|
* أبعد من تهدئة
صحيفة النهار اللبنانية - الأربعاء 16 تموز/ يوليو 2008
محمد ابرهيم
ربط الرئيس السوري بشار الأسد نقل المفاوضات غير المباشرة،
الجارية برعاية تركية، الى مفاوضات مباشرة بمشاركة "الراعي
الاميركي".
ونظرا الى استمرار القطيعة في العلاقات بين دمشق وواشنطن اعتبر
الاسد ان الادارة الاميركية الحالية "غير مهتمة بالسلام" وان
هذا ينبغي ان ينتظر الادارة الجديدة.
تبرّع كل من رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ورئيس
الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت بمهمة اقناع الرئيس الاميركي
جورج بوش، قريبا، بتغيير موقفه واتخاذ قرار برعاية نقل
المفاوضات السورية – الاسرائيلية الى صيغة مباشرة.
و"قريبا" بالنسبة لأردوغان وأولمرت ينبغي ا ن تعني قريبا جدا
لأن الرجلين يواجهان في الاسابيع المقبلة ما يُرَجّح أنه ازاحة
للسلطة لعوامل داخلية خاصة بكل من تركيا واسرائيل.
فهل يمكن توقع مثل هذا التغيير الاميركي المفاجىء والذي يستكمل
التغيير الذي شهدته باريس في الايام الاخيرة".
من ناحية الشكل ما زال الرئيس الاميركي واداراته يكرران الشروط
ذاتها لتغيير الموقف من سوريا، وان بوتيرة متباعدة وعلى نحو
أشد ابهاما.
لكن من الناحية العملية لا بد من ملاحظة التغيير الفعلي في
الموقف الاميركي من سوريا.
المبادرة الفرنسية الى الانفتاح على دمشق وتاليا مساعدتها على
الانفتاح على "العالم" لا تأتي من موقع المناكفة بين رئيس
فرنسي جديد وقديم. فالرئيس الجديد هو الذي أطلق عليه اسم صديق
الاميركيين والرئيس بوش تحديدا. ولم تحصل في العلاقات
الاميركية – الفرنسية تطورات توحي بوجود خلافات يعبر عن أحد
جوانبها الموقف الفرنسي المتميز من الرئيس السوري.
الانفتاح الفرنسي على دمشق هو على الارجح، استمرار للتكليف
الاميركي للصديق الفرنسي بمحاولة اقناع الرئيس السوري بما لم
تستطع واشنطن اقناعه به.
التعاون الفرنسي – السوري كان الاوضح في الملف اللبناني مثلما
كان التعاون الاميركي – الفرنسي في الملف اللبناني نقطة
الانعطاف في العلاقات الفرنسية – الاميركية التي توترت إبان
غزو العراق.
لكن اشارات "حسن النية" السورية لم تقتصر على لبنان. ففي
الخلاف الفلسطيني – الفلسطيني تساهم دمشق اليوم في مساعي
العودة الى ما قبل انقلاب "حماس" في غزة. هذا بعيد جدا عن ما
تطلبه واشنطن من "طرد المنظمات الارهابية الفلسطينية" من دمشق،
لكنه عمليا قرار باغلاق استخدام ساحة أخرى، اضافة الى لبنان،
في المواجهة بين المحورين. وهنا لا بد من ملاحظة تراجع استخدام
هذا المصطلح، في وصف ما يجري اقليميا في الاسابيع الاخيرة.
في التصميم على فتح مسار السلام السوري – الاسرائيلي قرار سوري
قديم بالسعي الى خرق الحصار الذي كان مفروضا على سوريا. لكن في
رفع مطلب ضرورة المشاركة الاميركية في هذا المسار، ولو عبر
ادارة جديدة، اشارة "حسن نية" أخرى تضع دمشق بعيدا عن لغة
الحليف الايراني في "المحور" ولا حاجة هنا لاستعادة تعابير
خطاب الرئيس الايراني حيال اميركا.
خفتت كثيرا الشكاوى الاميركية من الدور السوري في تسلل
المقاتلين الى العراق. ولم تفت الرئيس السوري الاشارة في
تصريحاته الاخيرة الى ان دمشق قادرة على المعاونة في كل ملف
الارهاب، شرط ان يرتقي هذا التعاون الى المستوى السياسي.
أخيرا كان واضحا ان الموقف السوري من الملف النووي الايراني
الاقرب الى لعب دور الوسيط، بالطبع بعد اعادة تأكيد المواقف
المبدئية الخاصة بازالة اسلحة الدمار الشامل من كل المنطقة.
صحيح ان دمشق لا تزال تؤكد على العلاقة الاستراتيجية بطهران،
وصحيح أن هذه العلاقة لا تزال قائمة، لكن هناك مسار رُسم في
الاسابيع الاخيرة لا يمكن اعتبار انه بعيد عما ترغب فيه
الولايات المتحدة.
وهذا كله ربما يفسر عودة التوتر الى الملف النووي الايراني
وبروزه وحيدا كمجال للاحتكاك مع الولايات المتحدة فيما شهدنا
قبل أشهر كيف ان المواجهة بين "المحورين" غطت معظم "ساحات"
المنطقة.
إنها التهدئة التي يحتاجها الرئيس الاميركي "الخارج" والذي كان
فشله الاكبر شرق أوسطيا، وتحتاجها سوريا التي كانت توحي من عزّ
المواجهة بين "المحورين" الى انها كانت تدفع دفعا الى الخيارات
القصوى. |