|
* محور: تأثير معاهدة سلام سورية - إسرائيلية على لبنان
على تركيا العائدة إلى الشرق الأوسط أن تتعلم لعبة الشطرنج
الفارسية
صحيفة النهار اللبنانية - الثلاثاء 15 تموز/ يوليو 2008
عمر تاسبينار (مدير برنامج تركيا في
مؤسسة بروكينغز في واشنطن، ترجمة نسرين ناضر عن الإنكليزية،
المحور من إعداد ميشال ابو نجم)
افتتحت "قضايا النهار" محورا نقاشيا ذا مسعى استشرافي تحت
عنوان "تأثير معاهدة سلام سورية - اسرائيلية على لبنان" تساهم
فيه أقلام لبنانية وعربية وأوروبية وأميركية دعتها "قضايا
النهار" خصيصا للمساهمة. وقد قدم الزميل جهاد الزين قراءة
استهلالية للمحور(1-7-2008) و نشرنا مساهمة الباحثة الأميركية
مارينا أوتاوي (2-7) ومساهمة ابرهيم نجار (8-7) واليوم ننشر
مساهمة الكاتب التركي عمر تاسبينار:
حصل الأمر، أخيراً وها هي تركيا تؤدّي دوراً بارزاً في عملية
السلام في الشرق الأوسط. يعرف العالم بأسره الآن أن تركيا هي
التي تسهّل المفاوضات غير المباشرة الجارية حالياً بين إسرائيل
وسوريا. وقد اكتسبت العملية زخماً في شباط 2007 خلال اجتماع
بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ورئيس الوزراء
التركي رجب طيب أردوغان في أنقره. في الواقع، تعرض تركيا تأدية
دور الوسيط بين الجارين العدوين منذ عام 2004. وهكذا فإن ما
يحصل في اسطنبول بإدارة أحمد داود أوغلو هو نجاح كبير
للديبلوماسية التركية. فكما أورد كاتب العمود الخاص في صحيفة
"واشنطن بوست"، ديفيد إغناسيوس، يبشّر هذا الوضع بعودة تركيا
إلى الشرق الأوسط لأول مرة منذ العام 1918.
ماذا عن رد الفعل الأميركي على هذا كله؟ الآن وقد انضمّت
إسرائيل إلى الركب وباتت تتحدّث بصورة غير مباشرة مع النظام
السوري من خلال الأتراك، لم نعد نسمع واشنطن تتذمّر من علاقات
تركيا الوثيقة بسوريا. وإذ تجري تركيا الآن وساطة ناجحة بين تل
أبيب ودمشق، لم نعد نسمع أيضاً اللوبي الإسرائيلي في واشنطن
يتذمّر من استقبال تركيا زعيم حركة "حماس"، خالد مشعل، في
أنقره قبل عامين.
لقد حان الوقت كي تدرك واشنطن أن الجهود التي تبذلها تركيا منذ
وقت طويل لفك العزلة عن سوريا والعمل من أجل السلام في الشرق
الأوسط تستحق دعماً جدياً. ترفض الولايات المتحدة حالياً أي
حوار مع دمشق. هذه هي على الأقل السياسة التي ينادي بها مكتب
نائب الرئيس الأميركي. لكن في نهاية المطاف، يجب أن تتوقّف كل
السياسات السيئة. لقد استغرقت واشنطن وقتاً طويلاً جداً لتدرك
أن عدم التحدّث مع دمشق يدفع بالنظام السوري أكثر فأكثر نحو
إيران. وبدلاً من دفع سوريا وإيران إلى التقارب، يتعيّن على
واشنطن أن تمنح محادثات السلام السورية - الإسرائيلية جرعة دعم
أكثر تشجيعاً بكثير.
تتحقّق مصالح الولايات المتحدة الطويلة الأمد بصورة أفضل إذا
توصّلت إسرائيل إلى اتفاق سلام يفك التحالف غير الطبيعي بين
سوريا وإيران.
بالتأكيد، الخبراء المتمرّسون في الشرق الأوسط حذرون. لا أحد
يراهن على أن جولة المفاوضات الجديدة بين إسرائيل وسوريا - أول
محادثات سلام جدية منذ ثماني سنوات - سوف تقود إلى تسوية في أي
وقت قريب. وبعض المعلّقين العرب قلقون أيضاً من أن قرار
إسرائيل التحدّث مع سوريا قد يتحوّل عذراً للتخلّي عن
المحادثات مع الفلسطينيين حول حل الدولتين. ويطرحون أيضاً
سؤالاً مشروعاً: هل تل أبيب جدّية بشأن السلام؟ يتعرّض رئيس
الوزراء الإسرائيلي نفسه لتحقيق تجريه الشرطة قد يضع حداً
لحياته السياسية وذلك على خلفية اتهامه بتقاضي أموال غير
قانونية من رجل أعمال. وحكومة أولمرت هي أيضاً في خضم محادثات
سلام مع الفلسطينيين لم تحقق الكثير من التقدم وتواجه معارضة
داخلية قوية.
نظراً إلى أداء أولمرت الضعيف في استطلاعات الرأي وحكومته
المنقسمة، من المغري تحويل بعض الأنظار بعيداً عن متاعبه
الداخلية. فضلاً عن ذلك، من شأن أولمرت أن يواجه معارضة شديدة
لمعاهدة سلام كبرى مع دمشق، ولا سيما إذا نص الاتفاق على
التخلّي عن مرتفعات الجولان. ليس للجولان معنى ديني بالنسبة
إلى اليهود، ولا يضم سوى عشرين ألف مستوطن مقارنة ب450 ألف في
الضفة الغربية. لكن الكثيرين في إسرائيل لا يزالون يؤمنون
بالقيمة الاستراتيجية لهذه الأرض. بحسب آخر الاستطلاعات، لا
يزال ثلثا الإسرائيليين يعتبرون أن التخلي عن الجولان يشكّل
خطراً كبيراً على الأمن القومي. قد يتمكّن زعيم إسرائيلي قوي
من إقناع شعبه بإيجابيات التخلي عن الجولان، غير أن أولمرت
ضعيف سياسياً ويبدو عاجزاً عن التوصّل إلى اتفاق سلام ذي معنى.
أما سوريا فلديها من جهتها هدفان. أولاً، تريد استعادة مرتفعات
الجولان التي استولت عليها إسرائيل في حرب 1967. ثانياً يريد
نظام بشار الأسد تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة. تزداد
دمشق امتعاضاً من عزلتها عن المجتمع الدولي. وما يقلق الأسد في
شكل خاص هو المحكمة الخاصة بلبنان المكلّفة التحقيق في اغتيال
رفيق الحريري عام 2005. أخيراً، يطلق اتفاق تقاسم السلطة الذي
جرى التوصّل إليه في لبنان - والذي يمنح "حزب الله" القدرة على
تعطيل القرارات الاستراتيجية للحكومة اللبنانية - يد سوريا
أكثر في المفاوضات مع إسرائيل. نتيجة لذلك، لدى إسرائيل الآن
أسباب أقوى لإبعاد سوريا عن شبكة حلفائها الحاليين. قد يبدو
هذا كله معقّداً جداً للديبلوماسية التركية التي اعتادت
التعامل مع الغرب. سياسة الشرق الأوسط أشبه بلعبة شطرنج
متعدّدة البعد. الشطرنج هي بالتأكيد لعبة فارسية. ومنذ اجتياح
العراق على يد الولايات المتحدة، تلعب إيران ببراعة. ومع عودة
تركيا السلمية إلى المنطقة، سوف يكون على أنقره أن تحسّن
أداءها في هذه اللعبة. |