|
* عن الفعل السياسي في
المستقبل
بقلم: آرام كربيت *
أخبار
الشرق – 25 تموز/ يوليو 2008
إننا نعيش
في عصر سريع يحتاج إلى ديناميكية سياسية عملية وفاعلية
اجتماعية حيوية تسعى بشكل حثيث للتأقلم مع التغييرات التي تطرأ
على العالم وتستجيب للتطورات التي تنشأ عليه من أجل تحسين
الوضع الداخلي والتفاعل مع الخارج وفق مقتضيات الداخل. فاعلية
وسرعة تعرف كيف تستثمر العلاقات الخارجية من أجل توظيفها في
الشأن الداخلي، فاعلية سياسية واجتماعية معبرة عن كل القوى
السياسية، حيوية نشطة ومتجددة الدماء والطاقات يعرفان كيف
يوفقان ما بين النزاعات والخلافات والانقسامات الداخلية
والقدرة على احتوائها والتعامل مع التناقضات الخارجية بما يخدم
مصالح الداخل وفق نظام ديمقراطي، نظام يمثل كل القوى السياسية،
يعمل على إدخال الحسابات السياسية الداخلية في أية نقلة نوعية
في علاقاته مع الخارج، نظام فيه فصل للسلطات، يعمل على إدخال
التنمية وحاجات الفرد المادية والروحية والمعنوية في الحسابات
السياسية ذات البعد الاستراتيجي الطويل الأمد، ليكون عوناً
واستثماراً في تناقضاتنا مع الخارج.
إننا نحتاج
إلى إعادة ترتيب أوضاعنا على أسس تحترم الاختلاف والتعدد في كل
مناحي الحياة سواء كان سياسي أو فكري أو اجتماعي ونتعامل مع
المجتمع كمصدر ثروة وغناء وعطاء ومحاولة تطويره بدل كبح حركته
والاستئثار والتحكم به ودفعه إلى الاقتتال والتناحر والصراع.
لذلك فإن
حركة القوى الاجتماعية وديناميكيتها وفاعليتها يحتاج إلى فضاء
سياسي واسع حتى تتسق تموضعاتها وتتداخل مصالحها بما يؤدي إلى
تقوية اللحمة الداخلية لنكون مستعدين للتحولات العميقة التي
تطرأ على العالم وعلينا.
إن النظام
السوري تكلس على كل المستويات، وتكلست معه كل المستويات
والقطاعات التي عمل فيها سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو
اجتماعية. وما زالت آلياته السياسية البالية تعود إلى حقب
قديمة، حقب مضى زمانها ولم تعد تأتي أكلها إلا بديمومة السلطة
واللعب بالوقت الضائع للبقاء أطول وقت ممكن في السلطة دون أن
يلوح في الأفق أية مشاريع سياسية أو اقتصادية تنعكس على الوضع
الاجتماعي لبلدنا ووطننا..
الحقيقة
هناك أزمة في العلاقة ما بين النظام والمجتمع، أزمة في العمق،
نظام يضع أمنه وبقاءه وتفوقه في ميزان علاقته مع الداخل
واستمرار هذه العلاقة على كل المستويات بما يسمح له التحكم بكل
الامور من خلال تفتيت كل ما يمكن تفتيته. إن الاعتماد على
القوة، وسيطرة منطق القوة والاحتكام لها في علاقته مع الداخل
في غياب القانون، ومصالح الشرائح والفئات الاجتماعية الأخرى
وضع لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، لأنه يدفع الأزمة إلى
التراكم لتأخذ الأمور شكل انفجاري في المستقبل القادم.
لقد أخفق
النظام السوري في بناء الدولة لكل المواطنين، وحول الدولة إلى
ماخور خلفي يرتع فيه مع زبانيته والمقربين منه. لم تعد الدولة
السورية، دولة لكل المواطنين السوريين، إنما أضحت لشريحة
اجتماعية واحدة مستأثرة بالسلطة والثروة والنفوذ والجاه، ولم
يعد هذا النظام، ولم يكن نظاماً سورياً إنما وكيل الآخرين في
ديارنا، يستغل ثقل سوريا وموقعها ليحسن من موقعه. ونتيجة تراكم
الدمار والخراب الداخلي لم يعد هذا النظام قادراً على امتصاص
التناقضات الداخلية وحلها.
كما أننا
نشهد اليوم على وضع جديد، وضع إقليمي ودولي غني بالتناقضات
والصراعات، شديد التبدل في المواقع والحركة والانقلاب، يحتاج
إلى أدوات ومفاهيم تغوص في العمق، ورشة عمل تدرس وتبحث وتقيم
وتضع الأطر والأفكار، ورشة تتظافر فيها جهود الجميع في صنع
المستقبل. إننا في وضع مختلف كلياً عما كان سائداً فيما مضى من
الزمان، إننا نشهد كيف تم تجريد هذا النظام من أغلب مصادر
القوة التي كانت تمده بسل البقاء على قيد الحياة، من أوراق
مهمة، زمن لم يعد يحتاج فيه الكبار، الدول الكبيرة إلى تجار
سياسة صغار، لقد انتهى ذلك الزمن الذي يسمح للأنظمة الضعيفة
والمعزولة والذي لا عمق لديها من اللعب في تناقضات ومصالح
الدول الكبيرة. وها نحن نشهد كيف يخرج نظام العجزة في دمشق في
النهاية من علاقاته الإقليمية والدولية وهو خالي الوفاض،
عارياً تماماً من ورق التوت. إننا نرى كيف خرج جيشه ومخابراته
وزلمه واستزلامه من لبنان، خرج لبنان من يديه بالكامل، وما
زلنا نسمع كلام كثير له جذور في الواقع عن قرب إقامة علاقات
ندية معه وإقامة سفارة وترسيم للحدود، واستقلال عن القرار
السياسي السوري. كما أن القضية الفلسطينية التي تاجر فيها خمسة
وأربعون سنة عادت لأهلها وأضحى الشأن الفلسطيني شأناً
فلسطينياً داخلياً محضاً بعد دخول العرابة مصر في مفاوضات حماس
وإسرائيل ومطالبة الأسد بعدم التدخل في شؤونه. نرى ونشاهد
تطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية التي تقترب من فتح سفارة
بين البلدين دون تقديم ولو اعتذار واحد من الحكومتين عن الكذب
الذي سوقوه لنا على مدى ثلاثين سنة عن الدوافع وراء هذا
التقارب، والعلاقات السورية الإيرانية على المحك والابتعاد
لدخولها بقوة في ميزان الحسابات الإقليمية والدولية، وها هو
يعود إلى الداخل وهولا يملك شيئاً، لا يملك أي مصدر من مصادر
القوة التي كان يعتمد عليها ليمسك من خلالها زمام المبادرة
والسيطرة المباشرة على الداخل. لم يبق له إلا الورقة الاخيرة،
الورقة الإسرائيلية، مثل العطار العجوز الذي يجوب القرى والضيع
على حمار عجوز ومنهك ليسوق ما لم يعد يسوق، بضاعة بالية وبارة
وقديمة وممزقة، يتاجر بها ظاناً أن تجارته ما زالت صالحة في
عصر مختلف تماماً، ليدخل مع إسرائيل في مفاوضات نشطة ومباشرة
دون خجل أو يقدم كشف الحساب عما فعله في الماضي وما سيفعله في
المستقبل المنظور.
لقد ادرك
حافظ أسد (..) منذ مجيئه إلى السلطة أن مفتاح بقائه في السلطة
هو الخارج، لم يكن الشأن الداخلي في سلم أولوياته وفي حساباته
السياسية، من حيث التنمية والبناء وتحقيق التوازن الاجتماعي في
علاقة القوى في الداخل السوري. لهذا دخل لبنان، عهر فيه، مارس
كل موبقات السلطة والعهر السياسي من حيث المحسوبيات والشللية،
والمواخير الخلفية وتنمية العلاقات المشبوهة بين الاطراف
اللبنانية وضربها ببعضها ليصبح عراب العهر فيه وليتمكن من مسك
لبنان كقبضة في يديه يحركها مع الآخرين للاستثمار السياسي
الأني والقصير المدى وبما يحقق ذلك من مكاسب لنظامه. وفي
احتوائه للورقة الفلسطينية لم تكن إلا استثماراً لمصلحة نظامه
وبقاء عرش عائلته، عائلة الاسد. كلنا شهد كيف دخل في مفاوضات
مع اسرائيل وابرم اتفاق معها في سبعينيات القرن الماضي من أجل
التفرغ بعد ذلك لترتيب وضعه في السلطة لأطول فترة ممكنة
والدخول مع الخارج في تناقضات ثانوية لا تمس جوهر القضية، حتى
صار واضحاً ومضحكاً ومقرفاً ويدعو للرثاء والحزن ما بين طرح
ايديولوجي تعود شعارته القومية إلى أربعينيات القرن العشرين
وممارسات فعل سياسي برغماتي على الأرض لا علاقة بتاتاً بين
الاثنين. لقد مارس نظام الأسد وما يزال التفارق ما بين السياسي
والايديولوجي الى الآن، يطرح ايديولوجية في طرف ويمارس السياسة
والعهر في طرف آخر.
لقد حول
هذا النظام الارهابي القادم من القرون الوسطى، المركب من
كوكتيل متعدد، عائلي وعشائري وطائفي ووراثي سوريا إلى سجن
كبير. فهو لم ولن يهتم بمصير بلادنا إلا بما تحقق له القبض على
السلطة المنافع الشخصية والمكاسب الأنانية على حساب المجتمع
ومستقبله. لقد سعى نظام حافظ الأسد منذ مجيئه إلى السلطة وعبر
صيرورة نظامه في الحكم أن يكون متفارقاً عن المجتمع له كل
الثروات والحقوق والامتيازات وللمجتمع القهر والقمع والتهميش
ما زالت
بلادنا تدخل في عنق الزجاجة، مقفرة، هشة، يقبض عليها نظام فردي
مستبد، معطل لحركة الواقع والتفاعل الاجتماعي بينما الحياة
المعاصرة تحتاج إلى تقنية سياسية حديثة وتطورات مادية عميقة
تحسن بناء ذاتنا وثقافتنا وهياكلنا السياسية والاجتماعية
والاقتصادية تسمح لنا بالتعامل مع العالم بانفتاح وحيوية
إن إعلان
دمشق هو نقلة حيوية مهمة جداً، قاعدة يمكن الإرساء عليها
والبناء عليها وتطوير المفاهيم والأفكار والادوات والاطر
النظرية لبلادنا ومواصلة الحوار والنقاش بين القوى السياسية
وتطويره بما يسمح بمشاركة المجتمع وما يحيط بنا في عالم ما بعد
الحرب الباردة، ونقل التجديد من الفكر إلى الممارسة استعداداً
للمستقبل والتحضير له حتى لا يداهمنا الخطر الغير محسوب عند
انهيار هذا النظام أو كنسه. ليس لدينا إلا تطوير الحوار بيننا
كقوى مختلفة من مختلف الاتجاهات سواء كانت قومية أو ماركسية أو
دينية لامتصاص الأزمة الحادة والعميقة التي تراكمت عبر عشرات
السنين على يد نظام غارق في الظلامية والظلام ومحاولة تجنب
السقوط في الصراعات البينية والاقتتال العبثي الذي لا ناقة لنا
فيه ولا جمل، ومحاولة ارساء مفاهيم حضارية حول نقاط يمكن
البناء عليها وتطويرها لوقف الخراب الذي مارسه النظام من حيث
التفتيت وإعادة المجتمع إلى مربعات ماضوية كالعشائرية
والطائفية وفضح هذا الوضع عبر وسائل متعددة، عبر الحوار
والاعلام والوسائل التقنية الجديدة والمتنوعة لبناء مجتمع
معاصر يساهم في تطوير نفسه وتطور العالم، يستفيد ويفيد، عبر
نظام لكل المواطنين السوريين بلا استثناء.
__________
* كاتب
سوري |