|
* "التغيير" السوري و"الانفتاح" الأوروبي... لماذا؟
صحيفة النهار اللبنانية - الثلاثاء 15 تموز/ يوليو 2008
سركيس نعوم (sarkis.naoum@annahar.com.lb)
عانت سوريا بشار الاسد عزلة عربية شبه خانقة، وعزلة دولية
خانقة منذ اواخر عام 2004. كما عانت كثيراً الآثار السلبية
لهذا الموقف العربي – الدولي رغم رفضها الاعتراف به وبالاضرار
التي الحقها بها.
ويميل اللبنانيون وخصوصاً الذين منهم يعتقدون انهم وبلدهم
"صرة" العالم، الى الاعتقاد انهم كانوا السبب في العزلة
المذكورة. ذلك ان سوريا هذه رفضت صيف 2004 التخلي عن التمديد
لحليفها في رئاسة الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود خلافاً
لإرادة غالبية "الشعوب" اللبنانية ولنصوص الدستور، رغم مطالبة
المجتمع الدولي اياها بذلك. فكان رد الاخير اصدار مجلس الامن
القرار 1559 الذي يعرف الجميع مضمونه، وقد تلته قرارات اخرى
مهمة دفعت بسوريا الى سحب جيشها من لبنان بعد اغتيال الرئيس
الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005. لكن هذا الميل لدى هؤلاء
اللبنانيين صحيح جزئياً فقط، لان التردي في علاقة المجتمعين
العربي والدولي مع النظام في دمشق بدأ قبل التطورات
الدراماتيكية المشار اليها اعلاه وكانت له اسباب مهمة عدة منها
الانخراط في الارهاب ضد قوات التحالف الدولي ذات الاكثرية
الاميركية في العراق، والتعاون مع الجمهورية الاسلامية
الايرانية الى حد التماهي، ورعاية "حزب الله" اللبناني
والحركات الاصولية الفلسطينية. وعندما لم تفلح المحاولات
الاميركية في اقناع النظام السوري بتغيير سلوكه حيال كل هذه
القضايا، ربما لانها لم تكن جدية كفاية او بالاحرى متوازنة،
التفت المجتمع الدولي وتحديدا زعيمته اميركا الى لبنان بعد
تفاقم الاوضاع فيه بسبب مبالغة سوريا وقواتها واجهزتها
وحلفائها اللبنانيين في القمع بغية الامساك بالبلاد نهائياً،
فكان الحجة المباشرة او السبب المباشر لبدء حملة الضغط الفعلية
على دمشق ونظامها والتي "اثمرت" لاحقاً عزلة عربية ودولية
خانقة لها.
اما الآن فيبدو واضحاً ان العزلة المشار اليها قد بدأت تتبدد،
وانها قد تصير في مستقبل غير بعيد جزءاً من الماضي. فالعرب
عموماً، ورغم غضب دولهم الكبيرة على سوريا الآن، افسحوا في
المجال امام قطر وإن في ظل مبادرة من جامعة الدول العربية كي
تمكنهم من الاعتراف من جديد بدور سوري مهم في لبنان ومن ترقب
تنفيذه، وقد حصل ذلك وإن مع الكثير من الصعوبات. والمجتمع
الدولي اعاد فتح ابوابه لسوريا من خلال فرنسا نيكولا ساركوزي
التي قدرت ايجاباً وبسرعة "تجاوب" سوريا اللبناني فدعت رئيسها
الى فرنسا، وسارعت او ربما تسرعت في تقديم المقابل له. وما
كانت فرنسا هذه لتقوم بذلك لولا مصالحها ولكن ايضاً تفاهمها مع
شقيقاتها الاوروبيات وحليفتها الولايات المتحدة.
اما اسرائيل فقد استجابت اخيراً الدعوات السورية المتكررة
للعودة الى طاولة التفاوض. وهي ما كانت لتفعل ذلك لولا حصولها
من واشنطن، اي من اميركا بوش على ضوء أخضر وهي التي امتنعت في
السنوات الثلاث الماضية عن استجابة كهذه بطلب من الأميركا
نفسها.
كيف يفسر المتابعون الاميركيون المختصون بالشرق الاوسط وخصوصاً
سوريا، التغيير الذي بدأه الخارج مع سوريا بشار الاسد؟
وما هي الاسباب التي يعطونها له؟
المعلومات والمعطيات والتحليلات المتوافرة لدى هؤلاء تشير الى
امر مهم هو انهم فوجئوا باخبار التطورات الايجابية المتعلقة
بسوريا في اوروبا ومع اسرائيل. كما فوجئوا ليس بالرغبة في
التغيير التي اظهرها رئيسها بشار الاسد، بل في الحرص على
الاسراع في انجاز هذا التغيير. وتشير ايضاً الى ان هؤلاء لا
يزالون يجهلون تفاصيل ما حصل ووفر الاجواء الملائمة لهذا
التغيير. لكنها تشير في الوقت نفسه الى سلسلة اسباب قد تكون
وراء هذه التطورات الا انها تضعها في صيغة اسئلة او تساؤلات
ربما حرصاً منها على استكمال التحقق من صحتها. هذه الاسباب
تعبّر عنها المعلومات نفسها بالآتي:
هل ان ازاحة الرئيس بشار الاسد عدداً من الذين كانوا يشكلون
محيطه المباشر وكان دورهم "مفصلياً"، اذا جاز التعبير، في
النظام ازالت عبئاً عنه وعقبة امام اقدامه على تنفيذ سياسة
مرنة من دون "تخل عن الثوابت" تحقق له الكثير من المكاسب وتخفف
العزلة التي كادت ان تصبح خانقة له؟ (هذا السؤال يوحي ان
تغييرات حصلت داخل النظام. فهل حصلت تغييرات كهذه؟)
وهل رأى الرئيس بشار الاسد بعد تقويمه للاوضاع في المنطقة في
ضوء ما يجري في لبنان وفلسطين والعراق وكذلك في افغانستان
وغيرها، ان حرباً كبيرة بين بلاده واسرائيل تلوح في الافق وان
لا مصلحة له في خوضها الآن بسبب ميزان القوى المختل عسكرياً
لمصلحة عدوه؟
وهل خشي الرئيس بشار الاسد ان تقع بلاده ضحية مواجهة عسكرية
كبيرة بين اميركا وايران الاسلامية حليفته، او بين الاخيرة
واسرائيل، وتالياً ان تدفع ثمنها سوريا من استقرارها وامنها
واقتصادها وقبل كل شيء من نظامها؟
وهل ان الوضع الاميركي الداخلي، وتحديداً المعركة الانتخابية
الرئاسية المحتدمة بين باراك اوباما الديموقراطي وجون ماكين
الجمهوري والتي سيحسمها الناخبون الاميركيون في تشرين الثاني
المقبل، هل له او كان له دور في اقدام الرئيس السوري بشار
الاسد على بدء عملية التغيير والاسراع فيها وعلى تشجيع الخارج
الدولي على التجاوب معه انطلاقاً من اوروبا وتحديداً فرنسا؟ |