|
* إما سلام سوري – إسرائيلي وإما حرب إقليمية؟
صحيفة النهار اللبنانية - الاثنين 28 تموز/ يوليو 2008
سركيس نعوم (sarkis.naoum@annahar.com.lb)
هل يوقّع لبنان تسوية سلمية مع اسرائيل بعد انتهاء المفاوضات
المستأنفة بينها وبين سوريا بشار الأسد منذ أشهر قليلة الى
تسوية سلمية رسمية؟ هذا السؤال الذي طرحه مسؤولون في الادارة
الاميركية واميركيون يتعاطون الشأن العام بعد عودة "الاتصال"
بين دمشق وواشنطن والتفاوض بين دمشق وتل ابيب ونجاح فرنسا في
انهاء عزلة سوريا اوروبياً يفترض طارحوه ان الجواب عنه يجب ان
يكون ايجابياً. أي ان توجّه لبنان الى طاولة المفاوضات مع
اسرائيل سيكون أمراً طبيعياً بعد توقيع سوريا معها تسوية سلمية
نهائية. والجواب الايجابي هذا في محله نظريا. لكنه قد لا يكون
كذلك عمليا ولاسباب كثيرة منها ان سوريا لم تعد اللاعب الأوحد
على الساحة اللبنانية وان الجمهورية الاسلامية الايرانية صارت
لاعباً اساسياً عليها. وقد تكون تفوقت على سوريا في حجم
التأثير الذي لها على مسار الامور في لبنان وعلى جهات سياسية
عدة كانت مواقفها سورية حصراً. وهذا اللاعب الوافد الى لبنان
منذ عام 1982 يستطيع بكل سهولة ان يمنعه من مجاراة سوريا في
توقيع سلام معها. وسوريا تعرف ذلك ولهذا السبب فانها لن تنتهج
أي سياسة تثير حالاً من العداء بينها وبين ايران اذا كانت لا
تزال قوية واذا استمر الوضع الدولي وتحديداً الاميركي منقسماً
حيال التعاطي معها بسبب ملفها النووي وعاجزاً عن اتخاذ قرار
بمواجهتها عسكرياً وعاجزاً في الوقت نفسه عن حسم المعارك أو
الحروب التي ورط نفسه فيها في الشرق الأوسط. فقط في حال واحدة
يمكن سوريا ان تشجع لبنان بل ان تحضه على مجاراتها في اقامة
"سلم" مع اسرائيل وهي قيام حال من التطبيع بين ايران واميركا
والمجتمع الدولي واستمرار التحالف بين طهران ودمشق ولكن هذه
المرة ليس لمواجهة الهجمة الاميركية – الاسرائيلية – العربية
عليهما بل لقيادة حملة التصالح والتعاون مع كل هؤلاء المبنية
طبعاً على المصالح المشتركة للجميع. ومن الاسباب ايضاً التي
تجعل توقع تشجيع سوريا لبنان على توقيع تسوية سلمية مع اسرائيل
في غير محله هو عدم الاتفاق مسبقاً بين سوريا واميركا وتاليا
المجتمع الدولي على دور الاولى في لبنان ولا سيما بعدما انهار
هذا الدور رسمياً عام 2005 بخروج القوات السورية منه بطلب من
المجتمع الدولي ومن غالبية الشعب اللبناني أو بالاحرى هو عدم
الاتفاق بينهما على الدور الاقليمي لسوريا بشار الاسد بعد
"التحجيم" والعزلة اللذين عانتهما في ولايتي الرئيس جورج بوش
الابن. ويعني ذلك ان اتفاقاً على هذين الامرين يراعي مصالح
سوريا واستراتيجيتها وربما احلامها ومطامعها قد يدفعها الى
تشجيع لبنان على "الانفتاح" على اسرائيل سواء وافقت ايران
الاسلامية على ذلك او لم توافق. ذلك انها في حال كهذه قد تكون
مستعدة لاستعمال كل الوسائل بما في ذلك القوة لـ"تهدئة"
اللبنان الذي اظهر للمرة الألف ربما انه عاجز عن حكم نفسه
بنفسه لتحول شعبه شعوباً متناحرة ومتقاتلة بتشجيع من سوريا
وايران والعرب والغرب والعالم كله.
في اختصار يبقى الكلام على لبنان والصلح مع اسرائيل مرتبطاً
بنجاح الاخيرة وسوريا في التوصل الى صلح بينهما. والمسؤولون في
الادارة الاميركية انفسهم والاميركيون المتابعون الشأن العام
من مواقع غير رسمية متنوعة يعتقدون انه ليس امام سوريا الا
النجاح كي تحصل على كل ما وُعدت به من "اطنان" المساعدات
المالية والاستثمارات الاجنبية واعادة التأهيل الدولية والعودة
من الباب العريض الى المجتمع الدولي وتحديداً الغربي والانضمام
الى منظمة التجارة العالمية. وانه ليس امام سوريا ايضاً الا
النجاح نفسه لمواجهة صعوبة اوضاعها الاقتصادية والتزايد الكبير
في عدد سكانها. وانه ليس امام سوريا اخيراً الا النجاح اياه
(مع اسرائيل) لتلافي حرب عسكرية اقليمية واسعة ومدمرة لن توفر
ابداً البنى التحتية السورية المتنوعة من عسكرية واقتصادية
ومواصلات...
من قدّم الوعود المشار اليها اعلاه؟ يجيب المسؤولون ومتعاطو
الشأن العام الاميركيون انفسهم ان فرنسا قدمتها ومعها تركيا
وكذلك الولايات المتحدة ولكن من خلف الستار. هذا فضلاً عن عدد
مهم من الدول العربية الغنية والكبرى وهي "معروفة". وطبعاً
اثار ذلك أي الوعود الاميركية والاوروبية والعربية قلق
اللبنانيين الذين يعرفون حقيقة اهداف سوريا في بلادهم وان
المصالح وحدها هي التي تحدد سياسات اميركا واوروبا وعرب الثروة
وخصوصاً اذا واجهتهم صعوبات حالت دون نجاحهم في تحقيق انجازات
توافق مصالحهم ومعها حقوق الشعوب والاوطان الصغيرة والمستضعفة
مثل لبنان. وما يضاعف هذا القلق هو السؤال الذي طرحه عليّ
اميركي لبناني مطلع عن هذا الأمر وهو الآتي: ما هو الضرر الذي
تلحقه بكم سوريا بشار الاسد اذا وقّعت سلاماً مع اسرائيل
و"قبضت" كل المساعدات المذكورة اعلاه واذا وقّعت بلادكم سلاماً
مماثلاً مع اسرائيل؟ وهل ستبقى اذذاك متمسكة بالسيطرة عليكم
وعلى بلادكم؟ وهل تضمن في هذه الحال الا تلحق الضرر بنفسها؟
طبعاً هذا السؤال بريء لأنني أعرف من طرحه وهو بريء. لكن
اللبنانيين بغالبيتهم لن يعتبروه بريئاً. بل سيعتبرون انه
تمهيد لصفقة. علماً انهم يعترفون بانهم سيكونون مسؤولين عن
صفقة كهذه في غير مصلحة بلادهم لأنهم منقسمون أو ربما لأنهم لا
يشعرون بانتماء وطني بل بانتماءات اخرى قسمتهم دائماً ولا تزال
تقسمهم. وما يشجعهم على ذلك هو معرفتهم ان اسرائيل احتجت عام
2005 عند فرنسا وعند اميركا وقوى دولية اخرى على سحب سوريا من
لبنان لأنها الوحيدة في رأيها القادرة على التعاطي مع "حزب
الله" والفلسطينيين لاحقاً وعندما تقرر ذلك بعد اتفاقها مع
المعنيين في المنطقة والعالم على المقابل اللازم لذلك. |