|
* محور: تأثير معاهدة سلام سورية - إسرائيلية على لبنان
مقولة "لبنان جائزة لسوريا" تبسيطية جداً
صحيفة النهار اللبنانية - الثلاثاء 29 تموز/ يوليو 2008
الياس حنّا (عميد ركن متقاعد – استاذ في
جامعة سيدة اللويزة، المحور من إعداد ميشال أبو نجم)
أتى تحرير الجنوب اللبنانيّ العام 2000 كنقطة تحوّل في الصراع
العربي - الاسرائيلي. فقد استطاع لاعب من خارج إطار الدولة
تحرير الارض ودون ثمن يُذكر، خاصة ان هذا اللاعب هو شيعي في
المذهب، ومدعوم مباشرة من ايران عبر سوريا. وهذا امر ستكون له
تأثيراته الكبيرة المستقبليّة في أي مقاربة سلميّة سوريّة –
إسرائيليّة.
كانت كارثة 11 ايلول 2001 نقطة التحوّل الاهم في نظام ما بعد
الحرب الباردة. وهي نقطة تحوّل مهمّة، فقط لان نتائجها كانت
كبيرة على العالم بصورة عامة، وعلى منطقة الشرق الاوسط بصورة
خاصة.
في العام 2002، اتت مبادرة الملك فهد خلال قمّة بيروت لتؤكّد
على السلام تحت الشعار المستمرّ، الارض مقابل السلام. لم تصل
هذه المبادرة الى خواتيمها الايجابيّة.
تلا المبادرة العربيّة، "خريطة الطريق" التي اعدّتها اللجنة
الرباعيّة - Quartet-
والمؤلّفة من اميركا والاتحاد الأوروبي والامم المتحدة وروسيا.
لم يُكتب النجاح لهذه المبادرة، على الاقلّ حتى الآن.
بعد إعلان بوش عقيدته الاستباقيّة، اصبحت منطقة الشرق الاوسط
المسرح الاساسي لحربه بوش على الارهاب. فتم احتلال العراق
العام 2003، وإسقاط صدّام حسين، كما تهديد الانظمة المجاورة
للعراق – خاصة الممانعة للاستراتيجيّة الاميركيّة. لكن الفريد
ذكره هنا، ان اميركا لم تطلب فقط تغيير سلوك الانظمة تحت تهديد
اطاحة النظام، لا بل، ارادت اميركا التغيير في بنى المجتمعات،
اي من صورة الماكرو، كتغيير مناهج التعليم، كما نشر
الديموقراطيّة. وبذلك، إذا قبلت هذه الانظمة تغيير سلوكها فهي
سوف تخسر، وإذا لم تغيّر فهي ايضا سوف تخسر. وإذا انفتحت،
وفتحت الابواب الديموقراطيّة لشعوبها، فهي حتما خاسرة –Lose
- lose situation.
إذا كان من الطبيعي ان تُظهر انظمة المنطقة المُمانعة هذه
الشراسة في الدفاع عن وجودها.
فجأة، اصبحت اميركا جارة دائمة لكلّ من ايران وسوريا. وهي بذلك
تكون قد أخذت على عاتقها امور المنطقة مباشرة وليس عبر
التكليف. وفي ظلّ هذا الوضع حيث اليد العليا لاميركا في
المنطقة، كان لا بد لاية مبادرة سلميّة من ان تعبر المختبر
الاميركي أولا. ففي هذا الوقت، إنطلقت مثلا شعارات نيو محافظة،
اقلّها يقول إن طريق القدس تمرّ في بغداد.
السلام من المنظار السوري
ذهبت سوريا إلى مدريد، كما شاركت في تحرير الكويت. كانت
جائزتها السيطرة على لبنان لاكثر من ثلاثة عقود. بعد مدريد،
فاوضت سوريا إسرائيل مباشرة لاكثر من تسع سنوات، لكن دون
التوصّل إلى نتيجة تخرق الجمود.
إذا قرّرت سوريا توقيع اية معاهدة مع اسرائيل، فهي تريد ما
يلي:
-1 ضروة الانسحاب الاسرائيلي الكامل كما حصل مع مصر
-2 العودة إلى خطوط 4 حزيران العام 1967
-3 كذلك الامر عدم التفاوض على الامور التي تم الاتفاق عليها
مسبّقا
-4 تريد سوريا معرفة دورها لمرحلة ما بعد السلام، كما تريد
ضمانات لاستمرار النظام. فالسلام قد يعني انفتاح سوريا على
العالم، كما انفتاح مجتمعها، هذا عدا، ضرورة إجراء الاصلاحات
السياسيّة. فهل سيكون النموذج الاميركي هو المُطبّق – انفتاح
وإصلاحات سياسيّة في الوقت نفسه الامر الذي قد يُضعف النظام؟
ام النموذج الصيني – اي الانفتاح الاقتصاديّ لكن، دون الاصلاح
السياسي؟
-5 تريد سوريا إخراجا لائقا للمعاهدة، بحيث تظهر على انها
حقّقت على الاقلّ، وفي الحدّ الادنى ما كان يطلبه الرئيس
الراحل حافظ الاسد – وهذا بُعد داخليّ مهم جدا لاستقرار
النظام.
-6 تفاوض سوريا إسرائيل على الجولان، لكن عينها على لبنان.
سوريا دون لبنان، لاعب عاديّ في المنطقة. لكن سوريا مع لبنان
دولة اقليميّة مهمّة. من هنا كِبر الدور الذي لعبه الرئيس
السوري الراحل حافظ الاسد. ومن هنا الحقد السوري على طريقة
إخراجهم العام 2005 من لبنان. يلعب لبنان لسوريا، قوّة مُضاعفة
– Force Multiplier.
فهو عمق اضافي لها، سياسي، اقتصادي كما عسكريّ. ومن لبنان، وفي
ظلّ عدم رغبتها وقدرتها على قتال إسرائيل تقليديّا، كان لبنان
لسوريا الطريقة غير المباشرة لاستنزاف قدرات إسرائيل، وذلك عبر
استراتيجيّة مزدوجة تقوم على، مبدأ الدرع والسيف. عبر الدرع
تدافع سوريا موقتا – في لبنان بالطبع – حتى تنقلب المقاييس
وتتغيّر موازين القوى. وإذا شعرت سوريا ان الكفّة مالت نحوها،
شهرت السيف لتقاتل مهاجمة – حالة لبنان مع سوريا منذ خروجها
العام 2005، وحتى اليوم.
-7 تفاوض سوريا إسرائيل – عبر تركيّا حتى اليوم - لكن هدفها هو
فتح الباب الاميركي. من هنا طلب الرئيس السوري مؤخّرا ضرورة ان
يكون هناك راع دولي مع الادارة الجديدة بالطبع.
-8 تريد سوريا سلاما مع إسرائيل، لكن دون إغضاب ايران نظرا الى
ما لها من تأثير في لبنان، وخاصة بعد الانسحاب السوري. إذا،
تريد سوريا إرضاء ايران، تطمينها، كما إيجاد آليّة مناسبة لفكّ
الحلف الاستراتيجي الاطول في المنطقة.
السلام من المنظار الإسرائيلي!!!
في حرب العام 1948، رفض بن غوريون احتلال الضفّة لانها ستكون
عبئا على إسرائيل. انتقده لذلك ايغال آلون. كان بن غورين على
حقّ، لان الضفّة اصبحت العبء الاكبر على دولة إسرائيل بعد حرب
الايّام الستّة. وهذا امر يثبّت المقولة التالية:" إذا كانت
الهزيمة عاراً على الخاسر، فإن النصر هو ايضا عبء على
المنتصر".
تعاني إسرائيل منذ نشأتها معضلات استراتيجيّة كثيرة ومتعدّدة،
منها: بالاجمال، تكمن معضلة إسرائيل في ابعاد ثلاثة هي:
-1 الجغرافيا والديموغرافيا ومن ثمّ الطوبوغرافيا. يدخل
الجولان في الجغرافيا لتأمين العمق. تكمن عودة اللاجئين، كما
فلسطينيّ الداخل في البُعد الديموغرافيّ. وأخيرا وليس آخرا،
تركّز إسرائيل على عامل الطوبوغرافيا، خاصة في الداخل، وفي
الضفّة بالتحديد، فقط لانها تريد تأمين حركيّة داخليّة في حال
وقوع حرب على الجبهة الشرقيّة. فهي تريد نقل العسكر، المؤن كما
الآليّات إلى الجبهة، لذلك تريد طرقا آمنة. وإلا فما معنى
تقطيع الضفّة، والاستيلاء على المحاور الرئيسيّة؟
-2 لا تتمتّع إسرائيل بالعمق الاستراتيجيّ اللازم كي تحمي
الكيان والوجود، إن كان عرضا، او طولا. هذا عدا عن التواجد
الفلسطيني، والذي يُعتبر العدوّ من الداخل.
-3 لم تعد مقولة بن غوريون، او عقيدته الاستراتيجيّة تكفي قادة
إسرائيل للحفاظ على امن الكيان. فبدل خوض الحرب على ارض
العدوّ، انتقلت الحرب إلى المدن الرئيسيّة الاسرائيليّة. وبدل
ان تكون الحرب خاطفة، استمرّت حرب لبنان اكثر من عقود ثلاثة.
وأخيرا وليس آخرا، لم يعد يكفي الاتكال على قوّة كبرى كي تقوم
إسرائيل، خاصة ان قدرة هذه القوّة الكبرى – اميركا – اصبحت
اضعف مما كانت عليه سابقا. لا يمكن اسرائيل ان تخسر حربا
واحدة، حتى ولو خسر العرب اكثر من ستّة حروب.
-4 بعد نصف قرن من الصراعات والحروب، توصّلت إسرائيل إلى
اقتناع ان للقوّة العسكريّة حدودا. ففي تقويم القوّة المطلقة،
تحتلّ إسرائيل مركزا متقدّما في العالم – اكثر من 300 رأس
نووي، تكتيّ واستراتيجيّ. لكنها غير قادرة على استعمالها بمعنى
القوّة النسبيّة. فـ"حزب الله" قد هزمها بصاروخ الكاتيوشا
والذي يعود إلى الحرب العالميّة الثانيّة. كذلك الامر، لم
تستطع إسرائيل تحويل أيّ نصر عسكريّ إلى نصر سياسي. واخيرا
وخلال حرب لبنان، خسرت عسكريّا كما خسرت سياسيّا – ومن لاعب من
خارج إطار الدولة، "حزب الله". لم يؤمّن احتلال الارض لاسرائيل
امنها. كذلك الامر، لم تؤمّن لها المناطق العازلة التي
احتلّتها حدودا ثابتة. كانت سيناء منطقة عازلة، كان جنوب لبنان
منطقة عازلة، ولا يزال الجولان منطقة عازلة. كلّ هذا، ولا تزال
إسرائيل تخاف على استمرار الكيان.
-5 وأخيرا وليس آخرا، إذا اعطت إسرائيل العرب تخسر، وإذا لم
تعط هي ايضا تخسر
Lose
– Lose Situation.
فالوقت يعمل لمصلحة العرب، خاصة في قنبلتهم الديموغرافيّة.
السلام من المنظار اللبنانيّ
لا يمكن لبنان أن يذهب إلى السلم. فهو المنتظر الدائم،
والمتلقّي للتداعيات – وعادة هي سلبيّة. يُشكّل لبنان الدولة
العازلة – Buffer State.
وهو مبدأ معروف في الانظمة الدوليّة.
وإذا اعتبر البعض ان اميركا تخلّت عن لبنان لاكثر من ثلاثة
عقود، فهو مخطىء حتما. وإذا قال البعض الآخر، ان الاهتمام
الاميركي بلبنان اليوم، هو ندم اميركي للتخلّي عن
الديموقراطيّة الوحيدة في المنطقة، هو ايضا مخطىء. الاكيد، ان
دور لبنان في اللعبة الاقليميّة قد تغيّر. ففي وقت ما، كانت
الساحة اللبنانيّة حاجة لاستنزاف العرب وقضيّتهم - ساهم العرب
فيها بشكل اساسيّ. واليوم، هو حاجة بعد التحوّلات الاقليميّة
والدوليّة، لدور جديد له تعقيداته الكثيرة. فهو مهمّ لاحتواء
سوريا، وضرب "حزب الله"، كما محاولة عزل سوريا عن ايران - كلّ
ذلك في ظلّ الحرب على الارهاب. إذا كلّما تبدّلت المعادلة
الاقليميّة، تبدّلت وظيفة لبنان.
يحتّم القدر ان ينتظر لبنان المسار السلميّ في المنطقة. وبشكل
عام، السلم افضل للبنان، لانه يلغي فكرة لبنان الساحة لقتال
إسرائيل. كذلك الامر، ان القول ان لبنان سيكون جائزة لسوريا
بعد السلام، هو امر تبسيطيّ جدّا. فالسلم سيفتح سوريا، كما
سيفتح لبنان بالكامل. وهذا امر يستفيد منه لبنان اكثر من
سوريا. كما ان فكرة العودة السوريّة إلى لبنان، إنما هي ايضا
تبسيطيّة. فالساحة اللبنانيّة قد تغيّرت جذريّا خاصة بعد
اغتيال الرئيس رفيق الحريري – البُعد السنيّ خاصة، اللهم إلا
إذا حصل تحوّل جذريّ على هذه الساحة. لكن الانتظار اللبنانيّ
للسلام الموعود، وكي نخفّف الخسائر في حال السيناريو السيّء،
فما على اللبنانيّين إلا ان يكونوا جاهزين - وهنا المعضلة
الكبرى لانهم مختلفون.
وعند الحديث عن السلم، فإنما نعني بين سوريا وإسرائيل. وكلّما
تعقدّت المفاوضات، كلّما اصبحت الورقة اللبنانيّة اكثر اهميّة،
وكلّما دفع لبنان الاثمان.
فما هي التعقيدات امام السلم المُتخيّل؟
-1 حتى إشعار آخر، لا تزال اميركا القوّة المُديرة في المنطقة
- Driving Force.
وحتى اشعار آخر، اميركا باقية في المنطقة، ولو بشّر البعض
بسقوط مشروعها، فعادة تتميّز القوى الكبرى بالقدرة على التأقلم
واستيعاب الخسائر. وإن كلّ ما جرى ويجري اليوم من القوى
المعادية لاميركا، هو ليس لإخراجها من المنطقة، بل هو لجعلها
تعيد توزيع المكاسب لصالحهم. هدف هذه القوى تغيير
الاستراتيجيّة الاميركيّة لمصلحتهم – وهي اليوم بالواسطة، خاصة
عبر لاعبين من خارج إطار الدولة. من هنا، ضرورة إنتظار الادارة
الاميركيّة الجديدة – لا يمكن الادارة الحاليّة تغيير موقفها
من سوريا وايران مثلا. كذلك الامر، وجب انتظار انجلاء مستقبل
اميركا في العراق، هل هو موقت؟ دائم؟
-2 عندما يُصرّح المرشّح الاميركي باراك اوباما ان اسرئيل هي
الحليف الاساسيّّ في المنطقة، فإنما هو بطريقة غير مباشرة يؤذي
لبنان. فهذا امر يعني استمرار الصراع الاميركي مع ايران
وسوريا. وهذا امر قد يؤخّر المسار السلمي. بكلام آخر، سيعود
الصراع على لبنان كما هو اليوم، وقد يكون اعنف.
-3 إذا كان السلم للبنان مفيداً، فهو ليس على الابواب.
فإسرائيل تعاني من مشاكل ما بعد حرب تمّوز، كما من مشاكل فساد
اولمرت. وقد يفي تبديل رئيس الحكومة، لتتغيّر الامور نحو
الاسوأ. وهذا امر سيضرّ لبنان كثيرا.
-4 إذا كانت تركيّا هي الوسيط، فهذا يعود لسبب تغيير تركيّا
لاستراتيجيّتها الكبرى. تنظر اليوم تركيّا إلى مروحة واسعة من
المصالح، لم تعد تقوم على الدور الاوروبي فقط. تركّز تركيّا
اليوم على البعد العربي والاسلامي، وهي حتما تقلق من وضع
العراق، كما لا تريد لسوريا مصير العراق الامر الذي قد يهددّ
وحدة الاراضي التركيّة. لكن رئيس الحكومة التركيّة يعاني ايضا
كما اولمرت من مشاكل داخليّة تهدّد حتى بحظر حزبه، كما إبعاده
عن رئاسة الحكومة. وهذا امر سيضرّ حتما بلبنان.
-1 لكن العائق الاكبر امام السلم السوري - الاسرائيلي، يتعلّق
مباشرة بايران فهل ستكون المقاربة مشتركة سوريّة ايرانيّة في
الاتجاه الاسرائيلي؟ امر ممكن لكنه صعب جدّا جدّا. وعند تسريب
خبر التفاوض، نشأ بين ايران وسوريا ما يُسمّى بالعلم السياسي –
معضلة التحالف - Alliance Dilemma.
والمقصود بذلك، ان التفاوض السوري - الاسرائيلي، سوف يزرع
الشكّ لدى ايران. وإذا حصل هذا الامر، وإذا كان التفاوض يضرب
مصالح ايران، فهي حتما ستحاول ضرب المسار السلميّ بما لها من
تأثير، وهي لها الكثير، خاصة في لبنان – عبر "حزب الله". وهنا
قد يجب طرح السؤال التالي: متى تفكّ سوريا تحالفها مع ايران،
وبأي ثمن؟ حتى الآن الامر صعب جدّا.
-2 إذا، وبسبب العداء الايراني – الاسرائيلي الكبير، لا يمكن
سوريا ان تذهب إلى السلم إلا إذا حقّقت ايران مطالبها
واهدافها. وهذا امر يحتّم ان تقبض ايران الثمن في محيطها
المباشر، اي العراق ومنطقة الخليج. فإلى اي مدى ستعطي اميركا
لايران؟ وكيف سيكون عليه السلوك العربيّ الخليجي؟ فهل سنرى
مسارين في الوقت نفسه. مسار ايراني - اميركي حول العراق، تقبض
فيه ايران طلباتها، وبالتالي تسهّل الامر في لبنان عبر "حزب
الله" - بالطبع بعد ان يقبض "حزب الله" اثمانه السياسيّة على
الساحة اللبنانيّة؟ ومسار ثانٍ سوري – اسرائيلي، ليس امامه
عقبات خاصة لبنانيّة؟ ممكن، ولهذا السيناريو مؤشرات كثيرة، لكن
الاكيد ان كلّ شيء مُعلّق حتى انتهاء الانتخابات الاميركيّة –
اللهم إلا إذا حصل 11 ايلول ثان، وما ليس بالحسبان.
-3 في هذا الوضع، يمكننا تظهير نظريّة المثلّث الاستراتيجي.
يقوم هذا المثلث على الدول التالية: ايران وتركيّا ومصر. وهذه
دول لا تعاني تاريخيّا من ازمة الهويّة، لانها كانت طوال
تاريخها امبراطوريّات. ضمن هذا المثلّث، تتواجد المشاكل. وفي
وسط هذا المثلثّ، حطّ النسر الاميركي في العراق. واليوم، تهتم
تركيّا بالمسار السوري - الاسرائيلي. كما تهتمّ مصر بالمسار
الفلسطيني - الاسرائيلي مع منافسة ايرانيّة في غزّة. واخير
وليس آخرا، تهتم ايران بكلّ من العراق كليّا، ولبنان جزئيّا،
وذلك تجاه اميركا. في هذا المثلّث نوعان من الدول. دول ثابتة
آمنة متسلّطة لها انظمتها القمعيّة. ودول أخرى، هي شبه دول،
وهي ساقطة مثل لبنان والعراق والسلطة الفلسطينيّة. في هذه
الدول، الحكومات ضعيفة، امام لاعبين من خارج إطار الدولة هم
اقوى من الدولة – سيستمرّ وضع هذه الدول على هذا الشكل، كلّ
حسب وضعه وظروفه، لفترة طويلة وطويلة. في هذا المثلثّ، هناك
المملكة السعوديّة، حيث شلاّل المال، لكن دون قدرة تأثير
جيوبوليتكيّة، كما هناك احد رؤوس المثلّث - ايران - حيث لا
استفادة فعليّة من مال النفط، لكن مع قدرة تأثير جيوبوليتيكيّة
كبيرة جدّا، تمتدّ على كلّ مساحة الشرق الاوسط الكبير - حسب
تعبير الرئيس بوش.
في الختام، هكذا هي حال المنطقة وتعقيداتها الجيوبوليتيكيّة.
فالصراع شديد، وشديد جدّا، فقط لان نتيجة الصراع الحاليّة، هي
التي سترسم صورة النظام الاقليمي لاكثر من نصف قرن. اهداف
القوى الكبرى كثيرة ومتناقضة. ومساحة الصراع هي تقريبا
مترابطة، فهي تمتدّ من آسيا الوسطى، وحتى القارة السوداء مرورا
بمنطقة الشرق الاوسط.
وإذا كان الجغرافيّ الانكليزي هالفورد ماكيندر قد نظّر يوما
حول مفهوم الهارتلاند – Heartland
- وهي منطقة السهل الاوراسي Eurasia
- حين قال، من يسيطر على الهارتلاند، يسيطر على العالم.
فقد يمكننا القول اليوم، وعذرا من السير ماكيندر، انه ولو كان
حيّا، لكان وعى ان هناك خللا اليوم في نظريّته. فبدل السهل
الاوراسي، هناك اليوم المثلّث المؤلّف من وسط آسيا والخليج
وافريقيا. وإلا فما معنى هذا التقاتل على هذا المثلّث؟ |