|
* خط "واشنطن – طهران"
يكمل خط "باريس – دمشق"
بقلم: عريب الرنتاوي *
أخبار
الشرق – 21 تموز/ يوليو 2008
"ليس
للولايات المتحدة أعداء دائمون"... بهذه العبارة نطقت وزيرة
الخارجية الأمريكية مبررة التغيير الذي طرأ على سياسة بلادها
حيال إيران، حيث شددت على خيار الدبلوماسية والاحتواء في
التعامل مع الجمهورية الإسلامية، بديلا عن سياسة العصا الغليظة
ودبلوماسية البوارج والعزل والإقصاء، مسقطة شروطها السابقة
للحوار مع إيران، وأهمها وقف التخصيب أو تعليقه.
وليام
بيرنز، الذي لا أحد منا كسياسيين وصحفيين وكتاب أردنيين لم
يتعرف عليه، السفير المثقف، الهادئ والعميق، الذي خدم بلاده في
عمان لمدة أربع سنوات قبل أن يقفز إلى المرتبة الثالثة في
وزارة الخارجية الأمريكية، وليام بيرنز هذا سيكون على موعد في
جنيف، مع سعيد جليلي بصحبة خافيير سولانا ومندوبين على المستوى
ذاته، للبحث في مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وربما في ما
هو أبعد من ذلك وأعمق وأشمل.
وغني عن
القول، أن دخول الولايات المتحدة المباشر على خط "سولانا –
جليلي"، يأتي متزامنا مع تصريحات أمريكية تتحدث عن قرب استئناف
الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين "اللدودين" وعن قرب
افتتاح مكتب رعاية مصالح أمريكي في طهران، فمن الواضح أن
للولايات المتحدة من المصالح في إيران وجوارها، ما لم يعد
ممكنا الحفاظ عليه عبر الوكلاء والأصدقاء، بل بات يحتاج إلى
مكتب خاص، بحجم سفارة وربما أكبر.
وثمة على
خط مواز، قنوات حوار متعددة بين "الجمهورية الإسلامية" من جهة
و"زعيمة الاستكبار العالمي" من جهة ثانية، يقال أن كمال خرازي،
وزير خارجية إيران الأسبق، كان أحد طرفي إحدى هذه القنوات،
فيما أكاديميون وسياسيون متقاعدون ليسوا بعيدين عن المستوى
الرسمي، يتناوبون على القنوات الأخرى، من دون أن ننسى "القناة
البغدادية" الرسمية على مستوى السفراء.
نحن إذن،
أمام مرحلة جديدة في علاقات طهران مع واشنطن، لا تتميز باختفاء
العداوات ولا بانتفاء صراع المصالح، بل في كيفية إدارة هذا
الخلاف، وسبل حل هذا الصراع، بوسائل دبلوماسية بدل الحرب
والتلويح بها، ومن خلال الحوار والتواصل، بدل القطيعة والقصف
الكلامي عن بعد، ومن منا لا يذكر مكاتب رعاية المصالح
الأمريكية في غير دولة شيوعية (كوبا الأشهر) ومن منا لا يعرف
درسا واحدا على الأقل، أنجزت فيه الدبلوماسية والحوار ما عجزت
عن إنجازه آلة الحرب والدمار، حتى حين يتعلق الأمر بتغيير
الأنظمة وتغيير السياسات؟!.
وأحسب أنه
يمكننا القول، أن التقارب الإيراني – الأمريكي هو الوجه الآخر
للتقارب الأوروبي – السوري الذي بلغ ذروة غير مسبوقة منذ
سنوات، في أثناء زيارة الأسد لباريس، ولقاءاته مع الرئيس
الفرنسي وبعض الشخصيات الأوروبية، وإعلان بريطانيا رغبتها في
استئناف علاقاتها مع دمشق، فضلا عن استئناف المفاوضات السورية
الإسرائيلية، فالخط الذي سيفتح بين طهران وواشنطن، سيكمل على
ما يبدو الخطوط المفتوحة بين دمشق وكل من باريس وبروكسل وبرلين
ولندن ومدريد وروما، وكل هذه الخطوط تمر باسطنبول وتستريح فيها
على ما يبدو، بعد أن تحولت تركيا / العدالة والتنمية ورجب طيب
أردوغان، إلى لاعب إقليمي رئيس.
هذه
التطورات أصابت بعض دول الاعتدال العربي بما يشبه حالة فقدان
الاتجاه... فالأنباء تتحدث عن تحفظ سعودي على التقارب السوري -
الفرنسي كشف عنه الوزير الفرنسي برنارد كوشنير شخصيا، وتأليب
لروسيا على إيران كشفت عنه صحيفة "كومرسانت" الروسية، وعن عدم
ارتياح مصري خافت على الأمرين معا، أما أسباب "الخفوت" فكامنة
في ضعف أدوات التعبير والتأثير المصرية وتراخيها، ولا يمكن
ردها إلى فرضية أن التحفظ المصري على هذه التطورات، أقل حدة من
نظيره السعودي.
نحن إذن،
أمام لحظة إقليمية ودولية راهنة، تتميز بانفتاح العالم على
"معسكر الشر" بعد أن تميزت اللحظة التي سبقتها، بنجاح هذا
المعسكر في تسجيل عدد من النقاط لصالحه في غير مواجهة وعلى غير
صعيد، فيما "معسكر الاعتدال" تنتظره مراجعات شاملة، لن يجريها
كما نحسب، لأنها ستفضي إلى "توصيات" ليس بمقدوره أن يأخذ بها،
إلى أن يأتي اليوم الذي ستردد فيه السيدة رايس أو من سيخلفها
في موقعها على رأس الدبلوماسية الأمريكية، "الشطر الثاني" من
العبارة التي بدأنا بها هذا المقال: ".. وليس للولايات المتحدة
أصدقاء دائمون".
_________
* مدير
مركز القدس للدراسات السياسية |