|
* العلمانية المتطرفة
تهدد استقرار تركيا
بقلم: الدكتور عبد الله
تركماني *
أخبار
الشرق – 24 تموز/ يوليو 2008
تمثل
متابعة وتيرة التغيير وآفاقه واتجاهاته المستقبلية في تركيا
قضية سياسية وفكرية هامة، إذ إن تركيا أمام أيام وأسابيع حساسة
على مختلف المستويات. فبعد أن أضحت لاعبا إقليميا مهما في
الشرق الأوسط، بفضل السياسات الحكيمة لحزب "العدالة والتنمية"
ذي الطابع الإسلامي العام المتنور، فإنّ تطرف بعض العلمانيين
الأتراك يهدد الاستقرار والازدهار اللذين تعرفهما تركيا منذ
بداية الألفية الثالثة.
وفي
الواقع، تستمد العلمانية التركية السائدة جذورها من سياسات
النظام العسكري الذي أقامه مصطفى كمال أتاتورك عام 1923. غير
أنّ هذه العلمانية ركزت على المظاهر أكثر من تركيزها على
المضامين، إذ دخل ضمن هذه التقاليد العلمانية إسناد مهمة
استثنائية للجيش التركي كحارس للنظام العلماني، تمتد لتشمل
التحكم بالنظام السياسي، رغم التحولات التي شهدتها تركيا والتي
أوصلتها إلى اعتماد النظام البرلماني والتعددية الحزبية وإجراء
الانتخابات كمصدر للشرعية.
على أنّ
الدور السياسي المسنود إلى الجيش وضع الحياة السياسية تحت
سيطرته كحارس للنظام، مما قاد تركيا إلى التخبط في معمعة
الأزمات السياسية والاقتصادية، ورهنها للاحتقانات الاجتماعية
الخطيرة، الأمر الذي حال دون أن يأخذ مسار تطورها الديمقراطي
خطا مستقيما حتى النهاية، حين ترسخ في ذهن المواطن أنّ "
العسكريتاريا " من صلب العلمانية، وحين ساد في المجتمع ما
يُعرف بـ " ثقافة الثكنة "، إذ القائد العام للجيش في مقام
الرئيس السري للبلاد، وأوامره بمثابة تعاليم مقدسة.
والأرجح
أنّ نقطتي ضعف أساسيتين اعترتا ديمقراطية تركيا، وأصابتا كل
جهودها نحو التجدد والتحديث بنكسات مدمرة: أولاهما، الدور
الرئيسي والحاسم الذي لعبته مؤسسة الجيش في المفاصل الأساسية
من الحياة السياسية، وهذا ما يمنع تركيا من الاعتماد على عقلها
السياسي البراغماتي الذي تجلى بوضوح لدى قادة حزب " العدالة
والتنمية " في حل مشكلاتها، واللجوء بدل ذلك إلى الاعتماد على
المؤسسة العسكرية. وثانيتهما، أولوية المصالح الأمنية الضيقة
لدى تركيا على مصالحها السياسية والاقتصادية في علاقاتها
ومواقفها الداخلية والإقليمية والدولية.
ويبدو أنّ
جوهر الأزمة السياسية الراهنة هو الفصل بين الديمقراطية
والعلمانية، الأمر الذي يضع تركيا على مفترق طرق ينطوي على
مخاطر تفجُّر صراع مباشر بين حزب " العدالة والتنمية " وبين
المؤسسة العسكرية التي تعتبر نفسها حارسة العلمانية، والتي
استاءت من عملية قضم صلاحياتها التي قام بها الحزب الحاكم
مستغلا شروط ودواعي انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مما
يطرح احتمال انتكاس الديمقراطية والأنموذج التركي في حل مسألة
العلاقة بين الدين والدولة.
لقد ظل
الأتراك مختلفين بشأن هذه القضية رغم التوافق الظاهري على
استمرار النظام العلماني، ومع ذلك ظنوا أنّ في إمكانهم القفز
على مشكلة بهذا الحجم. فلم يستثمروا الأجواء الإيجابية التي
شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، وما اقترن بها من بدايات
ثقة متبادلة بين فرقائهم، لتنظيم حوار صريح في العمق بهدف
التوافق على طريق واحدة يمضون فيها جميعهم إلى الأمام.
إنّ الأزمة
التركية ليست في وجود علمانية تهددها أصولية إسلامية كما تقول
أحزاب الأقلية المعارضة وأركان الجيش، وإنما هي بين طرف لا
يزال يعتمد على شرعية الشعار العلماني، وطرف أدرك أنّ الأساس
القوي للشرعية هو الإنجاز، واحترام إرادة الشعب، واستطاع
خلال أقل من عقد أن يحدث نقلة نوعية إيجابية في مستوى معيشة
القطاع الأكبر من المواطنين. والأزمة الحقيقية هي في قدرة
جميع الأطراف على التوفيق بين قيم الديمقراطية وقيم
العلمانية، باعتبارهما تنتميان معا إلى منظومة واحدة هي
"منظومة الحداثة والتنوير".
وفي الواقع
تكمن قوة حكومة أردوغان: أولا، في شعبية حزبه الواسعة التي لا
تقتصر على الفئات المتدينة من الشعب، فقد ضم جمهور ناخبيه أيضا
علمانيين يتوقون إلى التحولات الديموقراطية، بعد قرن من إمساك
الجيش عمليا بالسلطة، وجمهور الأقليات القومية والدينية التي
تتوق إلى نظام منفتح يعترف بالتنوع، وطبقة رأسمالية صاعدة.
وثانيا، في إنجازاتها الاقتصادية المهمة.
وأيا كانت
النتائج التي ستتمخض عنها التطورات المتسارعة في الأزمة
السياسية التركية الراهنة، فإن القراءة الموضوعية للمشهد
السياسي الراهن في تركيا، تكاد توحي بأنّ كرة الجليد تحركت في
اتجاه التغيير، حتى أضحى الأتراك في صدد تدشين أسس جمهوريتهم
الثانية، التي يتم خلالها تصحيح مسار العلمانية التركية، بحيث
يتقلص الدور السياسي للعسكر وتتخلى العلمانية الأتاتوركية عن
الإفراط في التطرف، كي تغدو أكثر تقبلا للاختلاف والتعددية
وأشد قربا من الديموقراطية والدولة المدنية.
فهل تخرج
تركيا من أزمة الجدل بين العلمانية والديمقراطية لصالحهما في
آن واحد؟
__________
* كاتب
وباحث سوري مقيم في تونس |