|
* في ما خصّ العلاقات الدبلوماسية...
صحيفة الحياة اللندنية - الثلاثاء 15 تموز/ يوليو 2008
حازم صاغيّة
تشوب الفرحةَ بالإعلان عن علاقات ديبلوماسيّة بين لبنان
وسوريّة غصّة. فالإنجاز الكبير الذي استدعى كلّ ذاك الجهد، كما
صُرفت من أجله كلّ تلك السنوات، كان ينبغي أن يكون معطى
طبيعيّاً وبديهيّاً. لكنْ إذا تطلّب الطبيعيّ والبديهيّ كلّ
هذا، فما الذي تتطلّبه أمور أعقد تقع في صلب العلاقة بين
الدولتين والبلدين؟
لماذا هو طبيعيّ وبديهيّ؟ لأنّ دول العالم كلّها، ما عدا
سوريّة ولبنان، تتبادل العلاقات الديبلوماسيّة. حتّى الدول
الاسكندينافيّة التي تكاد تقارب الوحدة الاقتصاديّة الكاملة في
ما بينها، تقيم واحدتها سفارة في عاصمة الدولة الأخرى. حتّى
دول الخليج التي كانت جزءاً من عُمان التاريخيّة، ترتبط
بعلاقات ديبلوماسيّة هي نفسها التي تربط بين دول الاتحاد
الأوروبيّ أو دول مجلس التعاون الخليجيّ أو الدول المغاربيّة
أو دول الكتلة السوفياتيّة يوم كانت كتلة سوفياتيّة.
وهو طبيعيّ وبديهيّ لأن لبنان ليس جزءاً من سوريّة فصلته عنها
«الأمّ الحنون»، أي الاستعمار الفرنسيّ. بل ان لبنان وسوريّة
الحاليّين جزء من السلطنة العثمانيّة كان لا بدّ من وضعهما في
وعاء دولتيّ حين انهارت السلطنة المذكورة. وحتّى لو كان لبنان
جزءاً من سوريّة وانقضى على انفصاله عنها قرن ونيّف، فإن هذا
الزمن الفاصل كافٍ لتحويل الاصطناعيّ الى طبيعيّ.
ثمّ ان الدول الصغرى لا بدّ أن يؤرّقها جوار الدول الأكبر
حجماً والأقوى التي تحكمها أنظمة غير دستوريّة. وسابقة العراق
والكويت، على رغم تبادل السفارات بينهما، طريّة في الأذهان
والذاكرات. ففي اللحظة التي وجد صدّام حسين فرصته سانحة،
تقدّم، غير هيّاب، لـ «إعادة الفرع الى الأصل».
والحال ان عدم وجود علاقات ديبلوماسيّة رغم مرور عشرات السنين
على نشأة البلدين، أقرب الى فضيحة. بيد ان الثقافة السياسيّة
العربيّة لم تنظر إليها هكذا بسبب عطل عميق في تلك الثقافة
مصدره سيادة الوعي القَبـَليّ. فهي ترى الى العالم أخوة وأعداء
أكثر مما تراه دولاً وأنظمةًً ومصالح. لهذا يُقدّم لبنان
وسوريّة بوصفهما شقيقين، لا بوصفهما نظاماً يريد أن يكون
ديموقراطيّاً وآخر عسكريّاً - عقائديّاً. ويبلغ التناقض ذروته
حين تعني مراعاة المصالح السوريّة في لبنان تكميم الإعلام
اللبنانيّ أو الامتناع عن استقبال معارضين ولاجئين سوريّين،
وهذا فحوى الموقف السوريّ الثابت، بدل أن تعني، مثلاً لا
حصراً، إعطاء الأفضليّة لسوريّة في التبادل الاقتصاديّ أو في
خطط الاستثمار الخارجيّ أو غير ذلك.
والأخوّة مفهوم طبيعيّ ورابطة طبيعيّة خام، لم تحل، ولا تحول،
دون نشوب الحروب منذ قايين وهابيل. وغنيّ عن التذكير أن أكثر
من تسعة أعشار الحروب التي يعيشها كوكبنا اليوم حروب حدوديّة
بين «أخوة» تجمع بينهم القواسم المشتركة، الجغرافيّة
والتاريخيّة واللغويّة، التي تجمع بين لبنان وسوريّة. لهذا
يُفترض أن تشرف على هذه الرابطة وعلى اشتغالها رابطة أخرى من
طبيعة أرقى، أكثر دستوريّة وأعلى مسؤوليّة. ومعروف، مثلاً، ان
أمّاً حنوناً هي التي تردع الأخ عن أن يفقأ عيني أخيه الأصغر
بُعيد ولادته. والحدث الباريسيّ الأخير ربّما كان يحمل هذا
المعنى. عسى الأمر كذلك. |