يومياً من

معهد الشرق العربي في لندن

الصفحة الرئيسية
أرشيف
وثائق
كتب
مواقع
من نحن
اتصل بنا
بحث
 

 

 

استقبل

النشرة الإلكترونية يومياً

 
 
 

* عشنا... وعرفنا: تتمّة حديث

بقلم: حسان شمس *

أخبار الشرق – 24 تموز/ يوليو 2008

...ها نحن كبرنا يا وطن، وعشنا وعرفنا حقيقة أن وطنا تحكمه عصابة لا تكتفي بنهب خيراته وقمع أهله ومنعهم من أبسط حقوق المشاركة والعيش الكريم، بل حتى مِن مجرد قول كلمة حق في وجوههم الجائرة: إنه ليس وطنا بل مَفسدة.

قبل اقتحام ميدان علوم "الأدب السياسي المقارَن" بين الاحتلال الإسرائيلي والنظام السوري، كنا تدرجنا في مراحل عديدة ومخاضات عسيرة، حتى استقر بنا الحال بين أحضان هذا "العلم" الشيّق؛ فبفضل شجاعة ونضال وصمود نضامنا الممانع والصنديد في دمشق، فتّحتنا عيوننا على هذه الدنيا والاحتلال يجثم فوق أرضنا؛ وما إن وعينا قليلا، حتى وجدنا كل الأشياء مِن حولنا إسرائيلية!

ورغم أن العديد من شبان الهضبة كانوا معتقلين في سجن الرملة الإسرائيلي منذ ولادتنا، باعتبارهم مِن الخلايا المقاومة للاحتلال وقتذاك، وكننا نزورهم أحيانا بصحبة أهالينا، لكن طفولتنا لم تسعفنا في فهم ما يدور حولنا. وفقط بعد زيارة الرئيس المصري السابق أنور السادات، "الذي ذُبِح لاحقا على الطريقة الإسلامية" إسرائيل أواخر سبعينيات القرن المنصرم؛ بدأنا نعي بعض المفردات السياسية كـ: سوريا، إسرائيل ومصر... إلخ، وذلك لما أحدثته تلك الخطوة من هيجان وردّات فعل.

بدأت الحكاية تكبر، وما هي إلا بضع سنوات، حتى صوّت الكنيست الإسرائيلي على قانون ضم الجولان وإخضاعه بالتالي للحكم المدني الإسرائيلي، وما تبع ذلك مِن إضراب الأهالي هناك، الذي استمر أكثر من خمسة أشهر متواصلة احتجاجا على ذلك القرار وتعبيرا عن رفضه.

تلك الفترة بالذات بدأنا نشعر أن وعينا السياسي بدأ بالتفتح، فكانت الأغنية الوطنية والعصا والحجر والأعلام السورية، والتي كان رفعها يكلّف أثمانا باهضة، مِن اعتقال وفرض غرامات مالية، وحتى إطلاق نار أحيانا.

لم نترك شيئا من موجوداتنا إلا ولوّناه على شكل العلم السوري، دفاترنا، كتبنا، أكمام قمصاننا، وحتى مفاتيح المصابيح الكهربائية في منازلنا... كنا ندرّع أنفسنا يوميا بالمقاليع والعصي والنقّيفات والحجارة، ونحتشد في ساحة القرية على أمل دحر العدو الإسرائيلي من بلادنا!

كانت، بحق، مرحلة شحن وطني وثوري، استمرت حتى نهاية ثمانينيات القرن المنصرم، يوم كانت كل الأشياء في الوطن أحلى...؛ لم نكن نعير الاهتمام لكل ما هو غير سوري، ولطالما كنا نكرر فيما بيننا جملة ستالين الشهيرة في لقاء المجاملة الذي ضمّه إلى روزفلت وآيزنهاور بعد الحرب العالمية الثانية، يوم قال متفاخرا، "أما أنا، فأخجل مِن نفسي لو لم أكن سوفييتيا!" مع استبدال كلمة سوفييتي بـ: سوري... التلفزيون السوري وإذاعة دمشق كانا زادنا وزوادتا في الحياة الدنيا؛ لدرجة أنا كنا نطفئ المذياع عند سماعنا شكوى أحد المواطنين على حفرة في طريق ما أو انقطاع المياه أو الكهرباء عن أحد أحياء دمشق، صارخين بأعلى صوتنا: "اصمت يا مواطن، أليس حسبك أنك تعيش في الشام"؛ كذلك فإن بيوتنا ليست بعيدة عن خط وقف النار، أو ما يُعرَف بتلة الصيحات والدموع، التي يجتمع الأهل على طرفيها بعد أن حالت بينهم حقول الألغام والأسلاك الشائكة، محوّلة لقاء الأحبة وعناقهم إلى كلمات تتطاير عبر الميكروفونات لتعبر تلك المسافة الفاصلة الملغّمة. على تلك الأصوات كنا نصحو معظم صباحاتنا... فهذه أم تناجي ابنها وتسأله عن اسم مولوده الجديد، وذلك ابن مِن الطرف الآخر يسأل عن أهله وأعمامه وأخواله وجيرانه بعد أن فرق الاحتلال شملهم.

بعدها، دخلنا ما يشبه حالة "إحباط وفصام وطني أو ثوري" إذا جاز التعبير؛ بين حقيقة مرّة عاشها البعض منا في الشام وصاروا مطّلعين على أدق تفاصيلها فيها، أو كانت تصل تباعا إلى البعض الآخر في الهضبة المحتلة عن أحوال الوطن، بعد التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصالات مع الانتشار الواسع للفضائيات والإنترنت. بقينا بعدها متشبثين بضرورة رفض الحديث عنها أو الإفصاح عن أي تفصيل فيها، لاعتبارات تتعلق "حسب قناعتنا ذلك الوقت" بخطورة البوح بها، نظراً لكوننا نرزح تحت الاحتلال، وما قد يؤدي ذلك إلى مفاعيل هدّامة، من المحتمل أن تنعكس سلبا على "عزيمة أهالي الجولان الوطنية"؛ فآثرنا الصمت! تلك المرحلة مِن "العفّة أو الطهارة الوطنية"؛ التي اكتشفنا لاحقا أن التشبث بها وبقيمها وقناعاتها لا يساوي قرشا عصمليا في سنين الغلاء، وأن الصمت والعفة الفائضة عن حدّها ليسا أصل دائنا وحسب، وإنما سبب كل الهلاك الذي حلّ بنا!

بعد دراسات بحثية وميدانية معمقة لتجارب الماضي وخبراته ولمجريات الأمور على الساحة الجولانية المحتلة، بدأ توجه بعضنا حاسما في التعامل مع الاحتلال والنظام الجائر في دمشق على أنهما وجهان لعملة واحدة، وأنهما حليفان موضوعيان يرتبطان بحبل سرّة، وأن بقاء الأول مرتبط بالثاني، والعكس هو الصحيح، فبققنا البحصة.

ليس هو تجنّيا على الحقيقة أو الأدب والأخلاق الرفيعة لو قارنا بين الاحتلال والنظام الذي يحكم وطننا؛ فالنظام السوري نفسه هو مَن جعل هذه المقارنة الحاضر الأكبر في حياتنا، بماضيها وحاضرها، فهو مَن أضاع الأرض وسبّب في ولادتنا تحت الاحتلال ولسنا نحن؛ وهو مَن فرّط ولا زال بأجمل منطقة سورية ليتركها لقمة سائغة للأعداء لأكثر من أربعين عاما؛... لم يجرِ فيها أي جردة حساب أو توزيع للمسؤوليات، وإنما الذي حصل عكس ذلك؛ فعوض أن يذهب المسؤولون عن ضياع الهضبة إلى السجون أو إلى منازلهم في أحسن تقدير، رقّوا أنفسهم لأعلى المناصب، ثم أورثوها لأولادهم من بعدهم!!؟

اليوم، وفيما سلطات الاحتلال الإسرائيلي أفرجت عن الأسير الجولاني سيطان الولي، بعد ثلاثة وعشرين عاما من الاعتقال المتواصل، والذي تعامل النظام السوري خلالها معه ومع كوكبة من رفاقة بمنتهى التطنيش والإهمال، دون القيام بحد أدنى مما يمليه الواجب والأخلاق والقيم الوطنية لإطلاق سراحهم.

فسلطات الاحتلال، قررت الإفراج عن الأسير الولي بعد تدهور وضعه الصحي وإصابته بمرض خبيث، أرجو الله أن يعينه على الشفاء منه، هذه السلطات لم تفعل ذلك كرمَ أخلاق منها بكل تأكيد؛ فهي فعلت ذات الشيء مع الشهيد هايل أبو زيد قبل نحو ثلاث سنوات عندما هاجمه نفس المرض، وما هي إلا أسابيع قليلة حتى فارق الحياة.

هذه المقارنة بين النظام السوري والاحتلال الإسرائيلي، تعود اليوم وبكل قوة لتستحضر نفسها من جديد، فالبروفيسور عارف دليلة، الذي يناهز السبعين من عمره، والمحكوم بعشر سنوات مع الأشغال الشاقة، قضى منها نحو ثمان، لقضية لا تقل عدالة ونزاهة عن قضية سيطان الولي ورفاقه، مصاب بالسرطان أيضا، مع الكثيرين غيره، وهم يعانون من أمراض مزمنة وخبيثة. مع ذلك، لم يتكرّم نظام "الصمود والتصدي" في دمشق بالإفراج عنهم!!... فمَن يكون الأرحم والحالة هذه، وُرثاء الجمهورية في دمشق أم العدو الإسرائيلي؟؟ وإذا كان منوال الأمور على هذا القدر من البؤس، أفلا يحق لعارف دليلة ومَن معه الغيرة من سيطان الولي، وهو أول القائلين إن ما يفعله هؤلاء لا يفعله عدو، في محاضرته الشهيرة "الاقتصاد السوري: المشكلات والحلول" التي اعتقل بسببها، وربما بسبب تلك الجملة الشهيرة التي قالها بالذات!؟

مِن النافل التذكير هنا، أن سلطات الاحتلال، رغم جورها، لم تعمد إلى تصفية أو إخفاء أي من المعتقلين الذين بحوزتها؛ وأنه رغم لا مشروعية ولا أخلاقية أحكامها، كونها تمثل سلطة محتلة، إلا أنها حافظت على حد أدنى من الشفافية في محاكماتها العلنية، والسماح للأُسر والمحامين والمنظمات الحقوقية والإنسانية في التواصل مع المعتقلين داخل سجونها، إضافة إلى توفير فرص متابعة الدراسة، وحتى نيل الألقاب الجامعية العليا، مع إتاحة بعض القنوات الفضائية لهم! فكم مِن الآلاف في أقبية النظام السوري لا يعرف ذووهم إذا ما هم أحياء يرزقون أم موتى؟ وكم من الآلاف المؤلفة مِن السوريين واللبنانيين والعرب الذين غيّر جلادو النظام أسماءهم وسيرهم الذاتية لإخفائهم عن عيون المنظمات الإنسانية؟ وكم هو الفارق شاسع بين ما يعانيه أسرى الحرية في سجون العدو وما يتعرض له نظراؤهم في سجون النظام، ولدرجة لا يمكن قياسها إلا بالسنين الضوئية؟.... وللتذكير هنا، فإن الحديث يدور عن تعامل إسرائيل مع سكان الأراضي المحتلة وليس مع مواطنيها الإسرائيليين؟ حقا، إن ما يفعله هذا النظام بشعبه، لا تتجرأ أية قوة محتلة أو غاشمة على الأتيان بربع أرباعه؛ ولو لم يكن ميزان العدل في هذا الزمان الرديء مختلاً، تتقاذفه مصالح الأقوياء وعديمي الحس والضمير من المتبجحين الغربيين بـ"الحرية والإخاء والمساواة"؛ لما كان الحديث جارٍ عن مشروعية وجود رأس النظام في احتفالات الباستيل أم عدمها، وإنما عن أيهما هو المكان الصحيح والأنسب، مزبلة التاريخ أم سجون لاهاي؟

في معرض حديثي في مقال سابق عن أسرى الجولان، وجدت أنه مِن المناسب وضع النظام أمام امتحان أخلاقي، معروفة نتائجه سلفاً؛ فيما الحديث كان دائرا عن صفقة التبديل المزمع توقيعها بين "حزب الله" وإسرائيل، وكنت أوردت ما يلي حرفياً: "وهي فرصة بالوقت عينه أمام النظام السوري للتكفير عن تقاعصه الفاضح عن تحريرهم بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عاما قضاها معظمهم خلف قضبان زنازين الاحتلال الإسرائيلي!؟ عيون الجولان وأسرى الجولان متجهة إلى الوطن كما هي على الدوام، فهل يفعلها النظام، ويغرز شوكة في حلوق الأعداء؛ قبل أن يعودوا نعوشا محمّلة إلى قراهم المحتلة واحداً تلو الآخر! أم أنكَّ أسمعت لو ناديتَ حيّا؟؟"...الصفقة تمت، وأسرى الجولان ظلوا وديعة سجون الاحتلال، وحدسنا جاء في مكانه، فلا وجود لِمَن تنادي...!!!

ليس هناك حاجة لتفتيق المزيد من الجروج وزيادة المواجع، وحتى لا نقدِّم عذرا لأي مِن ديناصورات القومية العربية لرجمنا بتهم التطبيع وتلميع صورة الاحتلال الإسرائيلي، لكن فقط مِن باب التذكير والتنويه والمقارنة المشروعة التي يدفعنا إليها النظام دفعا، وبما أن الحديث يدور حول المعتقلين، فإنه لمِن المفيد التنويه ختاما أن أهالي الأراضي المحتلة لم يتركوا شيئا عن همجية إسرائيل وعدوانيتها وعنصريتها وحقدها وطائفيتها وإجرامها إلا وكتبوا عنه أو صرّحوا به لوسائل الإعلام؛ وأنه منذ سنوات عديدة لم يسبق أن اعتُقل أحد، أو حتى استدعي للتحقيق جرّاء كتابة مقال أو الإدلاء بتصريح؛ عشتم، وعاش النضال والصمود والتصدّي، ومعهم الممانعة وعزيمة الأمّة!!!

__________

* كاتب سوري من الجولان المحتل

أعلى الصفحة

 

 

 

 

 

لأفضل استعراض استخدم

 

 

 

 

 

 

 

© 2001 - 2006 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الشرق العربي في لندن

هاتف: 1087 8817 20 (0) 44 + فاكس: 7804 127 870 (0) 44+

معهد الشرق العربي على الإنترنت: http://www.thelevantinstitute.org

بريد المعهد الإلكتروني: info@thelevantinstitute.org

أخبار الشرق على الإنترنت:  http://www.thisissyria.net

بريد أخبار الشرق الإلكتروني:   levantnews@thisissyria.net

 

معهد الشرق العربي في لندن غير مسؤول عن محتويات المواقع الأخرى المنقولة في هذا الموقع.

المقالات المنشورة في هذا الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي معهد الشرق العربي في لندن أو أخبار الشرق.