|
* الأليزيه وسياسة الاحتواءات الجامعة
موقع ثروة الالكتروني – الثلاثاء 15 تموز/ يوليو 2008
جهاد صالح - بيروت
وأخيرا، نجحت باريس أن تجمع بشار الأسد وميشال سليمان وحسني
مبارك وأولمرت على أراضيها، وكل واحد قدم إليها وفي جعبته سلّة
من الرسائل والمطاليب والأفكار لأجل بلورة خطة سياسية مستقبلية
تحت رعاية مباشرة من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
الأسد، قادم من دمشق بعناوين قائمة على الاستعداد لفعل كل شيء
والانفتاح على الغرب وأميركا شرط التقدم في مفاوضاته مع
إسرائيل، وتقديم أوروبا وأميركا دعما لوجستيا لها.
وهو في اعتقاده أنه إذا نفذ الرغبات والمطاليب الدولية، وخاصة
(الانفكاك عن إيران) فسيصبح الولد المدلل لدى الجميع، وخاصة
أميركا. وسيسعى إلى الحصول على ضمانات غربية بعدم التدخل في
شؤون سوريا الداخلية، خاصة ملف حقوق الإنسان السيء الصيت، ودعم
نظامه اقتصاديا من الدول العربية \ دول الخليج العربي\،
ومساعدات عسكرية وسياسية من الولايات المتحدة الأميركية،
وإبعاد شبح المحكمة الدولية التي تسبب له ولأركان نظامه قلقا
وخوفا لا يمكن إخفاؤه.
الرئيس سليمان تنفس الصعداء، بعد أن جاء تشكيل الحكومة
اللبنانية الجديدة كقوة معنوية وسياسية تؤهله للتفاوض مع باريس
والأسد حول مستقبل الدولة اللبنانية وقضية ترسيم الحدود ومزارع
شبعا، والتمثيل الدبلوماسي بين بيروت ودمشق، في ظل عودة
العلاقات السياسية بينهما، والتي انطلقت بدايتها من قصر
الأليزيه.
طبعا إعلان الحكومة اللبنانية في اللحظات الأخيرة جاء بلمسة
سحرية سورية، وخاصة أنها كانت من ضمن المطاليب الباريسية للأسد
قبل توجهه إليها، وبذلك قدّم ملامح لحسن نية يفسرها الفرنسيون
على مدى تجاوب دمشق معها حتى نهاية الطريق؟
ساركوزي المتمسك بسياسة الواقعية والانفتاح على دمشق، كمرحلة
سياسية جديدة قد تغير وجه الشرق الأوسط، وتحويل الأسد ونظامه
من محور شر، إلى محور مرن ومتعاون. وهذا ما تم وضعه في السلة
السورية، فالأسد عليه فك تحالفه عن طهران، وعدم التدخل بأي شكل
إلى جانبها فيما إذا تم إعلان الحرب على طهران في موضوع
المفاعل النووي، وتهديدها للمصالح الغربية والأميركية في مياه
الخليج، وكذلك الكف عن دعم "حزب الله" وحماس والحركات
الأصولية، وغيرها من مطاليب سرية ستظهر قريبا على السطح؟
سوريا تسير على طريق باريس، وأدخلت بعض الإيجابية في موضوع
لبنان، والسلام مع إسرائيل، ولكنها حذرة في الانزلاق الكامل،
وتنتظر نهاية ولاية الرئيس الأميركي\ جورج بوش\ وموقف الإدارة
الأميركية الجديدة منه، وخاصة أن أميركا تحفظت على المفاوضات
السورية الإسرائيلية، وتمني أولمرت والأسد أن ترعاها أميركا،
والإصرار الأميركي في موضوع المحكمة الدولية والسير بثقافة
العقوبات ومحاسبة سوريا وفق خطة تزداد وتيرتها وحماوتها ضمن
المشروع الأميركي المرسوم في الشرق الأوسط، وضمان مصالحها
الإستراتيجية في المنطقة والمهددة من إيران وسوريا وأتبعاهما.
باريس فشلت سابقا في إنقاذ لبنان من البراثن السورية، ولهذا
غيّرت سياستها وأبدت مرونة كبيرة مع دمشق ونظامها المتلاعب على
جميع الحبال، وهي الآن تراهن على \ترويض النظام السوري\ وفق
سياسة توافق المصالح وتسويتها، ولكن هل ستنتهي الأمور بالقضية
اللبنانية والسلام السوري الإسرائيلي؟
طبعا لا يمكن تجزئة الحقائق والقبول بأنصاف الحلول، لأن الوضع
الداخلي للشعب السوري يرثى له، في ظل مجتمع بحاجة إلى التغيير
والإصلاح والمصالحة الوطنية وتبييض ملف حقوق الإنسان، وموضوع
الحريات وتداول السلطة والديمقراطية، وخاصة ما حدث من مجزرة في
صيدنايا، والاستمرارية في الاعتقال الكيفي بحق النشطاء، وكل
شيء مرتبط بالوضع السياسي والإقليمي والدولي للنظام، ولا يمكن
لباريس وغيرها إجراء تسويات ضمن المنطقة على حساب طموحات الشعب
السوري وقواه المعارضة، في سبيل الحرية والعدالة وحقوق
الإنسان، وإن فعلتها باريس وأحيت الأسد من دم وخبز المواطن
السوري، وداست على الإنسان وتنكرت لروح الثورة الفرنسية
ومبادئها في الحرية والديمقراطية والمساواة، تكون بذلك قد
ساهمت في شرعنة سياسات الاضطهاد والاستبداد الممارسة من نظام
الأسد بحق سوريا وشعبها. |