل هذه الظروف، لابد أن تكون الأجواء مكفهرة والغيوم شديدة، خصوصاً بعد أن أظهرت الغارة الجوية الإسرائيلية التي دمرت موقعاً سورياً بدعوى أنه نووي في سبتمبر 2007، أن الحرب الجديدة ربما لا تستهدف إيران بالضرورة، وإنما قد تكون على سوريا.

لذلك اتجهت أطراف التحالف الراديكالي، بأشكال ودرجات مختلفة، إلى التهدئة، سعياً إلى تثبيت النجاح الذي يعتقدون أنهم حققوه من ناحية، وتطلعاً إلى تفويت الفترة القصيرة الباقية لإدارة بوش في السلطة بدون مواجهات عسكرية من ناحية ثانية.

والأرجح أن دمشق هي التي دفعت التحالف الراديكالي في هذا الاتجاه، عندما بدأت مقدمات الوساطة التركية لاستئناف المفاوضات السورية الإسرائيلية بالتزامن مع الإعداد لعقد مؤتمر "أنابوليس" بشأن المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية.

وقد أصبح واضحاً الآن أن دمشق قبلت المشاركة في هذا المؤتمر بتمثيل منخفض بالتزامن مع إعطاء إشارة خضراء لتركيا لكي تمضي قدماً في الوساطة التي أدت إلى إجراء مفاوضات سورية-إسرائيلية غير مباشرة لم يُعلن عنها إلا في مايو 2008 إبان التوصل إلى اتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين.

والعلاقة بين هذا الاتفاق وتلك المفاوضات، وكذلك التهدئة التي قبلتها "حماس" مع إسرائيل، تبدو واضحة. فهذا اتجاه عام في أوساط التحالف الراديكالي إلى "تهدئة اللعب" انتظاراً للسياسة التي ستتبعها الإدارة الأميركية القادمة.

ويمكن النظر إلى هذه المواقف التي تعبر عن مرونة وتميل إلى تهدئة، باعتبارها نقلات انتظارية بلغة الشطرنج. وهي النقلات التي يلجأ إليها اللاعب الماهر عندما يرغب في اختبار خصمه أو معرفة ما يفكر فيه، قبل أن يقوم بنقلات أكثر تأثيراً.

وتراهن سوريا على أن تكون سياسة الإدارة الأميركية القادمة مختلفة، وأن تلجأ إلى مد الجسور مع التحالف الراديكالي عموماً، بدلاً من محاصرته ومحاولة عزله.

وفي إطار هذا الرهان، تريد سوريا وحلفاؤها من هذه الإدارة اعترافاً بمصالحهم في الحد الأدنى، وإقراراً بأنهم يمتلكون مفاتيح الشرق الأوسط الرئيسية في الحد الأقصى.

ولذلك فإلى أن تتولى هذه الإدارة السلطة، وتبلور سياستها تجاه الشرق الأوسط، يرجح أن تستمر المرونة السورية الراهنة، لكن دون اتخاذ خطوات كبيرة أو رئيسية.

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.